المحاضرة الثانية : موانئ عمان وساحلها
تعد الموانئ رئة الحياة بالنسبة للدولة فهي النافذة التي تطل على ما وراءها من العوالم ، كما أنها الواجهة التي يراها الزائر وربما لا يرى غيرها ، ولاسيما في العصور الوسطى ، وبعدها التي لم تعرف الطيران ، لذلك فهي عصب الاتصال والمجال الأقوى التي تحتك فيه الثقافات ، كما أنها ترمومتر ( ميزان الحرارة ) الاقتصاد والثراء المعبرة خير تعبير عن مدى النشاط التجاري .
والساحل العماني كان لموانئه دور كبير لعبته في تجارة المحيط لأن موقعه المثالي على مدخل الخليج الإسلامي يتوسط التجارة القادمة من الشرق والقادمة من الغرب فضلا عن تجارة الخليج الإسلامي وفي الوقت نفسه يقع خليج عمان على حافة منطقة الرياح الموسمية ذات الأهمية القصوى في الملاحة ، وكان الساحل العماني هو أول مرفأ يقابل الداخل إلى الخليج أو الخارج منه ، حين تتزود منه بالمؤن للرحلة الطويلة والتي كانت تستغرق أكثر من شهر ، وكانت الاستثمارات التجارية لمنطقة الخليج العربي تتم في عمان أما بطريقة مباشرة أو بطريقة المقايضة بالبضائع الافريقية مع تجار الخليج الذاهبين إلى الهند .
بين المراكز التجارية المهمة في الخليج العربي عمان والساحل العماني الذي يحتوي على اكثر من ميناء تجاري لاستقبال التجارة الشرقية مثل ميناء صحار وميناء مسقط وميناء قلهات .... وقد أدى العمانيون دورا مهما في التجارة منذ القدم وخلال المراحل التاريخية المختلفة لاستمروا حتى مطلع القرن السادس عشر بل وحتى القرن التاسع عشر بعد استعادة نشاطهم البحري عقب الاستعمار البرتغالي .
ان طبيعة بلاد عمان التي تفصلها عن بقية شبه الجزيرة العربية الصحراء الواسعة، جعلت اهلها يتجهون صوب البحر ويصبحون من اشهر بحارة وتجار المنطقة بل العالم آنذاك .
ومن موانئ عمان الرئيسة صحاروتعد من أقدم موانئ الساحل العماني الهامة ، التي تعد مخزنا للسلع الواردة من الهند والصين بيد ان هذه المدينة التجارية المهمة قد تدهورت واصبحت خربة في منتصف القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي ولم تستعد شهرتها السابقة الا بعد ذلك بزمن طويل.
امتازت كما وصفها العلماء المسلمون كالمقدسي والمسعودي والاصطخري بأن موقعها على البحر وفيها متاجر بيرة ، تقصدها السفن والمراكب ، مدينة مزدهرة في عمان وجميع البلدان الإسلامية ( مدينة اكثر عمران )
اما مسقط فقد كانت لها اهمية تجارية كبيرة على ساحل عمان ويرجع ذلك الى ان مسقط كانت محطة تجارية ومركزا لتوزيع البضائع وشحنها وهي مدينة جميله ومنازلها رائعة ، تحيط بمرافئها – عمان – الصخور والجبال الشاهقة ، فتأمن السفن فيها من أخطار العواصف واضطرابات البحر ، مما جعلها ميناء طبيعيا ممتازا ، وكانت مسقط من أكثر الموانئ التي اجتذبت العمانيين لركوب البحر ، لذا قام العمانيون بدور بارز في نمو التجارة العربية في المحيط الهندي .
ويذكر ابن ماجد(القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي) ان ميناء مسقط ليس لها مثيل في الدنيا وله جبل يراه اصحاب السفن الداخلة الى الخليج العربي مما يسهل رسو السفن فيه ليلا ونهارا ويصدر منه التمور والخيول ويستقبل الواردة من الهند وشرق افريقيا ، وقد وصفها البوكيرك بأنها مدينة عامرة بالسكان وميناؤها محصن وفيها اسواق للخيول والتمور ودورها جميلة .
اما ميناء قلهات فهو الاخر ميناء تجاري مهم يقع على ساحل عمان ازدادت شهرتها بعد تدهور وخراب ميناء صحار. وقد شهد الرحالة ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري الرابع العشر الميلادي نشاط المدينة التجاري وقال ان معظم اهلها يعملون بالتجارة. كان ميناء قلهات ذو موقع حصين وكان ملك هرمز يحتمي به عندما يهاجمه عدو قوي ، وأغلب السفن الذي ترسو به من الهند وكانت تأتي بالأقمشة والتوابل وتعود الخيول التي يشتريها التجار من الميناء زارها ماركو بولو الرحالة الايطالي المعروف في اواخر القرن السابع الهجري ،فوصفها بأنها مدينة حصينة تقع على خور أبي شرم وتصدر الخيول العربية الاصيلة إلى الهند وكانت ملوك هرمز تلجأ اليها اثناء الحرب .
ميناء ظفار :
ولا بد من أن نشير إلى أهمية ظفار كميناء مهم برز إثر سقوط بغداد ، حين تشغل موقعا جغرافيا يساعد على الاستفادة من الطريق التجاري للبحر الأحمر ، فهي ميناء طبيعي في خور داخل بحر العرب يصلح لرسو السفن في طريقها للبحر الأحمر وهي قادمة من الشرق ، أو في طريقها لجنوب شرق آسيا من الغرب وكلما زاد حكم التجارة بها ازدادت أهميتها وزاد ثراء سكانها وأهلها ، فعلى سبيل المثال بلغت الضرائب التي استحقت عن رسالة واحدة في نظام تجارة بضاعة الامانة احتوت حرير ومسك وأحجار وبورسلين وأطعمة احضرها تاجر من الصين في عام 703هــ- 1303م ، ثلاثمائة ألف درهم إلى بلاد الهند وكذلك اللبان ( الأخشاب ) .
ومن هذا يتضح مدى الأهمية السياسية والتجارية الكبيرة التي تمتعت بها عمان وموانئها في منطقة الخليج العربي فحسب بل في عموم المنطقة الممتدة من البحر الأحمر والمحيط الهندي وامتدادها إلى الشرق الأقصى حيث التجارة مع الهند والصين التي ازدهرت كثيرا وراح سكان عمان وموانئها يصدرون بضاعتهم من التمور والخيول والحبوب ........... اليها كذلك بالمقابل يستورد العرب منها بضائع تلك المدن من أحجار كريمة وتوابل وأخشاب وبهارات ................ وغيرها .