جامعة بابل / كلية التربية - صفي الدين الحلي
قسم التاريخ
المحاضرة السادسة والسبعون
محاضرات في تاريخ العراق المعاصر
أعداد
الدكتور سعد كاظم حسن
2- الوثبة :
استقبلت الجماهير العراقية المفاوضات وتوقيع المعاهدة بطريقة اخرى هي النضال اليومي لإسقاطها , وكانت بداية النضال ضد محاولة بريطانيا ربط العراق بمعاهدة جديدة , تصريح نسب الى فاضل الجمالي , وزير الخارجية , ونُشرَ في يوم (4 كانون الثاني 1948) زعم فيه ان الانتقادات التي تعرضت لها المعاهدة العراقية البريطانيا لعام 1930 ترجع الى السياسة الحزبية في البلاد , واثنى على بريطانيا لموافقتها على القيام بالمفاوضات قبل انتهاء اجل المعاهدة في عام 1957 (50) .
قوبل تصريح الجمالي بالمعارضة الجماهرية , وخرج طلاب كلية الحقوق متضاهرين في يوم 5 كانون الثاني يهتفون ضد العاهدة العراقية _ البريطانية وضد الصهيونية وانضمت الى المظاهرة جماهير طلابية كبيرة من طلبة الكليات والمعاهد والمدارس الثانوية الامر الذي دفع الشرطة الى التصادم مع المتضاهرين فجرح عدد الطلبة , واجتمع مجلس الوزراء برئاسة صالح جبر وقرر تعطيل الدراسة في كلية الحقوق اعتبار من (5 كانون الثاني ) الى اجل غير مسمى , وتشكيل لجنة ادارية للتحقيق (51) .
كان رد الفعل الشعبي لحادثة الحقوق قويا , وأصدرت الأحزاب السياسية بيانات استنكرت فيه اعتداء الشرطة على الطلاب , وطالبت باطلاق صراح الطلبة المعتقلين واستئناف الدراسة . اما في المجال الطلابي فأعلن الإضراب في كلية الصيدلة والكيمياء ودار المعلمين العليا (التربية حاليا) والهندسة والطب وغيرها اعتبارا من 6 كانون الثاني حتى تستجاب مطاليبهم التي رفعت بمذكرات إلى رئيس الوزراء وزير الداخلية وتضمنت :
1. أطلاق صراح طلاب وطالبات كلية الحقوق الموقوفين .
2. فتح كلية الحقوق والاستمرار بالدوام .
3. معاقبة المسئولين في حادث الحقوق .
4. إلغاء المعاهدة العراقية – البريطانية .
5. القيام بالأعمال السريعة لإنقاذ فلسطين العربية من الاستعمار والصهيونية .
استجابت الحكومة لبعض المطالب الطلابية , منها استئناف الدراسة في كلية الحقوق اعتبارا من (8 كانون الثاني) فعاد الهدوء الى الكليات والمعاهد العالية , الا ان توقيع المعاهدة في بورتسموث (15 كانون الثاني) التي نشرت في الصحف العراقية في اليوم التالي أشعل فتيل الانتفاضة , فاعلن الطلبة الإضراب العام لمدة ثلاثة ايام اعتبارا من (17 كانون الثاني ) وفي يوم (19 كانون الثاني) تظاهر طلاب الكليات والمعاهد العالية والمدارس الاخرى , وكانوا يهتفون بسقوط وزارة صالح جبر , ومعاهدة بورتسموث وسياسة التجويع والارهاب , وبحياة فلسطين حرة مستقلة , وألقيت قصائد وخطب حماسية ضد الحكومة وسياستها , وصدر بيان من وكيل رئيس الوزراء هدد فيه باتخاذ الإجراءات الشديدة لمنع اية مظاهرة او اضراب (52) .
ولم تخمد المظاهرات الطلابية بل تجددة في يوم (20 كانون الثاني ) , وتعددت المظاهرات العنيفة في كل مكان من بغداد الى ان أصبح شارع الرشيد يزخر بمظاهرة واحدة , حيث اتصلت المظاهرات بعضها بالبعض الاخر , وقامت الشرطة باطلاق النار عليها ,واستشهد اربعة من المتظاهرين وجرح اخرون . واصدر وزير الداخلية بيانا منع فيه التجمع في الطرقات وهدد باستعمال القوة لتفريق المظاهرات والتجمعات (53) .
وقامت مظاهرة كبيرة صباح يوم (21 كانون الثاني) قرب المستشفى الملكي (الجمهوري – مدينة الطب الان) لتشيع شهداء مظاهرة اليوم السابق , فتصدت لها الشرطة وأطلقت النار عليها فأستشهد شخص واحد وجرح اخرون , مما ادى الى احتجاج الجمعية الطبية في العراق على عمل الشرطة وانتهاكها لحرمة المستشفى . من هنا قدمت هيئة التدريس في كلية الطب استقالتها , وحدث في الوقت ذاته مظاهرات واشتباكات في جانب الكرخ والرصافة , وفي مناطق اخرى من القطر . ادى استمرار المظاهرات وتوسعها الى اجبار الوصي عبد الاله الى دعوى لعقد مؤتمر في البلاط مساء(21 كانون الثاني) حضره اعضاء الوزارات وبعض رؤوساء الوزارات السابقين ورئيس مجلس النواب والاعيان , وبعض نواب المعار ضة وممثلوا الاحزاب السياسية العلنية واستغرق الاجتماع خمسة ساعات لمناقشة الوضع العام في البلاد والمساهمة العراقية البريطانية , فانتقد الحاضرون المعاهدة وطالبوا برفضها , الامر الذي دفع الوصي الى إصدار بيان اذيع بالراديوا اعلن فيه ان المشتركحين في الاجتماع توصلوا الى راي موحد , ان المعاهدة العراقية البريطانية التي وقعت في بورتسموث لا تعبر عن المصالح الوطنية للبلاد وليس طريقا صحيحا الى تقوية الصداقة العراقية البريطانية , ووعد الشعب العراقي بعدم ابرام اية اتفاقية لاتضمن حقوق البلاد وأمانيها الوطنية (54) .
اما صالح جبر , رئيس الوزراء , الذي كان لايزال في لندن فقد اولى بتصريح زعم فيها , بان البرلمان والشعب سيجدان في المعاهدة ما يحقق الاماني القومية ووعد بانه سيفهم الشعب حقيقة المعاهدة وسيقضي على مثيري القلاقل , الامر الذي ادى الى تجدد المظاهرات الشعبية في الايام (22و23و24 كانون الثاني) وتحدد اهدافها بالامور التالية
1. اسقاط وزارة صالح جبر وتشكيل وزارة وطنية جديدة .
2. حل المجلس النيابي وانتخاب مجلس حر يمثل اماني الامة ومطاليبها الوطنية .
3. جلاء جميع القوات البريطانية عن العراق حاليا .
4. تحقيق اماني الشعب الوطنية في الحرية والكرامة .
عاد صالح جبر الى بغداد في يوم (26 كانون الثاني) وعقد حال وصوله اجتماعا لمجلس الوزراء في قصر الرحاب برئاسة الوصي لاستعراض الوضع العام والوسائل التي يجب اتباعاها لاعادة الهدوء الى العاصمة . واوضح الحاضرون ان ما حدث خلال الايام الماضية ليس مظاهرات في الحقيقة وانما هي (ثورة عاتية) ودعوا الى معالجتها بالتدابير المناسبة فاذاع صالح جبر بيانا مساء اليوم نفسه استعرض فية المراحل التي مرت فيها المفاوضات في بغداد ولندن وما سماه المزايا الجديدة للمعاهدة , وادعى ان الامة سيكون لها الحكم الفاصل والكلمة الاخيرة في امر المعاهدة سلبا او إيجابا , ودعا الى الاخلاء الى الهدوء والسكينة وترك كل ما من شانه الاخلال بالامن والنظام .
قوبل بيان صالح جبر بمظاهرات فورية في مناطق بغداد المختلفة وأرتفعت الهتافات بسقوط صالح جبر والمعاهدة وتصاعد أطلاق العيارات النارية في الفضاء وفي صباح يوم الثلاثاء (27 كانون الثاني) أخذت الجماهير تتجمع بكثرة في مناطق بغداد المختلفة ,باب المعظم وساحة الامين والساحة الثانوية في الكرخ وساحة السويدي وساحة الاعظمية وساحة جامع الكيلاني ورؤوس الجسور واماكن اخرى . وحوالي الساعة التاسعة هاج الناس في كل مكان , وقاموا بمظاهرات عنيفة مسلحة وصفها الشرطة بانها انقلبت الى (هياج مسلح ينذر قيام ثورة دالية في بغداد ) حاصر المتظاهرون مراكز شرطة الكرخ وامام طه والاعظمية وباب الشيخ .
تجمعت المظاهرات في النهاية في منطقتين الاولى في الكرخ بالقرب من ساحة السويدي (الشهداء الان) والثانية في شارع الامين , وكان كل من الطرفين يريد الانظمام الى الطرف الاخر . وكانت الشرطة قد اتخذت لها مواقع في الجوامع والاماكن العالية , وعندما تقدم المتظاهرون من جانب الكرخ باتجاه الرصافة وقبل ان يصلوا الى نهاية الجسر بدا الشرطة في اطلاق النار عليهم فتراجعوا الى ساحة السويدي , وفي هذه الاثناء تقدم المتظاهرون من جانب الرصافة الى الكرخ وبدأت نيران الشرطة تطلق من اتجاهات مختلفة , واصبح المتظاهرون على الجسر بين نارين فاستشهد (11 متضاهرا) وجرح اخرون , والقي بعضهم الاخر نفسه في نهر دجلة .
ادت اعمال الشرطة الى ازدياد النقمة على اجراءات وزارة صالح جبر , وقدم بعض النواب استقالتهم احتجاجا , كما استقال وزيران , الامر الذي دفع الوصي الى الايعاز الى صالح جبر الى تقديم استقالته فاسرع الى تقديمها واذاع الوصي بيانا الى الشعب اعلن فيه أسفه على الحوادث التي وقعت , كما اعلن قبول استقالة صالح جبر ودعى الشعب الىالهدوء والسكينة وهكذا استطاعت الجماهير التي واصلت التضاهر من بداية كانون الثاني , من اسقاط وزارة صالح جبر بعد إن قدمت (28 شهيدا ) وعدد كبير من الجرحى.
ان الانتفاضة التي قابل بها الشعب العراقي المعاهدة دللت على الوعي الذي تمتعت به الجماهير وحركتها الوطنية . على الرغم من ان المعاهدة كانت السبب المباشر في الوثبة الوطنية . لن تكن الوثبة حدثا منفصلا عن احداث العراق السابقة والوطن العربي . وكان العراق قد شهد في إعقاب الحرب العالمية الثانية سلسلة من الإحداث فقد اعقب تصاعد الحركة الوطنية واجازة الاحزاب السياسية في عهد الوزارة السويدية 1946 سلسلة من الإجراءات القمعية التي بدأتها وزارة ارشد العمري واستمرت في عهد وزارة نوري السعيد التاسعة ووزارة صالح جبر وكان من نتائجها غلق حزبين سياسيين هما : الشعب والاتحاد الوطني , وتعطيل الكثير من الصحف واجراء انتخابات نيابية قاطعتها الاحزاب السياسية ,فضلا عن تردي الاوضاع الاقتصادية . اما في الوطن العربي فكانت القضية الفلسطينية محور النضال القومي , قد ادى عرضها من قبل بريطانيا على الامم المتحدة وصدور قرار التقسيم الى تصاعد الكراهية ضد بر يطانيا التي كانت المسؤول الرئيس ,
المباشر في ضياع حقوق العرب في فلسطين . واستمرت التظاهرات منذ (تشرين الثني 1947) تندد بالسياسة البريطانيا , وفي هذا الجو المشحون بالشدة والكراهية ضد الحكومات العراقية التي تولت الحكم بعد الحرب العالمية الثانية وضد بريطانيا ووجودها العسكري في العراق , وقعت المعاهدة فكانت السبب المباشر الذي أجج الوثبة الوطنية .
كان من ابرز مميزات الوثبة اتساقها وشمولها فهي لن تكن مقتصرة على الطلبة والعناصر المثقفة ولا جماعات الاحزاب والفئات المنضمة . بل كانت حركة شاملة جارفة هزت أعماق الجماهير الشعبية . كما انها لم تكن تقتصر على العاصمة وحدها بل امتدت العراق كله . وكانت الشعارات والمطاليب التي تسير تحت لوائها المظاهرات في كل مكان متشابهة المعاني والاهداف أولا , وذات طابع وطني وديمقراطي وقومي في وقت واحد ثانيا , ففي حين كانت تطالب بجلاء الجيوش الأجنبية عن العراق والأقطار العربية الاخرى وتحقيق استقلاله التام , وسقوط معاهدة جبر – بيفن والاستعمار, ومحاكمة الوزراء الذين شاركوا بعقد المعاهدة , كانت تطالب بالحريات الديمقراطية واطلاق سراح الموقوفين والسجناء السياسيين وحل المشاكل الاقتصادية , وحل المجلس النيابي المزيف , وغيرها من الشعارات .