النحويون المحدَثون والمعاصرون يرونَه توكيدًا/
قال الدكتور (خليلُ أحمد عمايرة) تحت عنوانِ (الاشتغالُ من أساليبِ التوكيدِ) - بعد ذكرِه إشارةً موجزةً إلى منهج النحويين في ما عُرف عندهم بـ(الاشتغال) - : ((وسنعملُ على توجيهِه وُجهةً لغويةً نعُـدُّه فيها مـن أساليبِ التوكيدِ التي لا تَخـرجُ بعيدًا عمَّا أثبتناه في المقدمةِ السابقةِ عن توكيدِ الظاهرِ بِمضمر))( ). وقد ذكر في هذه المقدمةِ نصًّا لـ(ابنِ يَعيشَ) عن القاعدةِ التي وضعها النحويون في مسألةِ توكيدِ الظاهرِ بِمضمرٍ هـو أنَّ ((المظهرَ لا يؤكَّدُ إلاَّ بظاهـرٍ مثلِه ، ولا يؤكَّدُ بِمضمرٍ ، فـلا تقول: (جاءني زيدٌ هو) ))( ) ؛ لأنَّ المضمَرَ أَخصُّ من الظاهـرِ ؛ فلا يصِحُّ أنْ يكونَ مبيّـِنًا له( ). ولـم يرتضِ الدكتور (خليل أحمد عمايرة) هذه القاعدة. بل ذهب إلـى أنَّ ((هذا أمـرٌ معياريٌّ لا تُقـرُّه اللغةُ بل تسيرُ على خلافِه))( ) ، وخلُص إلـى أنَّ ((الضميرَ في حقيقةِ أمـرِه هو الاسمُ من حيثُ الدَّلالةُ ، ويعودُ عليه. وما كان الضميرُ في مثلِ هذه الجملةِ إلاَّ ليؤكِّدَ الاسمَ المتقدِّمَ توكيدًا لفظيًّا))( ). فالظاهرُ يؤكَّدُ بالمضمَر. ولا مانعَ من ذلك. وقد ذهبَ الدكتور مهديٌّ المخزوميُّ - قبلَ الدكتور (خليل أحمد عمايرة) - هذا المذهبَ أيضًا. ولكنه لم يُصرِّح بأنَّ الضميرَ توكيدٌ لفظيٌّ بالكنايةِ ، بل (أشار) إلى أنَّ هذا الضميرَ ليس مفعولًا به للفعل إِذ رأى ((أنَّ الضميرَ لا يصلُحُ أنْ يكونَ مفعولاً ، لأنه كنايةٌ عنه وإشارةٌ إليه))( ). ولا يُعقلُ أنْ يتركَ هذا الضميرُ همْلاً بلا وظيفةٍ نحويةٍ في الجملة ؛ فعندي أنه توكيدٌ لفظيٌّ بالضميرِ الكنائي كما صرَّح به الدكتور (خليل أحمد عمايرة). وأنا أذهبُ إِلى هذا التوجيهِ النحويِّ الدَّلاليِّ لجملةِ (زيدًا أَكرمتُه) التي أراها تقومُ على توكيدَين رئيسَين يجعلانِ من الجملةِ مؤكدةً بشدةٍ للعنايةِ والاهتمامِ بمضمونِها ، ولاسيما مضمونِ الاسمِ الأول المقدَّمِ على الفعلِ( ). زيدًا/ مفعولٌ به مقدَّمٌ وجوبًا للعنايةِ والاهتمامِ ، منصوبٌ وعلامةُ نصبِه الفتحةُ. أَكرمتُه/ (أَكرم) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على السكونِ لاتصالِه بـ(تاءِ) الفاعل. و(التاءُ) ضميرٌ مبنيٌّ على الضمِّ كنايةٌ عنِ الفاعلِ (المتكلم). (الهاء) ضميرٌ مبنيٌّ على الضمِّ في محلِّ نصبٍ جاء توكيدًا لفظيًّا للمفعولِ به (زيدًا).
إنَّ التزامَ القولِ بفكرةِ (الاشتغال) لا تُوحي لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ بتوكيدِ الكلامِ ، ولا تُبرِزُ العنايةَ بالمتقدِّمِ ، لأنـَّها تجعَلُ منه متأخِّرًا ، وفي موضعِه الطبيعيِّ الاعتياديِّ الخالي من أيِّ توكيدٍ بعد تقديرِ فعلٍ قبلَه. فقد قُدِّر في قولِه تعالى: ?وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا?[الحديد/27] : (وابتدعوا رَهْبانيَّةً ابتدعوها)( ) والصوابُ أَنَّ (رهبانيةً) مفعولٌ به مقدَّمٌ للأهميةِ والعِنايةِ ، والضميرَ (الهاء) في (ابتدعوها) توكيدٌ لفظيٌّ كِنائيٌّ يؤكِّدُ (رهبانيةً). ولأنَّ القرآنَ بليغٌ إِيجازُه لم يرِدِ النصُّ هكذا (رهبانيةً ابتدعوا رهبانيةً). وهكذا يكونُ التحليلُ النحويُّ الدَّلاليُّ للنصوصِ المماثلةِ الأُخَرِ ، ومنها قولُه تعالى: ?وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا .... وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا?[النازعات/30و32] الذي قدَّروه (ودحا الأرضَ بعد ذلك دحاها.... وأرسى الجبالَ أرساها)( ) ، وقولُه تعالى: ?وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا? [النبأ/29] الذي قدَّروه (وأحصينا كلَّ شيءٍ أحصيناه كتابًا)( ).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|