الاحتلال الامريكي للفيليبين عام 1898
اصدرت الحكومة الامريكية في 21 نيسان 1898 اوامرها إلى قواتها بالتحرك إلى هافانا ، وبعد ان اتمت القوات الامريكية احتلال كوبا في 17 تموز 1898 ، وضعت نصب عينها التوجه لاحتلال الفيليبين .
كان تيودور روزفلت ، الذي عين في خريف عام 1897 مساعداً لوزير البحرية، وعدد من السياسيين المدعومين من مؤسسات تجارية وصناعية كبرى وشركات صحفية فاعلة، يخططون للسيطرة على جزر الفيليبين ، بدعوى ان الفيليبين تتحكم بمدخل الشرق الاقصى، وإذا سيطرت عليها الولايات المتحدة فأن ذلك سيؤسس قاعدة إقتصادية وسياسية مهمة للولايات المتحدة هناك .
ومع بدء المشكلة مع اسبانيا كان الاتجاه العام للادارة الامريكية ان يقوم روزفلت بتهيئة القوات الامريكية وتكون مستعدة للعمليات الحربية في كل من المحيط الاطلسي والمحيط الهادي . والبحث عن رجل لتنفيذ هذه المهمة، فوقع الاختيار على الكوماندور جورج ديوي (George Dewy) ، الذي قرأ كل ما استطاع قراءته عن الفيليبين ودرس جميع مخططات المياه الاقليمية المحيطة بها. وقبل ان يغادر ديوي لمهمته الجديدة قام روزفلت بلقائه. ووضع تحت تصرفه قوة بحرية مؤلفة من اربع سفن كبيرة، وقارب مسلح صغير . وغادر إلى اليابان في وقت مبكر من شهر كانون الاول 1897 ، وتوقف في ناكازاكي ثم نقل تجهيزاته العسكرية إلى هونغ كونغ ليقترب اكثر من مدينة مانيلا . ولم تكن لديه معلومات كافية عن الاسطول الاسباني وتحصيناته في الفيليبين، فارسل ديوي بعضاً من رجاله لجمع المعلومات من المسافرين الذين يصلون هونغ كونغ. كما اتصل ديوي عبر وسطاء بالثوار الفيليبينيين المتمركزين في هونغ كونغ والذين كانوا تحت قيادة اميليواغوينالدو ، للحصول على دعمهم في تقويض السلطة الاسبانية في الفيليبين ووجد تجاوباً جيداً منهم.
انشأ ديوي قاعدة مؤقتة عند خليج ميراس (Meras) في المياه الصينية ، وفي 27 نيسان 1898، تحرك من خليج ميراس إلى الفيليبين. وفي يوم 30 نيسان وصلت سفنه بالقرب من ميناء مانيلا ، وبدأت بتفتيش شامل في خليج سوبك (Subic) قرب ميناء مانيلا ، بهدف العثور على الاسطول الاسباني. الا ان الاسطول الاسباني اقام تحصيناته بعيداً في خليج مانيلا . وكان لدى الاسبان ضعف عدد السفن التي يمتلكها ديوي ، الا ان التعزيزات العسكرية البحرية التي كانت تحت امرة ديوي افضل تسليحاً.
في صبيحة 1 أيار 1898 دخلت السفن الامريكية خليج مانيلا، وكان الاسطول الاسباني بعيداً عن المدينة وبالمياه الضحلة متخذاً موقفاً دفاعياً. وعمل ديوي على ان يكون الهجوم شاملاً وكاسحاً بقناعة مفادها كما وردت في سيرته الذاتية " ... كلما كان هجومنا شاملاً وعاجلاً اكثر كانت خسائرنا
اقل "
كانت السفن الاسبانية المتمثلة بـ رينا كرستينا (Rena Crestena) وكاستلا (Castla) قد احتمت بعدد من السفن الصغيرة وكانت عاجزة عن توجيه أية ضربة مباشرة إلى الاسطول الامريكي الذي اقترب لمسافة (4) كيلومتر ، ووجه ديوي اوامره إلى الضابط غريدلي (Gredley) بالهجوم.
بدأت السفن الامريكية باطلاق النار، وقامت بثلاث جولات من جهة الشرق وجولتين من جهة الغرب، وفي اليوم التالي تقدمت السفينة رينا كرستينا تريد الاقتراب من سفينة ديوي ، الا انها واجهت نيراناً كثيفة عطلت محركاتها واجهزة القيادة. مع مجمل خسائرها البالغة (220) بحاراً. وفي ظهر اليوم نفسه ، الأول من أيار 1898 ، تجدد الاشتباك مرة اخرى وواجه الاسطول الامريكي مقاومة ضعيفة، وقامت سفنه بتدمير بعض السفن الاسبانية واحراق الاخرى واسر العدد الكبير من البحارة الاسبان .
واعلن ديوي في ذلك اليوم انه دمر سفن البحرية الاسبانية واغراقها دون ان يخسر أية سفينة ولاحتى أي جندي من جنوده.
كان لانتصار ديوي في معركة خليج مانيلا رد فعل واسع في الاوساط الامريكية، إذ تلقت الحكومة الامريكية انباء الانتصار بحماسة كبيرة، واعلنت للرأي العام الامريكي ان ديوي دمر الاسطول الاسباني باكمله .
وبعد ان سيطر ديوي على خليج مانيلا، لم يبق امامه سوى السيطرة على مدينة مانيلا ، لتمركز الجيش الاسباني هناك، ولم تكن لديوي قوات كافية لمواجهته، لذا طلب من حكومته ارسال مساعدة عسكرية ، كما طلب من اغوينالدو العودة إلى لوزون والتعاون مع القوات الامريكية في احتلال المدينة، بناءً على الاتفاق المسبق بينهما في هونغ كونغ .
وضع ديوي خطة عسكرية تضمنت مايأتي:
1- فرض الحصار على مدينة مانيلا والتصدي لاي هجوم مفاجئ.
2- السيطرة على مستودع اسلحة كافيت وحماية مخازنه.
3- فرض الامن والنظام وتحقيق الانضباط محل الفوضى .
لم يكن صعباً فرض الحصار على مانيلا ، لانها لاتعد من المواقع الحربية، وليس بين احيائها سوى حي واحد فيه استحكامات عسكرية بسيطة متمثلة بمدافع ذات طراز قديم ، فضلاً عن قوة عسكرية بسيطة متمركزة حول شاطئ مانيلا الجنوبي. وهذا يعكس ضعف الامكانات العسكرية الاسبانية موازنة مع اسلحة ديوي ذات الطراز الحديث.
في 2 أيار 1898 بدء ديوي بتنفيذ خطته العسكرية ، فابحر باسطوله إلى منطقة كافيت وتوقف عند مرسى محمي من قذائف المدفعية الاسبانية في مانيلا، وفي اليوم التالي تمكن فريق انزال امريكي من احتلال مستودع الاسلحة في كافيت، مما وفر بعض التسهيلات المطلوبة لدعم الاسطول الامريكي . وقد نشرت صحيفة سان فرانسيسكو (San Francisco) الامريكية في اليوم التالي خبر انتصار القوات الامريكية في كافيت .
وقد ارسل ديوي طلباً إلى حكومته لامداده بقوات اضافية ، لاكمال تنفيذ خطته العسكرية في احتلال مانيلا ، فكتب قائلاً " اني اسيطر على الخليج تماماً واستطيع الاستيلاء على المدينة في أي وقت ، لكنني لا املك العدد الكافي من الرجال كي احكم قبضتي ".
وفي 17 آيار 1898 ردت وزارة البحرية جواباً على برقية ديوي تضمنت ترقيته إلى ضابط بحري برتبة عميد وابلغته بان سفينة حربية مع اخرى ملحقة ستتوجهان قريبا إلى مانيلا مع ذخيرة وتجهيزات . وان ارسال هذه السفن سيتوقف فيما اذا ارسل برقية تخالف ذلك . الا ان ديوي رد في 23 أيار على هذه البرقية قائلاً " ان السيطرة على جزر الفيليبين يتطلب ، في افضل حال قوة جيدة التجهيز تضم (5.000) جندياً ". الا ان الحكومة الامريكية ارسلت في 5 حزيران (2500) جندي من سان فرانسيسكو مع تزويدهم بما يحتاجونه من الاقوات لمدة سنة كاملة.
واتخذت عدداً من الاجراءات لتنظيم قواتها في الفيليبين ، حيث تم تعيين الجنرال ويسلي ميرت (Wesley Merritt) قائداً لجيش الفيليبين المتكون من (2500) جندي نظامي، والبقية من متطوعي ولايات امريكا الغربية .
وعلى خلفية هذه التطورات ، اتخذ الحاكم الاسباني العام في مانيلا، باسيليو اوغوستين (Basilio Augustin) هو ايضاً عدداً من الاجراءات لحماية مدينة مانيلا، بعد ان قطع ديوي خط الامدادات من والى هونغ كونغ، فتم غلق المباني المهجورة وخزن المواد التموينية الضرورية واقامة نقاط الحراسة والمراقبة . كما ادرك ان قواته ستواجه موقفاً صعباً اذا ما انضم الفيليبينيون للسلطة الأمريكية. فأوجد في 4 ايار 1898 قوة ميليشيا فيليبينية ، وشكل مجلساً استشارياً ضم فيليبينيين لغرض المشاركة لادارة المدينة. وعين في 9 أيار بيردواي . باتيرنو (Perdo A.Paterno) رئيساً لهذا المجلس الذي عقد اول جلساته في 28 أيار، وبعد ثلاثة ايام اصدر باتيرنو بياناً عاماً دعا فيه الفيليبينيين إلى التعاون مع القوات الاسبانية لصد الهجوم الامريكي ، بعد ان تعهد الحاكم العام بمنح الفيليبينيين الحكم الذاتي مقابل تعاونهم مع القوات الاسبانية.
وانتقد اغوينالدو بيان باتيرنو وشن هجوماً شخصياً عليه . وكان المجلس الاستشاري قد اجتمع يوم 13 حزيران، الا انه فشل في القيام بأية مهمة يمكن ان تخدم الاسبان. وانسحب عدد من اعضائه ليصبحوا فيما بعد اعضاء بارزين في تنظيم اغوينالدو. كما ان الميليشيا الفيليبينية فشلت هي ايضاً في اداء واجبها وحلت فيما بعد .
كان الحاكم العام في مانيلا اوغوستين قد وزع الجنود الاسبان على مواقع عديدة داخل المدينة لحراستها ، الا ان الثوار الفيليبينيين بقيادة اغوينالدو قدموا مساعدة كبيرة للقوات الامريكية بهجومهم على هذه المواقع مما اجبر الاسبان الى التراجع الى اماكن خارج مانيلا. وقد سهل هذا التطور استيلاء الثوار على اقليم كافيت . ونظراً للضغط المتزايد عليه، شكا اوغوستين في 25 آيار الى حكومته قائلاً " اني في وضع صعب وخطير جداً بوجود العدو في الداخل والخارج ، واني افتقر الى القوة لصد الهجمات ".
وفي غضون اسابيع اصبحت جميع لوزون عدا مانيلا تحت سيطرة الثوار الفيليبينيين بقيادة اغوينالدو، الا ان قواته لم تكن كافية للاستيلاء على
مانيلا ، اذ كان عليه انتظار وصول التعزيزات الامريكية ليتم الاستيلاء على المدينة .
وفي حزيران 1898 كثف الثوار من هجومهم على الدفاعات الخارجية لمانيلا، مما جعل اوغوستين يجادل بالحاح بعدم قدرته على الاستمرار في القتال دون مساعدة . وسانده في رأيه القائد الاسباني الاميرال مونتوجو (Montojo) الذي كتب في 21 حزيران رسالة إلى وزير البحرية الاسباني اونون (Aunon) تضمنت تأييده لوجهة نظر اوغوستين إذ قال " ننتظر بلهفة وصول الامدادات والتعزيزات، انه امر ملح ان تأتي قبل فوات الاوان ".
الا ان الوقت لم يكن في صالحهما حيث اسرع الثوار بالنزول في ارجاء مانيلا وسيطروا على بعض مراكزها وعندها اقترح المركيزدي استلا (D.Astla) قائد مانيلا العام الاستسلام، الا ان اقتراحه اثار غضب المجلس الحربي عليه، فاستقال من منصبه . اما الثوار فقد استغلوا الارباك في الجانب الاسباني وقاموا باحتجاز عدد كبير من الجنود الاسبان، وعدد اخر من العسكريين والموظفين المدنيين .
وقد ازدادت مخاوف الاسبان بعد وصول فرقة عسكرية امريكية إلى الفيليبين في 3 حزيران 1898 بقيادة ثوماس ام . اندرسون (Thomas M.Anderson) . اما الاسطول الاسباني الذي ارسل من اسبانيا بقيادة الاميرال مانويل دي لاكامارا (Manuel De Lacamara) ، الذي غادر كاديز في يوم 16 حزيران 1898 ، ووصل إلى السويس ، اضطر للعودة بسبب التهديدات الامريكية لساحل اسبانيا . عندها واجهت القطعات العسكرية الاسبانية في مانيلا موقفاً صعباً ، اذ شعرت انها متروكة لتواجهه مصيرها مع مجموعات ضخمة من الثوار والقوات الامريكية المتزايدة ، وبذلك خسرت كل امل في تفادي الهزيمة.
وعند هذه المرحلة اقتنع كل من ديوي وميرت بان الوقت قد حان للسيطرة على مانيلا. لذا انذروا الحاكم الاسباني العام في 7 آب 1898 بانهم سيهاجمون الدفاعات في مانيلا خلال 48 ساعة، وطالبوا باخراج المدنيين من المدينة. وكان الحاكم العام باسيليو اوغوستين راغباً بالاستسلام بدون شرط ، الا ان الامريكان رفضوا ذلك، كما رفضوا منحه وقتاً للتشاور مع حكومته. عندها نزلت القوات الامريكية بقيادة الجنرال ميرت في كافيت واتخذت الاستعدادات اللازمة لاجتياح مانيلا. الذي تحقق في 13 آب 1898حيث تم الاستيلاء على المدينة باستسلام القائد الاسباني العام للقيادة العليا الامريكية.