انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

بنية القصيدة في معلقة النابغة الذبياني

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة انصاف سلمان علوان الدليمي       5/6/2011 1:13:55 PM

بنية القصيدة في معلقة النابغة الذبياني
وفي هذه القصيدة تبدأ بمقدمة طللية، يقول فيها:
يا دار مَيَّةّ بالعلياء فالسّند
  أَقْوَتْ وطالَ عليها سالِفُ الأبد

وقفتُ فيها أُصَيلاناً أُسائِلْها
  عَيَّتْ جواباً وما بالّربع من أحَدِ

إلا الأواريَّ لأياً ما أُبيّتنُها
  والنُّؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلَدِ

ردّت عليه أقاصيه ولبّدَهُ
  ضربُ الوليدةِ بالمسحاة في الثَّأّد

خلَّتْ سبيلَ أتيٍّ كان يَحْبِسُهُ
  وَرَفَّعَتُه إلى السِّجفَيْنٍ فالنّضدِ

أمْستْ خلاءً وأمسى أهلُها احتملوا
  أخنى عليها الّذي أَخْنى على لُبَدِ

إنّ الخوف وعدم الشعور بالأمان الّذي يعاني منه الشاعر بعد تهديد النعمان له انعكس على أجزاء القصيدة كلّها وهو خوف مشوب بأمل النّصر إلاّ أنّ الظّروف تبدو أقوى من قدرة الشاعر، هذا الانسان الّذي يبدو ضعيفاً أمام القوى الجبارة الّتي تستطيع تغيير الأمور وقهر الإرادات، فهذه الدّار كانت متحصّنة لا يستطيع أحد الوصول اليها، ولا تستطيع السّيول التأثير فيها لأنّها في مكان عالٍ على مستند الجبال، إلاّ أنّ الّدهر كان أقوى منها بفعل العوامل الّتي تعاقبت عليها حتّى غيرت ملامحها، ولم يستطع الشاعر التعرّف عليها، وترد هنا لفظة ((مظلومة)) وان كان اللغويون قد اقتصروا على معناها اللغوي الاّ أنّها تدلّ على ما يعانيه الشاعر من الظّلم والجور، ولم تستطع الجهود المبذولة حماية هذه الدّيار، لقد أمست هذه الدّيار خلاءً لا حياة فيها، رحل عنها أهلها، فالدّهر يغيّر كلّ شيء.
إنّ الشاعر كما ذكرنا في اعتذاراته السابقة يشكو من تغيّر الأحوال وتبدلها بينه وبين النعمان بفعل الوشاة، الذين دمّروا تلك العلاقة الوطيدة الّتي كان من القوّة بحيث لم يخطر على بال الشاعر أنّها ستنتهي، وظلّ الشاعر يتساءل عن الأسباب الّتي تجعل النعمان يستجيب لقول الوشاة مع أنّ أدلّتهم لا تقف أمام ما يطرحه النابغة من أدلة والأيمان الّتي يرددها في كل اعتذاراته، ولكن النابغة لم يجد الجواب الشافي لما يطرحه:
وقفت فيها أصيلاناً أسائلُها
  عيّت جواباً وما بالّربع من أحد

ولكي يسلى همّه يذهب إلى ناقته محاولاً نسيان الماضي، وقد نتوقع منه رحيلاً يبعده عن النعمان، ولكنّه يخيب ظنّنا ويعود في النهاية إلى النعمان، كأنّه يطالبه بفتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما:
فَعدِّ عمّا ترى إذ لا ارتجاع له
  وانْم القُتُودَ على عَيْرانةٍ أُجُدِ

مقذوفةٍ بدخيسِ النَّحضِ بازِلُها
  له صَريفٌ صريفُ القَعْوِ بالمَسدِ

ويشبّه هذه الناقة بثور وحشي، لكنّ الفزع أيضاً يسيطر عليه حتّى في رحلته إلى النعمان، أنّه فزع خائف من عدم قبول عذره، فيظهر هذا الفزع والخوف في الثور الوحشي، وان كان يريد بذلك سرعة الناقة في الظاهر:
كأنّ رحلي وقد زالَ النّهارُ بنا
  بذي الجليل على مستأنسٍ وَحِدِ

من وَحْشِ وَجْرَةَ موشيٍّ أكارعُهُ
  طاوي المصير كَسَيْف الصّيقل الفردِ

إنّ هذا الثّور يمثّل رمزاً للنّابغةِ الّذي يصارع الأهوال، تأتيه من كلّ جانب منفرداً، ولا يكاد يتخلّص من همٍّ حتّى يهجم عليه همّ آخر، فهاهو الثور يعاني من الجوع والمطر والبرد، ولم تكتف الأيّام بهذا بل يفاجئه صوت الصيّاد وكلابه، ويظلّ في صراعٍِ معهم حتّى ينتصر، وما هؤلاء الكلاب إلاّ أعداء النابغة الّذين وشوا به إلى النعمان:
أَسْرَتْ عليه من الجوزاء ساريةٌ
  تُزجي الشَّمالُ عليه جامِدَ البَردِ

فارتاعَ من صوتِ كَلاّب فبات له
  طوع الشّوامتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ

فَبثَهُنَّ عليه واستمرّ به
  صُمْع الكُعُوبِ بَريئاتٌ منَ الحَرَدِ

وكان ضُمْرانُ منه حيث يُوزِعُه
  طَعْنَ المعارك عند المُحجَرِ النجُدِ

شَكّ الفريصَةَ بالمدرى فأنفذها
  طعْن المُبَيْطِرِ إذ يَشفي مِن العَضدِ

وعندما نصل إلى غرض القصيدة نجد أنّ الطمع في عدل النعمان والخوف من بطشه يسيطران على معظم أبيات القصيدة، وهذا الجوّ يكادُ يُسيطرُ على عاطفة الشاعر، فهو يشبه النعمان بنبيّ الله سليمان (عليه السلام) الّذي أرسله الله ليصلح شأن البريّة ويمنع ارتكاب الأخطاء والآثام، وبكلمة مختصرة يُقيم العدلَ، فيقول:
ولا أرى فاعلاً في الناسِ يُشبهه
  ولا أُحاشي منَ الأقوامِ مِن أحَدِ

الاّ سليمانَ إذ قال الإله له
  قُمْ في الريّةِ فاحْدُدْها عنِ الفَنَدِ

.............
  ...............

فمَنْ أطاعك فانفعه بطاعته
  كما أَطاعَكَ وادْلُلْه على الرَّشَدِ

ومنْ عَصاكَ فعاقبه مُعاقَبةً
  تَنهي الظّلومَ ولا تَقْعُدْ على ضَمَدِ

وهذا يؤكّد أنّ تشبيه الشاعر ناقَتَه بالحمار الوحشي والاستطراد في وصف حالته النفسية لم يكن بعيداً عن جوّ القصيدة، فهو يدقّق في اختيار أوصاف مناسبة تلفت نظر النعمان إلى العدل، وتُشعره بالمسؤولية، وهنالك تشبيه آخر أقرب من هذا، إذ يطالب الشاعر النعمان بأن يكون مثل فتاة الحيّ في حكمه، وقدرة تميّزه كعدم خطأ فتاة الحيّ في دقّة حكمها على عدد الحمام على الرغم من كثرته واندفاعه، ويعني بذلك أي كُنْ حكيماً في إصدار حكمك عليّ ولا تخطئ في أمري، قائلاً:
احكُمْ كحكم فتاة الحيّ إذ نظرتْ
  إلى حمامٍ شراعٍ واردِ الثّمدِ

يحفُّه جانباً نيقٍ وتُتبعه
  مثلَ الزّجاجَةِ لم تُكحلْ مِنَ الرّمَدِ

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا
  إلى حمامتنا ونِصفُهُ فقدِ

فحسَّبوهُ فألفَوْهُ كما حسَبَتْ
  تسعاً وتسعين لم تنقُصْ ولم تَزِدِ

ويظهر هنا خوف النّابغة وطمعه بالأمان في قسمه هذا:
فَلا لَعَمْرُ الّذي مَسَّحْتُ كَعبتَهُ
  وما هُريقَ على الأنصاب منْ جسَدِ

والمُؤْمِن العائذاتِ الطّيَر يَمْسحُها
  رُكبانُ مكّةَ بين الغَيل والسَّعَدِ

ما قلتُ من سيِّءٍ ممّا أتيتَ به
  إذاً فلا رَفعتْ سَوْطي إليَّ يدي

فما الّذي جعل النابغة يعرج بقسمه إلى ذكر تأمين الله تعالى للطيور في الحرم ومنع الناس من اصطيادها، والمؤمن العائذات ؟ إنّه يطمح في مكانٍ آمن يلوذ إليه كهذه الطّيور، فهو لم يرتكب ذنباً يستحق العقاب:
إلاّ مقالةَ أقْوامٍ شَقيتُ بها
  كانَتْ مقالتُهم قَرْعاً على الكَبدِ

إنّ طغيان الزّمن والقوّة الجبارة الّتي ظهرت في الأطلالِ والّتي توحي بعدم التكافؤ تظهر في  موازنةِ الشاعر بين حالة ضعفه وقوّة النّعمان، هاتان الحالتان غير المتكافئتين، يضاف إلى قوّة النعمان كراهية بعض هؤلاء الوشاة، ودفعهم النعمان للانتقام، إنّها عواملٌ جارفة ستؤدّي إلى طمس واندثار علاقة الشاعر بالنعمان، وربّما يؤدّي ذلك إلى طمس حياة الشاعر بأكملها وتحويلها كتلك الأطلال إلى أشلاء، لذا فهو يطلب من النعمان التمهّل قبل أن يحكم على الشاعر في حالة غضب:
أُنبئتُ أنّ أبا قابوسَ أوعَدَني
  ولا قرار على زأرٍ من الأسدِ

مَهْلاً فِداءً لك الأقوامُ كُلُّهُمُ
  وما أُثَمِّرُ مِن مال ومن ولَدِ

لا تقْذِفنِّي برُكْنٍ لا كفاءَ له
  
وهكذا نجد أنّ أجزاء القصيدة متلاحمة فلا يعقل أن يقول النّابغة هذه القصيدة وهو يعاني من الخوف والظّلم فيقف على أطلال الحبيبة، ثمّ ينتقل الى الرّحلة دون أن يكون لهذا كلّه صلة بموضوعه الّذي يقلقه، إنّ الجوّ ليس جوّاً لذكر الأحباب الّذين مضوا، كما أنّه ليس جوّاً لوصف النّاقة والتفصيل في متابعة ثور وحشي، لقد استطاع النابغة تحميل أجزاء قصيدته هموماً تتناسب مع ما يذكره في غرضها، وكانت كلها تصبّ في هذه البوتقة.
وقد لاحظنا في القصائد الإعتذارية جميعها أنّها لا تبدأ بالغزل لحساسية هذا الموضوع وارتباطه بالخلاف بين الشاعر والنعمان، فمن غير المعقول أن يردّد أمام النعمان تصابيه، أو أن يظهر أمامه بمظهر المتصابي حتى لا يؤكّد تلك المقولة الّتي أشاعها الوشاة، لكنّه حينما اتّجه إلى ملك آخر بدأ قصيدته بمقدمة غزلية، منها مدحه لعمرو بن هند الملك المعروف بالتصابي بهذه القصيدة الّتي يقول في مقدمتها:
أتاركةٌ تَدَلُّلَها قَطامِ
  وضِنّاً بالتَّحيّة والكلامِ

فإن كان الدّلالَ فَلا تَلَجّي
  وإن كان الوداع فبالسّلام

فلو كانّتْ غداةَ البييْنِ منَتْ
  وقد رفعوا الخُدُورَ على الخيامِ

صفَحتُ بنظرةٍ فرأيْتُ منها
  تُحيتَ الخِدرِ واضعةَ القِرامِ

تَرائبَ يستضيءُ الحَلْيُ فيها
  كَجمْرِ النّارِ بُذِّرَ بالظّلامِ

وقد يكون من النادر أن نجد شاعراً يبدأ قصيدةً يمدح أميراً أو ملكاً بمناسبة نصره على الأعداء بمقدمة غزلية، لكنّنا إذا تعمّقنا في قراءة غرض القصيدة نجد وصفاً لجمال النساء السّبايا اللاّتي أخذهُنَّ عمرو بن هند عندما انتصر على القوم الّذين غزاهم، إذ يقول:
فَصَبّحهُمْ بها صَهْباءَ صِرْفاً
  كَأَنّ رؤوسهم بَيْضُ النَّعامِ

فَذاقَ الموْتَ منْ بَرَكَتْ عليه
  وبالنّاجينَ أظفارٌ دَوامِ

وَهُنَّ كأنهنَّ نِعاجُ رَمْل
  يُسوّينَ الذُّيُولَ على الخدامِ

يُوَصّينَ الرّواةَ إذا أَلَمُّواً
  بِشُعْثٍ مُكْرَهينَ على الفِطامِ

ويبدو أنّ فرح ابن هند بهذه الغنيمة من النساء قد هيّأ للشاعر الجوّ ليدغدغ عاطفة هذا الملك الذي عرف بتصابيه كما هو مذكور في معلقة عمرو بن كلثوم.
ولابدّ هنا من الإشارة إلى ذكاء الشاعر وفنّه في عدم الإتيان بما هو ليس مناسباً في مقدمات قصائده.


 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .