انتفاضة (1857) في الهند واسبابها السياسية والاقتصادية
لم يكن الهنود قد استساغوا السيطرة الاستعمارية الانكليزية على بلادهم فبعد ان اصبحت البلاد تحت حكمهم بدأوا بتطبيق سياستهم عليها والتي تتفق مع مصالح المستعمر وبالضد من مصلحة أهل البلاد ومن منتصف الخمسينات من القرن التاسع عشر اخذت كراهية الهنود للانكليز تزداد بشكل كبير. وكانت تصرفات الانكليز تزيد من كراهية الهنود لهم لاسيما عدم احترامهم للمسائل الدينية عند الهنود مثل ارغام الضباط الانكليز للجنود الهنود على ركوب البحر وهو ما يعتبر محرماً في دينهم. كذلك ما اشيع عن عزم الانكليز تنصير الهنود بالاكراه. فضلا عن امتهان الانكليز كرامة اهل البلاد في اشخاص ملوكهم وامرائهم. ونرى ذلك واضحا عندما اصدر الحاكم الانكليزي في الهند لورد كيننك ( Kenning ) أمرا إلى السلطان ( بهادر شاه ) وهو آخر رموز الامبراطورية المغولية اعلن فيه بانه يعتبره آخر شخص يسمح له حمل لقب سلطان من هذه الاسرة . وان جميع الامتيازات التي تمتع بها تنتهي بموته, وان ولده وان كان سيعتبر وريث هذه الاسرة وسيعطي راتبه المخصص له إلا انه سيكون فردا من افراد الشعب ليس إلا . وكان لذلك تأثير كبير في الهنود لانهم يعتبرون السلطان على الرغم من ضعفه رمزاً للسلطة الوطنية.
اصبحت النفوس تضطرم بنار الثورة ومهيأة لانتظار الفرصة المناسبة حتى جاءت تلك الفرصة من الانكليز انفسهم عندما أقدموا على محاكمة عدد من الجنود الهنود واصدار احكام مختلفة بالسجن ضدهم بحجة امتناعهم عن تادية الواجب. عندما امتنع الجنود الهنود عن استخدام نوع من العتاد اشيع ان فتيل هذا العتاد . مغموس بشحم البقر والخنزير يقصد انتقاص عقائد الهندوس الذين يقدسون البقر وعقائد المسلمين الذين يحرمون اكل الخنزير مما اثار الهنود وادى إلى قيامهم بثورة عارمة اخذت اخبارها تنتشر في ارجاء الهند بسرعة كبيرة ونادى الثوار باسم السلطان (بهادر شاه) واتخذوه رمزاً لثورتهم على الرغم من عدم رغبته هو نفسه لقلة همته وكبر سنه.
تحتل الانتفاضة مكاناً بارزاً في تاريخ الهند وهيمنة بريطانيا عليها لما خلفته من نتائج مهمة لا على شبه القارة الهندية وحدها بل على مجمل الامبراطورية البريطانية في الشرق . والمتتبع لهذه الانتفاضة والاسباب التي ادت إلى قيامها يرى ان اسبابها السياسية تكمن في تطور الوجود البريطاني في الهند والذي تحول يوما بعد يوم إلى جهاز استعماري يحكم قبضته عليها. فكانت الولايات الهندية تحكم من قبل بلاطات صغيرة . وكان عند نهاية كل ولاية يحل الرجل الانكليزي محل الحاكم المحلي لتلك الولايات تحت اسم المفوض أو المندوب مع ثلاثة أو اربعة مستشارين. وقد اختفى البلاط الصغير تدريجياً وانهارت التجارة وبدأ الشعب يواجه الفقر المدقع بينما انتعش الرجل الانكليزي الذي بدأ يتصرف مثل قطعة الاسفنج يقوم بسحب الخيرات من بنوك الكنج ليصبها في بنوك التايمز.
أما الاسباب الاقتصادية لانتفاضة عام 1857 في الهند فقد تمثلت بقولبة الاقتصاد الهندي لتلبية المتطلبات الصناعية في انكلترا . وكان ذلك المصدر الاساس للتراكم المالي الذي مكن بريطانيا خلال القرن الثامن عشر من تطور رأسماليتها الصناعية . إذ اصبحت الهند مصدراً رئيسياً للمواد الاولية للصناعات البريطانية المتطورة وسوقاً للبضائع . ولما كانت هذه البضائع أفضل نوعاً وارخص سعراً فان ذلك ادى إلى تقويض الصناعة الهندية التي كانت في طور النمو . وبسبب ذلك تحول عدد كبير من سكان الهند إلى الزراعة ، ولكن ارتفاع نسبة الضرائب التي وصلت في بعض الاحيان إلى (50) بالمائة واسلوب جمعها بوساطة الزمندار اجبرت صاحب الارض على بيع ارضه للمرابين وبهذه الطريقة انتقلت الاراضي من ايدي مالكيها التقليديين بموجب القوانين الصادرة إلى ايدي الطبقة الجديدة من المشتركين بالمزاد والمرابين ، وهذه السياسة اضعفت الاقتصاد الهندي واثرت في مختلف فئات الشعب من الامراء واصحاب الاراضي الزراعية والفلاحين والبسطاء واصحاب المهن البسيطة ، لذلك ساد الاستياء لدى هؤلاء جميعاً