المحاضرة الثالثة : منذ عهد السيد سعيد بن سلطان .
امتاز سعيد بن سلطان (1806 – 1856) بشخصية قوية وارادة صلبة وافق واسع وادراك سليم للامور. جعله بين الفريدين والافذاذ في تاريخ شرق الجزيرة العربية وشرق افريقيا وقد وصفه فريزر الذي زار مسقط عام 1821 بقوله.
((للامام شخصية قوية جذابة ولكنها بعيدة كل البعد عن القسوة والصرامة فملامحه بشوشة هادئة وسلوكه رقيق ورصين)) .
جاء سعيد الى السلطة والاحوال الداخلية في عمان مضطربة وذلك من جراء الضغط العسكري المستمر من الشمال من الخليج العربي. وفي الداخل كان آل سعود اكثر خطرا على عمان من القواسم وقد احتل الوهابيون مسقط مرارا, واجبروا سعيد في كل مرة على مضاعفة الضرائب وقد قضى سعيد عشرين عاما وهو في صراع عسكري ودبلوماسي مع ممارضيه ومناقشيه, ولم يتخلص من الخطر السعودي حتى في فترة الحرب التي اشتعلت بين جيوش محمد علي باشا, حاكم مصر, وزعماء آل سعود وان كانت قد خفت حدة الهجمات على مسقط وضواحيها واستطاع سعيد ان يصبح السيد المطاع في بلاده, ولم يعد ينازعه على السلطة احد, وان يوحد عمان بشكل لم تعرفه البلاد من قبل. وتتويجا لهذه الانتصارات ودلالة على اضمئنانه وثقته بقوته ونفوذه ذهب الى مكة في عام 1814 لاداء فريضة الحج .
ابدى سعيد بن سلطان نشاطاً ملحوظاً في منطقة الخليج العربي, فأرسل في شهر تموز عام 1826 سفنه لمحاصرة بوشهر , ولكنه وبناءاً على نصيحة من المقيم الانكليزي لم يهاجم المدينة.وقد استطاع ان يأسر والي الجزيرة الفارسي وهو في طريقه في البحر الى بلاده وظل في اسره عدة اشهر. وقاه اسطوله في شهر تشرين الثاني من عام 1828 الى البحرين بهدف الاستيلاء عليها. وقد اخفق الهجوم واصيب سعيد نفسة في جرح اثناء المعركة. واظطر الى العودة الى مسقط . وفي عام 1839 ارسل سعيد جيشاً الى ظفار استطاع الاستيلاء عليها وضمها الى املاك سلطنته .
ورافق نشاط سعيد بن سلطان في الخليج نشاطاً متميزاً في سواحل افريقيا الشرقية لتأكيد السيادة العربية عليها, فقاد اسطوله في عام 1828 الى ممباسا لرفض حكمها من ال المزروعي الاستسلام له . وقد جرت مفاوضات بين الجانبين ادت الى الاتفاق في كانون الثاني 1828 على سيطرة السيد سعيد علي ممباسا وحصوله على نصف دخلها , مقابل الاعتراف بسالم المزروعي حاكماً عليها. على ان تبقى قلعتها بأيدي المزروعيين. مع السماح لخمسين جندياً عمانياً بالمرابطة فيها . وخلال حملة السيد سعيد ممباسا اعجب بالجزيرة جداً بجزيرة زنجبار التي اصبحت الدعامة الكبرى في مشروعاته الافريقية والواقع ان هذه الجزيرة كانت تفوق المراكز الاخرى في نقاط كثيرة فهي ذات موقع متوسط بين موانئ شرق افريقيا. وقد حقق لها هذا الموقع مركزاً اقتصادياً مهماً فضلاً عن انها اكثر امناً من اية نقطة على الساحل, وذات طقس معتدل , وارضيها خصبة ولها ميناء كبير صالح للملاحة وبها اعذب مياه في شرق افريقيا على حد قول السيد سعيد نفسه .
بدأ السيد سعيد يطيل اقامتة في زنجبار حيث جعلها مقراً لحكمه منذ عام 1840 , ولعل الدافع الاقتصادي هو الذي دفعه الى الاقامة في زنجبار لانه ليس هناك مكان اخر في مملكته اكثر ملائمة لتنفيذ سياسته الاقتصادية من زنجبار , علاوة على ذلك سياسة السيد سعيد الرامية الى تدعيم ممتلكاته الجديدة في افريقيا, الا ان نقل العاصمة من مسقط الى زنجبار كان امراً خطيراً لان المسافة بين العاصمتين تبلغ نحو (2500) ميل. هذا بالاضافة الى ان القوارب تستطيع الوصول من عمان الى زنجبار اثناء هبوب الرياح الموسمية فقط .وقلل من خطورة هذا الامر امتلاك السيد سعيد اسطولاً عسكرياً وصف بأنه كان اقوى اسطول تمتلكه دولة في ذلك الوقت من اليابان حتى رأس الرجاء الصالح . وبلغ من السلطة السيد سعيد في افريقيا ان قيل فيه ( اذا ضرب السيد سعيد طبلة في زنجبار رقصت عليها كل غابات افريقيا ) ويضيف كيلي الى ذلك القول .....
( اصبحت مسقط عن طريق جرأة اسرة البوسعيد الدولة البحرية الاولى في شبه الجزيرة العربية في قرن التاسع عشر , والمركز التجاري العظيم بين سواحل الخليج العربي والهند وافريقيا والبحر الاحمر ) .
وقد كان السيد سعيد فضلاً عن كونه سلطاناً ورجل سياسة , تاجرا ماهرا نظم تجارة بلادة مع العالم الخارجي,وكان يمتلك اسطولا تجاريا ضخما يحمل منتجات زنجبار وممباسا وكلوة ومقديشو الى موانئ الأسيوية والأفريقية 0وقد عقد عدة معاهدات تجارة وصداقة مع الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا والبرتغال واسبانيا الا انة كان حليفا قويا لحكومة الهند البريطانية وللحكومة البريطانية في لندن .وكان اغلب الاحيان تابعاً لسياستها ,وخاصة في علاقتها مع فرنسا, وكان هدف بريطانيا خدمة لمصالح بريطانيا , وصيانة هدوء الخليج العربي , والتعاون ضد أي طرف يعادي النشاط البريطاني , وقد اعلن بالمرستون , وزير خارجية بريطانية ان مهمة حكومة وضع الخليج العربي تحت السيطرة البريطانية , بعيداً عن نفوذ أي دولة اخرى تستطيع ان تهدد سيطرة بريطانية عليها .
ادى تطور العلاقة بين بريطانيا وعمان، والجهود التي بذلها العقيد هنيل القيم البريطاني في الخليج العربي لاقناع حكومة بارضاء السيد سعيد الى عقد معاهده عام 1839 تضمنت حرية التجارة الاقامة ونقل البضائع والدخول، وعدم فرض ضرائب تزيد على 5% على البضائع. والغلات البريطانية المستوردة على سفن بريطانية مساعدة السفن عند تعرضها لمأزق خطر. وفي عام 1840 تم الاتفاق على تعيين الكابتن انكتز همرتون (Himcrton) ليكون ممثل لشركة الهند ووزارة الخارجية البرطانية وبعد ست سنين وقعت معاهده اخرى في عام 1845 تعهد فيها سعيد بان يوقع كل تصدير للرقيق من املاكه الافريقية، او استيراد الرقيق ذوي الاصل الافريقي الى ممتلاكاته الاسيويه، وبلاغتنا علاقات السيد سعيد مع بريطانية درجة من القوة بحيث تنازل في عام 1854 عن جزائر كوريا وموريا في البحر العربي هدية الى الملكة فكتوريا في عيد ميلادها. ويرجع اهتمام بريطانية بهذه الجزر الى وجود سماد الجوانق (Guano) وجاء في التنازل عن الجزر قول السيد سعيد:
((فانني امنح لحكومة صاحبة الجلال الملكة فكتوريا تلك الجزر السابقة ولاولادها من بعدها بصفة مطلقة، وذلك بناء على رغبتي التالية، وبدون أي ضغط او تهديد وليكن ذلك معلوما لكل من يطلع على هذه الوثيقه)).
وهناك من يرى بانه كان يهدف من وراء التنازل الى ميل المساعدة من الحكومة البريطانية في حربه ضد الفرس الذين قامو بالاستيلاء على بندر عباس في تلك السنة الا انها لم تقدم أي مساعدة بل على العكس كانت تهتم بصداقة الفرس، حتى لا يقفو مع الروس
اما علاقته مع الولايات المتحدة فيرجع الى النشاط التجاري العماني الواسع فقد وصلت سفن السيد سعيد وهي(سلطانة) الى نيويورك بقيادة ملاح عماني اسمه(نعمان) وكانت هذه اول سفينة عربية تصل الى هذا الميناء واعقب ذلك ازدياد الاتصالات مع الولايات المتحدة ففي خريف عام 1833 زار الطراد الامريكي(بيكوك) مسقط وعلى ظهره ادموند روبرتس Edmnnd Roberts التاجر المغامر الذي حاول يعقد اتفاقيات مع القوى الموجودة في المحيط الهندي والبحر الاحمر واليابان، وقد كانت هذه الزيارة حدثا على جانب كبير من الاسباب في حياة السيد سعيد، لانها اظهرت اهمية مسقط وزنجبار ليس للعالم القديم فحسب وانما العالم الجديد كمركزين تجاريين. وقد اثمرت زيارة روبرتس في توقيع معاهده صداقة وتجارة مع الولايات المتحدة في عام 1833 تضمنت ان يكون هناك سلام دائم ين الطرفين ما يحصل رسم مقداره 5% من السفن الامريكية مهما كانت الحمولة. ويجب تقديم المساعدة للسفن الامريكية التي تتحطم او تتعرض لخراب في السواحل العمانية او زنجبار. وقد ادت هذه المعاهده الى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، واصبحت البضائع القطنية الامريكية المستورده من بوسطن منتشرة في اواسط افريقيا .
توفى السيد سعيد عام 1856 وهو على مقربة من جزيرة سيشل في المحيط الهندي وكان في طريقة الى زنجبار. وقد بلغت ممتلاكات دولة البو سعيد اقصى توسع لها في السنوات الاخيرة من حكمة فقد كانت تمتد في اقليم عمان من راس مستلم الى صحار، واجزاء من السواحل الشرقية للخليج العربي وامتد نفوذها الى البحرين وعدن وغيرها. اما ممتلاكاتها الافريقية فوصلت الساحل الشرقي كله تقريبا، وبعض المناطق الداخلية.
وبعد وفاة السيد سعيد تنازع ولداه ثويني وماجد الحكم من بعده وقد اتفق الطرفان بواسطة اللورد كاننج canning الحاكم العام للهند في عام 1861 على تقسيم المعاهدة طبقاً للتحكيم تم اقرار السيد ماجد حاكماُ على زنجبار والممتلكات الافريقية الاخرى. على ان يدفع لأخيه ثويني (40) الف روبية سنوية . وهكذا اصبحت العلاقة بين زنجبار ومسقط علاقة مالية فقط . ولاشك ان بريطانية كانت تهدف من وراء تقسيم دولة البوسعيد الى السيطرة على اقليمي الدولة . وقد تمكن في النهاية من ان تتحكم في كل من سلطان مسقط لكون ممتلكاته واقعة في منطقة نفوذها في الخليج العربي . وسلطان زنجبار لمالها من فضل عليه في الاحتفاظ بملكه من اطماع المنافسين له .
وفي مسقط وبعد وفاة ثويني ظهر الصراع بين سلاطين وائمة عمان . فقد تنازع الحاكم سالم بن ثويني وعزان بن قيس زعيم العمانيين الذي استولى على مسقط عام 1869 وارغم سالم على الفرار , ولكن الحكومة البريطانية لم تعترف بعزان بل اتخذت خطوات لتويض سلطته وانهاء عهده فمهدت الطريق لتركي بن سعيد لتسلم السلطة في عام 1872 وبعد وفاته 1888 خلفه ابنه قيصر الذي نال اعتراف بريطانية على الفور, وفي عهده اعلنت بريطانية حمايتها على مسقط . وتوفي 1913 وخلفه ابنه تيمور (1913- 1932) ثم ابنه سعيد (1932- 1971) وبعده قابوس . وهكذا تواصل حكم البوسعيد في عمان .
وفي زنجبار عام 1870 وخلفه اخوه برغش الذي بدأت في عهده حركة الاستعمار الاوربي والتبشير الاستعماري , وبدأ التنافس للقضاء على الحكم العربي في شرق افريقيا وقد تمكن الاوربيون من انتزاع الاملاك العربي الواحدة بعد الاخرى ولم يبقى من الاملاك العربية عندما
وفي برغش في عام 1888 غير زنجبار وممباسا دار السلام في عهد خليفة بن سعيد فرضت بريطانيا حمايتها على زنجبار , واستمر الحكم العربي تحت الحماية البريطانيا حتى كانون الاول عام 1963 حيث اعلنت زنجبار مملكة مستقلة وعلى رأسها عبدالله بن خليفة بن حارب بن ثويني , وبعد الاستقلال بخمسة اسابيع اطيح بالحكم العربي في اوائل العام 1964 وبذلك انتهى معقل للعرب في شرق افريقيا .
واخذ الامام احمد يميل ف اواخر حكمه الى تعيين اولاده حكاما على المراكز المهمة في عمان مسبغا عليهم القاب ((السادة والامراء)) الا من الذي ادى الى اضعاف دولته, وقد شاهد احمد بنفسه الاثار السلبية لهذه السياسة حيث اضطر عدة مرات للتدخل لاحلال السلام بين انجاله احيانا والدفاع عن نفسه ضد تكتل عسكري خلقه اولاده ضده احيانا اخرى ففي سنة 1781 قام ولده سيف بثورة واسعة النطاق وقد انضم اخوه سلطان اليه ضد ابيهما واختطفوا اخيهما سعيد الذي كان مرشحا للامامة. وقد انتهت هذه الثورة بمصالحة عامة توسط فيها قضاة عمان وقد توفي الامام احمد, كما كتب على قبره في الرستاق في (19 محرم على 1198 هـ)) الموافق (15 كانون الاول عام 1783 م).
انتخب ابنه سعيد بن احمد (1783 – 1803) اماما طبقا لما هو معمول به ويقال بانه لم ينتخب وورث اللقب دون مبايعة وحتى دون اعتراف له من احد (45) وكان شخصا محدود القابلية. وقد وصفه مايلز بانه ((رجل ضعيفا لا خطر له)) وصارت البلاد في حالة ضعف لان ادارت لم تكن قوية (46), لكن ابن زريق يدكر خلاف ذلك فيصفه بانه ((شجاعا شهيرا فصيح اللسان ناظما للشعر.. اظهر العدل للرعية.. وهابة اهل عمان هيبة عظيمة)) (47). فولي الامور السياسية عند ابنه حمد (1784 – 1792) الذي تعرض لمعارضة قوية من اعمامه سيف وسلطان.
امتاز حكم حمد بالازدهار الاقتصادي واصبحت عمان اغنى منطقة في الخليج العربي والمحيط الهندي وبني حمد اسطولا تجاريا لنقل البضائع بين زنجبار ومسقط وقد وصف تقرير للمقيمية الانكليزية في البصرا مؤرخ في (15 اب 1790) ازدهار عمان الاقتصادي بقوله:
((ان مسقط سوق لقسم كبير من التجارة بين الخليج العربي والهند وتلك فائدة تدين بها لنشاط حكامها وعدالتهم وان لها اسطولا مرموق وتجارها يبنون لانفسهم في نواح متعددة من بلاد الهند انواعا مختلفة من السفن ذات الاشرعة المربعة القادرة على الحمولة الضخمة وغدا ميناء مسقط مرسي ترتادة الدول الاوربية والتجارة منبع خصب للثروة فلما ينضب لهذا جعلت من مسقط ميناء بحريا اكثر ثراء وازدهارا من أي ميناء اخر واقع على الخليج)) (48).
قام حمد بنقل العاصمة من الرستاق الى مسقط لاول مرة في تاريخ الامامة العمانية وكان هدفه ابعاد العاصمة من تحكم القبائل العمانية القوية التي تلتف حول الامام, كما يمكن استعمال الاسطول في الدفاع عنها وكان حمد بن سعيد يحبذ وراثة الامام في البوسعيد ولا يؤمن بالانتخاب كما كان جاريا وطالما صرح بذلك امام اتباعه الا ان مبدأ الوراثة كان يلاقي مقاومة عنيفة من معظم الشعب العماني وخاصة الهناوية والغافرية الذين يؤمنون بانتخاب الامام, لكن حمد توفي في مسقط عام 1792 من جراء اصابته بالجدري (49).
بعد وفاة حمد تركز الامر في عمان حول شخصين اثنين فقط هما العاصمة الدينية الرستاق والاحتفاظ بلقب الامامة التي بدأت تفقد الكثير من سلطتها الروحية لصالح السلطة الزمنية. وزاد من ضعف مركز سعيد انقطاعه في مركزه البعيد في حصن الرستاق الذي صار له سجنا اكثر من حصنا (50), وقد استطاع اخاه سلطان بن احمد (1792 – 1804) ان يستولي على السلطة السياسية ويذكر ولسن خطأ بان سلطان قام بثورة ضد عمه السيد حمد الامام الاسمي. وبالنجاح الذي حققه من خلال تلك حاكماً مستقلا ولقب نفسه بالسيد سلطان. وتخلى عن القب العامة مخرجا السلطة السياسية في عمان من محتواها الديني. وحكم هو ومن بعده كحكام علمانيين (51).
وكان سلطان بن احمد شخصية شجاعة ومهابة. وقد امتازت الفترة الاولى من حكمه (1792 – 1800 بالنشاطات العسكرية الواسعة التي مثلت اعلى درجات سلطة البوسعيد وهيبتها. اما الفترة الثانية (1800 – 1804) فقد شهدت جهودا عظيمة من قبل سلطان لصد غارات القبائل السعودية والقواسم على عمان, الاولى من الغرب والثانية من الشمال فقد ارسل سلطان في عام 1793 حملة استعادة ميناء جوادر القريب من بندر عباس وعين عليه حاكما من قبله. واستطاع الاستيلاء على جاهبار وقاد بنفسه حملة بحرية قوية في عام 1794 ضد قبائل المعين في جزيرتي قشم وهرمز وسيطر على جزيرة هنجام. وهاجم البحين عدة مرات وارغم العتوب على دفع الضرائب له. وقام باحتلالها سنة 1800 وعينابنه (سالم) حاكما عليها لكن حكمه لم يستمر طويلا حيث استطاع القواسم اخراجه من البحرين (52).
كان عمل سلطان الكبير تحرير بندر عباس من السيطرة الفارسية فضلا عن الموانئ والمدن القريبة منها على الساحل الشرقي من الخليج العربي. وقد ادى هذا النجاح الى دفع هذه المدن والموانئ الايجار السنوي الذي يزيد على اربعة الاف روبية الى حكومة عمان. وقد حاول السفير رد الهجوم العماني لكنهم فشلو في ذلك وارغموا في عام 1797 على الاعتراف رسيما بالادارة العربية التي اقيمت في بندر عباس وملحقات والجزر المجاورة. وهكذا نجح العرب في تحرير هذه المناطق وانتزاعها من الفرس واصبحوا سادة الساحل الشرقي, يدل على ذلك المعاهدة التي وقعها سلطان مع الانكليز. الامر الذي يؤكد سيطرة العرب على المنطقة وتصرفهم تصرف المالك المستقل (53).
اخذ الانكليز والفرنسيون يتوددون الى سلطان بن احمد الذي اصبح الشخصية القوية في منطقة الخليج العربي الا ان سلطان ابتعد عن التورط الصراع بين الدولتين ورفض السماح للاوربيين بانشاء مركز تجاري لهم في مسقط وفي عام 1766 بدأ الانكليز بالضغط على سلطان بن احمد متذرعين بالخوف من تنازل مسقط على حيادها بالصراع بين الانكليز والفرنسيين وبخاصة بعد زيارة بعض الفرنسيين لمسقط وهم في طريقهم الى فارس والمشرق, ولهذا اوفد حاكم بومباي رسولا الى سلطان بن احمد يطلب ايضاح موقفه من كل من شركة الهند الشرقية والفرنسيين وكان رد سلطان بن احمد ايجابياً الامر الذي شجع الانكليز الى عقد اتفاقية مع عمان عام 1798 تعهد سلطان بموجبها بتاييد الحكومة البريطانية في القضايا الدلية والامتناع عن اعطاء اية امتيازات تجارية في ممتلكاته الى الفرنسيين او الهولنديين طالما استمرت حالة الحرب وباقصاء أي موظف تابع لفرنسا في خدمته وباستبعاد السفن الفرنسية التي اتخذت من مسقد قاعدة لها وتضمنت المادة السابعة من الاتفاقية السماح للانكليز بابقاء حامية عسكرية وانشاء وكالة تجارية في بندر عباس وقد رفض سلطان بن احمد رفضا قاطعا السماح باقامة مركز بريطاني في مسقط لان ذلك حسب اعتقاده سوف يورطه في حرب مع الفرنسيين والهولنديين.
وقد حاولت فرنسا اقامة علاقات متطورة مع عمان وبخاصة بعد احتلال نابليون لمصر ففي كانون الثاني عام 1799 ارسل نابليون خطابا الى سلطان بن احمد يبلغه فيه بان أي سفن تصل الى السويس سوف تلقى كل تسهيل ومساعةدة ولكن عملاء شركة الهند الشرقية تمكنوا من مصادرة الخطاب وارساله الى بومباي مما جدد الشكوك حول انتهاك سلطان بن احمد للاتفاقية التي وقعها مع البريطانيين واستمراره في استخدام الفرنسيين في بلاطه, الامر الذي ادى الى ارسال الكابتن (السير فيما بعد جون مالكو لم من التوقيع على اتفاقية حديدة تعزز اتفاقية عام 1798 وقد وافق سلطان بن احمد على تعيين معتمد سياسي بريطاني في مسقط وتوقيع اتفاقية جديدة عام 1800 (54).
قام سلطان باداء فريضة الحج عام 1803 وقد لقي حتفه في العام التالي بعد رجوع من حملة قادها في شمال الخليج العربي وذلك اثناء اشتباكه مع بعض المتمردين في لنجه الذين شهدوا لشجاعته النادرة في الحرب. وقد دفن بالقرب من بندر عباس وترك سلطان ولديه سالما البالغ من العمر خمسة عشر عام, وسعيد البالغ من العمر ثلاثة عشر عام, الامر الذي ادى الى اندلاع صراع عائلي جديد (1804 – 1806) كانت نهايته تولي سعيد السلطة في عمان.
امتاز سعيد بن سلطان (1806 – 1856) بشخصية قوية وارادة صلبة وافق واسع وادراك سليم للامور. جعله بين الفريدين والافذاذ في تاريخ شرق الجزيرة العربية وشرق افريقيا وقد وصفه فريزر الذي زار مسقط عام 1821 بقوله.
((للامام شخصية قوية جذابة ولكنها بعيدة كل البعد عن القسوة والصرامة فملامحه بشوشة هادئة وسلوكه رقيق ورصين)) (55).
جاء سعيد الى السلطة والاحوال الداخلية في عمان مضطربة وذلك من جراء الضغط العسكري المستمر من الشمال من الخليج العربي. وفي الداخل كان ال سعود اكثر خطرا على عمان من القواسم وقد احتل الوهابيون مسقط مرارا, واجبروا سعيد في كل مرة على مضاعفة الضرائب وقد قضى سعيد عشرين عاما وهو في صراع عسكري ودبلوماسي مع ممارضيه ومناقشيه, ولم يتخلص من الخطر السعودي حتى في فترة الحرب التي اشتعلت بين جيوش محمد علي باشا, حاكم مصر, وزعماء ال سعود وان كانت قد خفت حدة الهجمات على مسقط وضواحيها واستطاع سعيد انس صبح السيد المطاع في بلاده, ولم يعد ينازعه على السلطة احد, وان يوحد عمان بشكل لم تعرفه البلاد من قبل. وتتويجا لهذه الانتصارات ودلالة على اضمئنانه وثقته بقوته ونفوذه ذهب الى مكة في عام 1814 لاداء فريضة الحج .
ابدى سعيد بن سلطان نشاطاً ملحوظاً في منطقة الخليج العربي, فأرسل في شهر تموز عام 1826 سفنه لمحاصرة بوشهر , ولكنه وبناءاً على نصيحة من المقيم الانكليزي لم يهاجم المدينة.وقد استطاع ان يأسر والي الجزيرة الفارسي وهو في طريقه في البحر الى بلاده وظل في اسره عدة اشهر. وقاه اسطوله في شهر تشرين الثاني من عام 1828 الى البحرين بهدف الاستيلاء عليها. وقد اخفق الهجوم واصيب سعيد نفسة في جرح اثناء المعركة. واظطر الى العودة الى مسقط . وفي عام 1839 ارسل سعيد جيشاً الى ظفار استطاع الاستيلاء عليها وضمها الى املاك سلطنته (56) .
ورافق نشاط سعيد بن سلطان في الخليج نشاطاً متميزاً في سواحل افريقيا الشرقية لتأكيد السيادة العربية عليها, فقاد اسطوله في عام 1828 الى ممباسا لرفض حكمها من ال المزروعي الاستسلام له . وقد جرت مفاوضات بين الجانبين ادت الى الاتفاق في كانون الثاني 1828 على سيطرة السيد سعيد علي ممباسا وحصوله على نصف دخلها , مقابل الاعتراف بسالم المزروعي حاكماً عليها. على ان تبقى قلعتها بأيدي المزروعيين. مع السماح لخمسين جندياً عمانياً بالمرابطة فيها . وخلال حملة السيد سعيد ممباسا اعجب بالجزيرة جداً بجزيرة زنجبار التي اصبحت الدعامة الكبرى في مشروعاته الافريقية والواقع ان هذه الجزيرة كانت تفوق المراكز الاخرى في نقاط كثيرة فهي ذات موقع متوسط بين موانئ شرق افريقيا. وقد حقق لها هذا الموقع مركزاً اقتصادياً مهماً فضلاً عن انها اكثر امناً من اية نقطة على الساحل, وذات طقس معتدل , وارضيها خصبة ولها ميناء كبير صالح للملاحة وبها اعذب مياه في شرق افريقيا على حد قول السيد سعيد نفسه (57) .
بدأ السيد سعيد يطيل اقامتة في زنجبار حيث جعلها مقراً لحكمه منذ عام 1840 , ولعل الدافع الاقتصادي هو الذي دفعه الى الاقامة في زنجبار لانه ليس هناك مكان اخر في مملكته اكثر ملائمة لتنفيذ سياسته الاقتصادية من زنجبار(58) , علاوة على ذلك سياسة السيد سعيد الرامية الى تدعيم ممتلكاته الجديدة في افريقيا, الا ان نقل العاصمة من مسقط الى زنجبار كان امراً خطيراً لان المسافة بين العاصمتين تبلغ نحو (2500) ميل. هذا بالاضافة الى ان القوارب تسنطيع الوصول من عمان الى زنجبار اثناء هبوب الرياح الموسمية فقط .وقلل من خطورة هذا الامر امتلاك السيد سعيد اسطولاً عسكرياً وصف بأنه كان اقوى اسطول تمتلكه دولة في ذلك الوقت من اليابان حتى رأس الرجاء الصالح . وبلغ من السلطة السيد سعيد في افريقيا ان قيل فيه ( اذا ضرب السيد سعيد طبلة في زنجبار رقصت عليها كل غابات افريقيا ) ويضيف كيلي الى ذلك القول .....
( اصبحت مسقط عن طريق جرأة اسرة البوسعيد الدولة البحرية الاولى في شبه الجزيرة العربية في قرن التاسع عشر , والمركز التجاري العظيم بين سواحل الخليج العربي والهند وافريقيا والبحر الاحمر ) (59) .
وقد كان السيد سعيد فضلاً عن كونه سلطاناً ورجل سياسة , تاجرا ماهرا نظم تجارة بلادة مع العالم الخارجي,وكان يمتلك اسطولا تجاريا ضخما يحمل منتجات زنجبار وممباسا وكلوة ومقديشو الى موانئ الأسيوية والأفريقية 0وقد عقد عدة معاهدات تجارة وصداقة مع الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا والبرتغال واسبانيا الا انة كان حليفا قويا لحكومة الهند البريطانية وللحكومة البريطانية في لندن .وكان اغلب الاحيان تابعاً لسياستها ,وخاصة في علاقتها مع فرنسا, وكان هدف بريطانيا خدمة لمصالح بريطانيا , وصيانة هدوء الخليج العربي , والتعاون ضد أي طرف يعادي النشاط البريطاني , وقد اعلن بالمرستون , وزير فارهة بريطانية ان مهمة حكومة وضع الخليج العربي تحت السيطرة البريطانية , بعيداً عن نفوذ أي دولة اخرى تستطيع ان تهدد سيطرة بريطانية عليها .
ادى تطور العلاقة بين برطانيا وعمان، والجهود التي بذلها العقيد مديل القيم البرطاني في الخليج العربي لاقناع حكومة بارضاء السيد سعيد الى عقد معاهده عام 1839 تضمنت حرية التجارة الاقامة ونقل البضائع والدخول، وعدم فرض ضرائب تزيد على 5% على البضائع. والغلات البرطاني المستوردة على سفن بريطانية مساعدة السفن عند تعرضها لمئزق خطر. وفي عام 1840 تم الاتفاق على تعيين الكابتن انكتز همرتون (Himcrlon) ليكون ممثل لشركة الهند ووزارة الخارجية البرطانية وبعد ست سنين وقعت معاهده اخرى في عام 1845 تعهد فيها سعيد بان يوقع كل تصدير للرقيق من املاكه الافريقية، او استيراد الرقيق ذوي الاصل الافريقي الى ممتلاكاته الاسيريه،(60) وبلاغتنا علاقات السيد سعيد مع بريطانية درجة من القوة بحيث تنازل في عام 1854 عن جزائر كوريا وموريا في البحر العربي هدية الى الملكة فكتوريا في عيد ميلادها. ويرجع اهتمام بريطانية بهذه الجزر الى وجود سماد الجوائو (Guano) وجاء في التنازل عن الجزر قول السيد سعيد:
((فانني امنح لحكومة صاحبة الجلال الملكة فكتوريا تلك الجزر السابقة ولاولادها من بعدها بصفة مطلقة، وذلك بناء على رغبتي التالية، وبدون أي ضغط او تهديد وليكن ذلك معلوما لكل من يطلع على هذه الوثيقه)).
وهناك من يرى بانه كان يهدف من وراء التنازل الى ميل المساعدة من الحكومة البريطانية في حربه ضد الفرس الذين قامو بالاستيلاء على بندر عباس في تلك السنة الا انها لم تقدم أي مساعدة بل على العكس كانت تهتم بصداقة الفرس، حتى لا يقفو مع الروس
اما علاقته مع الولايات المتحدة فيرجع الى النشاط التجاري العماني الواسع فقد وصلت سفن السيد سعيد وهي(سلطانة) الى نيويورك بقيادة ملاح عماني اسمه(نعمان) وكانت هذه اول سفينة عربية تصل الى هذا الميناء واعقب ذلك ازدياد الاتصالات مع الولايات المتحدة ففي خريف عام 1833 زار الطراد الامريكي(بيكوك) مسقط وعلى ظهره ادموند روبرتس Edmnnd Roberts التاجر المغامر الذي حاول يعقد اتفاقيات مع القوى الموجودة في المحيط الهندي والبحر الاحمر واليابان، وقد كانت هذه الزيارة حدثا على جانب كبير من الاسباب في حياة السيد سعيد، لانها اظهرت اهمية مسقط وزنجبار ليس للعالم القديم فحسب وانما العالم الجديد كمركزين تجاريين. وقد اثمرت زيارة روبرتس في توقيع معاهده صداقة وتجارة مع الولايات المتحدة في عام 1833 تضمنت ان يكون هناك سلام دائم ين الطرفين ما يحصل رسم مقداره 5% من السفن الامريكية مهما كانت الحمولة. ويجب تقديم المساعدة للسفن الامريكية التي تتحطم او تتعرض لخراب في السواحل العمانية او زنجبار. وقد ادت هذه المعاهده الى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، واصبحت البضائع القطنية الامريكية المستورده من بوسطن منتشرة في اواسط افريقيا(62).
توى السيد سعيد عام 1856 وهو على مقربة من جزيرة سيشل في المحيط الهندي وكان في طريقة الى زنجبار. وقد بلغت ممتلاكات دولة البو سعيد اقصى توسع لها في السنوات الاخيرة من حكمة فقد كانت تمتد في اقليم عمان من راس مستلم الى صحار، واجزاء من السواحل الشرقية للخليج العربي وامتد نفوذها الى البحرين وعدن وغيرها. اما ممتلاكاتها الافريقية فوصلت الساحل الشرقي كلهتقريبا، وبعض المناطق الداخلية.
وقد اتفق الطرفان بواسطة اللورد كاننج canning الحاكم الجائر للهند في عام 1861 على تقسيم المعاهدة طبقاً للتحكيم تم اقرار السيد ماجد حاكماُ على زنجبار والممتلكات الافريقية الاخرى. على ان يدفع لأخيه ثويني (40) الف روبية سنوية (63) . وهكذا اصبحت العلاقة بين زنجبار ومسقط علاقة مالية فقط . ولاشك ان بريطانية كانت تهدف من وراء تقسيم دولة البوسعيد الى السيطرة على اقليمي الدولة . وقد تمكن في النهاية من ان تتحكم في كل من سلطان مسقط لكون ممتلكاته واقعة في منطقة نفوذها في الخليج العربي . وسلطان زنجبار لمالها من فضل عليه في الاحتفاظ بملكه من اطماع المنافسين له ( 64) .
وفي مسقط وبعد وفاة ثويني ظهر الصراع بين سلاطين وائمة عمان . فقد تنازع الحاكم سالم بن ثويني وعزان بن قيس زعيم العانيين الذي استولى على مسقط عام 1869 وارغم سالم على الفرار , ولكن الحكومة البريطانية لم تعترف بعزان بل اتخذت خطوات لتويض سلطته وانهاء عهده فمهدت الطريق لتركي بن سعيد لتسلم السلطة في عام 1872 وبعد وفاته 1888 خلفه ابنه قيصر الذي نال اعتراف بريطانية على الفور, وفي عهده اعلنت بريطانية حمايتها على مسقط . وتوفي 1913 وخلفه ابنه تيمور (1913- 1932) ثم ابنه سعيد (1932- 1971) وبعده قابوس . وهكذا تواصل حكم البوسعيد في عمان .
وفي زنجبار عام 1870 وخلفه اخوه برغش الذي بدأت في عهده حركة الاستعمار الاوربي والتبشير الاستعماري , وبدأ التنافس للقضاء على الحكم العربي في شرق افريقيا وقد تمكن الاوربيون من انتزاع الاملاك العربي الواحدة بعد الاخرى ولم يبقى من الاملاك العربية عندما
وفي برغش في عام 1888 غير زنجبار وممباسا دار السلام في عهد خليفة بن سعيد فرضت بريطانيا حمايتها على زنجبار , واستمر الحكم العربي تحت الحماية البريطانيا حتى كانون الاول عام 1963 حيث اعلنت زنجبار مملكة مستقلة وعلى رأسها عبدالله بن خليفة بن حارب بن ثويني , وبعد الاستقلال بخمسة اسابيع اطيح بالحكم العربي في اوائل العام 1964 وبذلك انتهى معقل للعرب في شرق افريقيا .