المحاضرة الثانية/ عمان في عهد الازدهار
تولى الامامه في عمان سلطان بن سيف (1649- 1668) ابن عم الامام السابق وقائده العسكرى، الذي سبق ا نادى دورا في المقاومة العربية ضد البرتغاليين، فقد قام بقيادة عدة حملات ادت الى طرد البرتغاليين من صور وقريات وحصن الصير بعد معارك عنيفة، ويدل انتخابه للامامه على رغبة العمانيين بمواصلة العمل العسكري لتحرير البلاد كلها، فسارع سلطان في السنة ذاتها الى محاصرة مسقط مرة اخرى واعلن حربا شاملة ضد السيطرة الاجنبية في مسقط وعلى العمليات العسكرية الى ان حقق الله له النصر في فترة لاتزيد على ستة اشهر. ففي اوائل سنة 1650 باغتتت جماعة صغيرة من المهاجرين العمانيين مسقط ودخلتها بهجوم ليلي وانتشرت في اسوافها وشوارعها، فانسحب البرتغاليون من المدينة، وقام العرب بتحريرها ولم يعد للبرتغاليين وجود في الخليج العربي سوى ميناء كنج الصغير على الساحل الشرقي الذي دمره العرب في سنة 1695. ويصف مؤلف تاريخ اهل عمان سلطان بن سيف يقوله (قام بالعدل وشمر وجاهد في ذات الله وماقصر ونصب الحرب لمن بنى بمسكد( مسقط) وسار لهم بنفسه حتى نصر اللة عليهم وافتتحها ولم يزل يجاهدهم في البر والبحر، فاستفتح من بلدانهم، وخرب كثير من مراكبهم، وغنم كثير من اموالهم)
ان تحرير مسقط كان ضربة قاتلة للوجود البرتغالي في الخليج العربي، واعطى في الوقت نفسه دفعا للعمانيين للقيام بحملة لمطاردة البرتغاليين في كل مكان من الخليج العربي ومن المحيط الهندي وسواحل افريقيا الشرقية التي دفعها الانتصار العربي لاشعال نار الثورة ضد البرتغاليين.
ازداد اهتمام العمانيين ببناء قوتهم العسكرية، فعمل سلطان بن سيف على تكوين اسطول بحري كفء استطاع ارغام البرتغاليين على التسليم الكامل لحصونهم التي لاتقهر- كما كانوا يسمونها- بعد الاحتلال دام اكثر من قرن ونصف قرن من الزمان، ففي سنة 1655 هاجم اسطول عماني بمباى، واتجه اسطول العمانيين ضد السيطرة البرتغالية ممباسا، وكان سكانها قد طلبوا مساعدة العمانيين ضد السيطرة البرتغالية فحررها العمانيين وعينوا حاكما عربيا عليها هو محمد بن مبارك مع حماية قوية، لكن البرتغاليين استرجعوها في عام 1661وعاقبو سكانها لذين قاموا بزيادة لعمان الامام سلطان بن سيف لانقاذهم من مقاطعات شرق افريقيا، وقد استطاع العمانيون استعادة ممباسا ثانية من البرتغاليين في سنة 1698، اى بعد(37) عاما- ويبدو ان اتساع ثورات العرب ولافارقة في شرق افريقيا جعلت الامام سلطان بن سيف يتطلع الى شن هجوم على موزمبيق حيث قام العرب والافريقيون بمحاصرة قلعتها الكبيرة، وكادت القلعة ان تسقط لولا انفجار لغم كبير اثار الذعر في نفوس المهاجرين فرفعوا الحصار.
وانتعشت الاحوال الداخلية في عمان في عهد سلطان بن سيف وبخاصة ازدهار التجارة وانتشار الامن والعدل، ويقول مؤلف تاريخ اها عمان:
واعتمرت عمان في دولته وزهرت واستحراحت الرعية في عصره وشكرت ورخصت الاسعار وصلحت الاسفار وربحت التجار وسدت الاثمار وكان متواضعا للرعية، ولم يكن محتجا عنهم وكان يخرج في الطريق بغير عسكر. ويجلس مع الناس ويحدثهم ويسلم على الكبير والصغير، والحر والعبد ولم يزل قائما مستمرا حتى مات.
توفي الامام سلطان بن سيف حوالي 1668 وخلفه ابنه بلعرب بن سلطان (1668- 1681) الذي استمر في مقاومة الفرس والبرتغاليين فبعد مرور عامين من توليه ارسل حملة ضد البرتغال في ديو، ويذكر الكسندر هاملتون(حوالي عام 1670جاء عرب مسقط في اسطول تجاري ونزلوا في الليل في غرب الجزيرة دون مقاومة) وكانت الحملة بقيادة سيف بن سلطان شقيق الامام بلعرب. واراد البرتغاليون الرد على العرب بحتلال مسقط وارسلوا اسطولا في عام 1673 الا ان الامام سلطان تمكن من القضاء غلى اغلب الاسطول البرتغالي ولكن نشاط القوى العمانية قل بعد ذلك بسبب الحرب الاهلية التي نشبت بين الاخوين بلعرب وسيف التي ادت الى انقسام العمانيين الى قسمين وقد ظهر بان سيف اكثر حيوية ونشاطا فالتفت حوله معظم اجزاء عمان فاضطر بلعبر الى الانتحار وبويع سيف بالامامة، وقد ارتضت القبائل كلها بلا تردد وكانت شعبة سيف في ذلك الوقت كبيرة حيث اكتسب الاحترام ونال اعجاب العرب لشخصيته القوية وصفاته كقائد.
بلغت عمان اوج قوتها في عهد الامام سيف بن سلطان (1681-1711) الذي اهتم بلاسطول اهتماما كبيرا حتى صار اقوى اسطول محلي في المنطقة، وقد هابه الانكليز والهولندييون وخافوه وقد دفعهم ذلك الخوف الى الامتناع عن تقديم المساعدة للفرس الذين كانت سواحلهم وموانئهم تحت رحمة العثمانيين. ووصف بعض الرحالة الاوربيين عمان واسطولها في تلك الفترة منهم الكابتن شارلس لوكر والكابتن الكسندر هاملتون فالاول زار مسقط سنة 1706 ووصف اسطول الامام بقوله انه يتالف من اربعة عشر سفينة حربية وعشرين سفينة تجارية، واحدى السفن الحربية تحمل(70) مدفعا. ولا توجد من تحمل اقل من عشرين مدفعا. اما الكسندر هاملتون الذي زار عمان في سنة 1715 فيقول ان اسطول عمان يتالف من سفينة كبيرة تحمل اربعة وسبعين مدفعا وسفينتين تحمل كل منها من اثنى عشر الى اثنين وثلاثين مدفعا وعدد كبير من السفن الصغيرة. وقد سيطر هنا الاسطول على جميع السواحل العربية الممتدة من هرمز الى ممضيق باب المندب .