محاضرات الاسبوع الثاني عشر كانون الاول 2010
البو سعيد :
المحاضرة الاولى : عمان في عهد السيد احمد بن سعيد 1745-1783 .
اصبح احمد بن سعيد بعد انتصاره في صحار, سيد عمان وزعيمها واعترف له الجميع بالزعامة والقيادة وقد ساعدته الظروف في تحقيق مسعاه , فقد استشهد سلطان بن مرشد اثناء محاولته فك الحصار عن صحار , بعد ان نجح في اختراق صفوف الفرس والالتحاق يأحمد بن سعيد في صحار لكنه اصيب بجراح لم تمهله فلاقى حتفه بعد ايام من وصوله صحار, وذلك في سنة 1743 . وتوفي في الوقت نفسه الامام المخلوع سيف بن سلطان الذي قيل بأنه مات محزوناً لانه وجد نفسه مخدوعاً من الفرس . لكن موت هذين الزعيمين لم يؤد الى انهاء الانقسام الداخلي فقد تنافس اثنان من اليعاربة على الامامة هما : بلعرب بن حمير ومجيد بن سلطان , اخ الامام السابق سيف. فوقع الاختيار على الاول, وانتخب اماماً في العاصمة الرستاق.
ولم يحاول الامام الجديد . بلعرب بن حمير الاشتراك في الحرب ضد الفرس بسبب غيرته الشديدة من غريمة احمد بن سعيد وخشيته من تزايد نفوذه, ولهذا لم يقدم اية مساعدة او تأييد بصحار في مقاومتها للفرس, فشمر احمد بن سعيد عن ساعده العزم وتمكن من تحرير مسقط في سنة 1744 وطرد الفرس نهائياً بعد ان كبدهم خسائر فادحة قدرت بأكثر من ثلاثة الاف قتيل . ويذكر الازكوي بعد الانتصار في صحار ووفاة سلطان بن مرشد وسيف بن سلطان طلب احمد بن سعيد من بلعرب بن سلطان اخ سيف ان يطلب من الفرس الانسحاب من مسقط وتوفير السفن لنقلهم الى بلادهم فرفض بالعرب بن سلطان ذلك الامر الذي دفع احمد بن سعيد الى مطالبة الفرس بالرحيل من مسقط فرحل قسم منهم وبقي اخرون الامر الذي دفع احمد بن سعيد الى محاربتهم واخراجهم بالقوة وتحرير الساحل العماني منهم نهائياً بعد ان كان ((مرادهم ملكها وخرابها وهلاك اهلها)) . فأصبحت عواطف الكثيرين معه ومن طباع العرب البارزة اعجابهم بالبطولة وتقدير الرجال الابطال منهم, فقد سارع احمد بن سعيد الى دعوة الرؤوساء والقضاء وشيوخ القبائل لعقد اجتماع مهم في العاصمة الرستاق, وطلب اليهم تعيين احدهم اماماً .
فقام احدهم وبايع احمد بن سعيد بالامامة لانه الذي عمل على تحرير عمان من الاحتلال الفارسي , وهنالك خلاف بين الباحثين في تحديد السنة التي بويع فيها بالامامة, ولكن الرجح هو في سنة 1745 على اكثر تقدير .
بدأت مرحلة جديدة من الصراع في عمان والحروب الاهلية ونتيجة لوجود امامين في آن واحد هما بلعرب بن حمير الذي ايدته القبائل الغافرية ومدته بالعدة لأستعادة ما سموه (( حقه المسروق في الامامة )) واحمد بن سعيد الذي حظى بالتأييد الشعبي وتأييد القبائل الهناوية.
وقد مر الصراع بمرحلتين , امتدت الاولى من سنة 1745 حتى اوائل سنة 1749. والثانية وهي الحاسمة كانت اواخر سنة 1749. وكان التفوق حليف بلعرب الذي حصل على المساندة قبائل القواسم في ( ساحل الشمال ) التي كانت تتوق للحصول على استقلالها عن عمان , في المرحلة الاولى حيث حقق عدداً من الانتصارات على خصمه . اما المرحلة الثانية وهي الحاسمة التي وقعت في اواخر سنة 1749 فقد دارت فيها الدوائر عل بلعرب اذ اندحر في معركة فارك قرب الجبل الاخضر. واسفرت تلك المعركة عن مقتل بلعرب وانهيار المقاومة الغافرية وبذلك صفا الجو لأحمد بن سعيد الذي ظل في الحكم حتى وفاته في سنة 1783 .
ويعد تولي احمد بن سعيد السلطة في عمان سنة 1749 نهاية لحكم اليعاربة وبداية لحكم سلالة البو سعيد والتي تواصل حكمها بدون انقطاع حتى الوقت الحاضر , وآل بو سعيد قبيلة من عرب الجنوب كانت قد هاجرت الى عمان في القرون الاولى وقد وصف احمد بن سعيد بأنه ((واسع الصدر كثير الكرم كثير التواضع لله. لين الجانب للفقراء والمساكين, مستمعاً لكلامهم ))
وقد شمر احمد بن سعيد عن مساعد العزم لتحقيق الوحدة الوطنية في بلاد تفصل بين اجزائها سلاسل الجبال الشاهقة الموحشة وتسكنها قبائل متعددة اعتادت كل منها على الحفاظ على استقلالها وفرديتها واوضاعها .
اثبت الامام احمد بن سعيد انه ذو ارادة قوية مكنته من فرض الوحدة على عمان فقد ادرك اهمية القوة العسكرية في الداخل والخارج فأهتم بأنشاء قوة برية ونظم الجيش على اسس العصرية فكان جيشاً ثابتاً منظماً. اشرف بنفسه على تسليحه كما اهتم بما صار اليه من اساطيل اليعاربة وزاد عليها الكثير من السفن والاسلحة , وقد استخدم الامام احمد كل الوسائل لتحقيق اهدافه فعمل على كسب ود اليعاربة بزواجه من ابنة الامام السابق سيف بن سلطان وهي عادةً كثيراً مالجأ اليها الحكام لتوية اواصر الصلة مع القبائل القوية , ونظم الادارة والجيش والبحرية فتولى خميس بم سالم البوسعيدي على عسكر مسقط ومطرح, وحسن الصرهنج على القوة البحرية والشيخ محمد بن عامر قاضياً في مسقط ورزيق بن بخيت مشرفاً على الحسابات في الميناء. وعين خلفان بن محمد بن عبد الله البوسعيدي مشرفاً مالياً عاماً في مسقط ((لقبض العشور والخراج الجائز والصدقات وانقاذ الحكم قلمه (ماقرره في دفاتر المال ) لقبض الدراهم من الوكلاء الذين اقعدهم الامام اخمد على الفرضة الميناء
امتاز حكم الامام احمد بالازدهار الاقتصادي ولكونه تاجراً ومالك سفن فقد اصبحت التجارة والقوة البحرية اسس السلطة الحاكمة في عمان, وقد بلغت وارداته السنوية من رسوم التجارة اكثر من مليون روبية, وتطورة علاقات عمان التجارية مع جنوب العراق واليمن وساحل مالابار في الهند وشرق افريقيا. بما في ذلك الحبشة وكان لتجارة مسقط احتكار تجارة القهوة التي كانوا يجلبونها من الحبشة واليمن وازدهرت ايضاً التجارة الداخلية وخاصةً تجارة المواشي والجلود والعطور والادوية . وقد اشاد الرحالة الدنماركي الشهير نيبور الذي زار مسقط سنة 1765 بالازدهار الذي شهدته عمان في عهد الامام احمد واشار الى ثروة في مسقط من الفواكه واللحوم والاسماك والى اهميتها الى التجارة الرئيسية كمركز بحري تمر عبره جميع البضائع القادمة من الخليج العربي وفارس في طريقها الى حضر موت واليمن والحجاز والهند وبالعكس وقدم نيبور صورة مشرقة للامام احمد الذي انقذ البلاد بشجاعة نادرة من براثن الاحتلال الفارسي وقاد حركة وطنية صامدة متماسكة ضد القوات الداخلية على البلاد ثم داب على ازالة كل اثر للفساد الذي خلقه الامام السابق, سيف بن سلطان اخر سلالة اليعاربة. الذي اصاب الامة بالنكبات الجسام نتيجة ضعفه واطماعه وشهواته .
وقد حاول الامام احمد تقوية صلاته مع القبائل العربية القاطنة في الاحواز والساحل الشرقي للخليج العربي, فدخل في حلف مع قبائل كعب عند نهر الدجيل وشط العرب وفي حلف اخر مع قبائل المعين القاطنة قرب بندر عباس وقد نجحت هذه المحاولات نجاحاً كبيراً واضعفت من حكم الشاه كريم خان الزند كما اضعفت من محاولات الفرس في السيطرة على مناطق الخليج العربي والتوغل في عمان. فرفض مطالبة كريم خان الزند بدفع الجزية والتي تتم عن عجزفة فارسية مقيته ووقف بقوة وصلابة ضد اطماعه وحدث صراع عنيف مع الفرس وارسل فيه الامام احمد اسطول لمهاجمة كريم خان الزند في عام 1770, واوقع خسائر فادحة بالفرس في هجوم اخر في عام 1773 .
وكان الامام احمد وهو المدرك للاطماع الفارسية في الخليج العربي قد تقدم بأسطول في شهر آب 1775 ليشارك البصرة في قتالها ضد الفرس بعد ان استنجد اهل البصرة به سراً .
وضعت قواته 12 سفينة حربية حمولة كل منها (50) مدفعاً مع عدد من السفن الضغيرة وعشرة الف جندي لفك الحصار عن البصرة وتطهير منطقة شط العرب من الغزاة الفرس. وهاجمت القوات العمانية المواقع الفارسية بعد ان حطمت السلسلة التي وضعتها الفرس لعرقلة تقدمهم ودمروا العديد من السف الفارسية, ويصف ابن رزيق مساعد احمد بن سعيد للبصرة في دفاعها ضد الفرس بقوله:
(( احاط العجم بالبصرة .. فحصروها حصراً شديداً .. ونصب العجم سلسلة طويلة من حديد على الشط... جهز الامام عشرة مراكب كبار من مراكب السلطنة ومن الخشب الصغار (نوع من السفن ) كثيراً فكان عدد قومه الذين بعثهم لحرب العجم عشرة الاف . فلما بلغوا الى شط البصرة ورارا السلسلة منصوبة عليه دفعوا عليها مركبة المسمى الرحماني فنطح السلسلة فقطعها وهبط العرب على العجم فرشفوا فيهم السيف فكشفوا العجم كشفاً فظيعاً وذادوهم عن البصرة . واستقراهل البصرة بالبصرة .ورجع اصحاب الامام ... الى مسقط )) . وبذلك امنوا السيطرة على الشط , الامر الذي ساهم في دعم صمود ودفاع البصرة , الا ان الامام احمد انسحب بعد ان علم بأحتمال قيام الفرس بتوجيه ضربة الى عمان نفسها. وقد اشاد السلطان العثماني عبد الحميد الاول (1773-1789) بالمعونة الفعالة التي قدمها العمانيون ومنح التجارة العمانيين حرية التجارة في العراق . ورفع الرسوم الكمركية التي كانت قد وضعت على القهوة العمانية .
وبلغ نشاط الامام احمد حداً واسعاً فأرسل ولاة عنه في سنة 1750 الى ساحل افريقيا الشرقي لممباسا وكلوة وزنجبار وتمتعت عمان في عهده العلاقات دولية طيبة. وكان يتبادل الهدايا ويوقع الاتفاقيات مع امراء الهند, وشركة الهند الشرقية الانكليزية ويحتفظ بعلاقات طيبة مع فرنسا , والحاكم الفرنسي في مورسيوش ووكيل شركة الهند الشرقية الفرنسية في بغداد.
واخذ الامام احمد يميل في اواخر حكمه الى تعيين اولاده حكاما على المراكز المهمة في عمان مسبغا عليهم القاب ((السادة والامراء)) الا من الذي ادى الى اضعاف دولته, وقد شاهد احمد بنفسه الاثار السلبية لهذه السياسةحيث اضطر عدة مرات للتدخل لاحلال السلام بين انجاله احيانا والدفاع عن نفسه ضد تكتل عسكري خلقه اولاده ضده احيانا اخرى ففي سنة 1781 قام ولده سيف بثورة واسعة النطاق وقد انضم اخوه سلطان اليه ضد ابيهما واختطفوا اخيهما سعيد الذي كان مرشحا للامامة. وقد انتهت هذه الثورة بمصالحة عامة توسط فيها قضاة عمان وقد توفي الامام احمد, كما كتب على قبره في الرستاق فــي (19 محرم على 1198 هـ)) الموافق (15 كانون الاول عام 1783 م).
انتخب ابنه سعيد بن احمد (1783 – 1803) اماما طبقا لما هو معمول به ويقال بانه لم ينتخب وورث اللقب دون مبايعة وحتى دون اعتراف له من احد وكان شخصا محدود القابلية. وقد وصفه مايلز بانه ((رجل ضعيفا لا خطر له)) وصارت البلاد في حالة ضعف لان ادارت لم تكن قوية , لكن ابن زريق يدكر خلاف ذلك فيصفه بانه ((شجاعا شهيرا فصيح اللسان ناظما للشعر.. اظهر العدل للرعية.. وهابة اهل عمان هيبة عظيمة)) . فولي الامور السياسية عند ابنه حمد (1784 – 1792) الذي تعرض لمعارضة قوية من اعمامه سيف وسلطان.
امتاز حكم حمد بالازدهار الاقتصادي واصبحت عمان اغنى منطقة في الخليج العربي والمحيط الهندي وبني حمد اسطولا تجاريا لنقل البضائع بين زنجبار ومسقط وقد وصف تقرير للمقيمية الانكليزية في البصرا مؤرخ في (15 اب 1790) ازدهار عمان الاقتصادي بقوله:
((ان مسقط سوق لقسم كبير من التجارة بين الخليج العربي والهند وتلك فائدة تدين بها لنشاط حكامها وعدالتهم وان لها اسطولا مرموق وتجارها يبنون لانفسهم في نواح متعددة من بلاد الهند انواعا مختلفة من السفن ذات الاشرعة المربعة القادرة على الحمولة الضخمة وغدا ميناء مسقط مرسي ترتادة الدول الاوربية والتجارة منبع خصب للثروة فلما ينضب لهذا جعلت من مسقط ميناء بحريا اكثر ثراء وازدهارا من أي ميناء اخر واقع على الخليج)) .
قام حمد بنقل العاصمة من الرستاق الى مسقط لاول مرة في تاريخ الامامة العمانية وكان هدفه ابعاد العاصمة من تحكم القبائل العمانية القوية التي تلتف حول الامام, كما يمكن استعمال الاسطول في الدفاع عنها وكان حمد بن سعيد يحبذ وراثة الامام في البوسعيد ولا يؤمن بالانتخاب كما كان جاريا وطالما صرح بذلك امام اتباعه الا ان مبدأ الوراثة كان يلاقي مقاومة عنيفة من معظم الشعب العماني وخاصة الهناوية والغافرية الذين يؤمنون بانتخاب الامام, لكن حمد توفي في مسقط عام 1792 من جراء اصابته بالجدري .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .