انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

تفسير ايات من سورة ال عمران

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة احمد رشيد وهاب الموسوي       5/4/2011 2:48:32 PM

سنشرع الآن  في المرحلة الثانية من البيان المتعرض لحال أهل الكتاب عامة و النصارى خاصة و ما يلحق بذلك.

فقد كانت الآيات فيما مر تعرضت لحال أهل الكتاب عامة بقوله: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19، و بقوله أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب": آل عمران - 23، ثم انعطف البيان إلى شأن النصارى خاصة بقوله: "إن الله اصطفى آدم و نوحا الخ: آل عمران - 33، و تعرضت في أثنائها لولاية المؤمنين للكافرين بقوله: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء": آل عمران - 28، فهذا في المرحلة البادئة.

ثم عادت إلى بيان ما ذكرته ثانيا بلسان آخر و نظم دون النظم السابق فتعرضت لحال أهل الكتاب عامة في هذه الآيات المنقولة آنفا، و ما سيلحق بذلك من متفرقات بحسب مساس خصوصيات البيانات بذلك كقوله: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله الخ: آل عمران - 98، و قوله: "قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله الخ: آل عمران - 99، و تعرضت لحال النصارى و ما تدعيه في أمر عيسى (عليه السلام) بقوله: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الخ": آل عمران - 79، و تعرضت لأمور ترجع إلى المؤمنين من دعوتهم إلى الإسلام و الاتحاد و الاتقاء من ولاية الكفار و اتخاذ البطانة من دون المؤمنين في آيات كثيرة متفرقة.

قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم، الخطاب لعامة أهل الكتاب، و الدعوة في قوله: تعالوا إلى كلمة "الخ" بالحقيقة إنما هي إلى الاجتماع على معنى الكلمة بالعمل به، و إنما تنسب إلى الكلمة لتدل على كونها دائرة بألسنتهم كقولنا اتفقت كلمة القوم على كذا فيفيد معنى الإذعان و الاعتراف و النشر و الإشاعة.

فالمعنى: تعالوا نأخذ بهذه الكلمة متعاونين متعاضدين في نشرها و العمل بما توجبه.

و السواء في الأصل مصدر، و يستعمل وصفا بمعنى مساوي الطرفين، و سواء بيننا و بينكم أي مساو من حيث الأخذ و العمل بما توجبه، و على هذا فتوصيف الكلمة بالسواء توصيف بحال المتعلق و هو الأخذ و العمل، و قد عرفت أن العمل إنما يتعلق بمعنى الكلمة لا نفسها كما أن تعليق الاجتماع أيضا على المعنى لا يخلو من عناية مجازية ففي الكلام وجوه من لطائف العنايات: نسبة الاجتماع إلى المعنى ثم وضع الكلمة مكان المعنى ثم توصيف الكلمة بالسواء!.



و ربما قيل: إن معنى كون الكلمة سواء أن القرآن و التوراة و الإنجيل متفقة في الدعوة إليها، و هي كلمة التوحيد، و لو كان المراد به ذلك كان قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله "الخ" من قبيل وضع التفسير الحق موضع الكلمة المتفق عليها، و الإعراض عما لعبت به أيديهم من تفسيره غير المرضي الذي تنطبق الكلمة بذلك على أهوائهم من الحلول و اتخاذ الابن و التثليث و عبادة الأحبار و القسيسين و الأساقفة و يكون محصل المعنى: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم و هي التوحيد، و لازم التوحيد رفض الشركاء و عدم اتخاذ الأرباب من دون الله سبحانه.

و الذي تختتم به الآية من قوله: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون يؤيد المعنى الأول فإن محصل المعنى بالنظر إليه أنه يدعو إلى هذه الكلمة و هي أن لا نعبد إلا الله "الخ" لأنها مقتضى الإسلام لله الذي هو الدين عند الله، و إن كان الإسلام أيضا لازما من لوازم التوحيد لكن الدعوة في الآية إنما هي إلى التوحيد العملي و هو ترك عبادة غير الله سبحانه دون اعتقاد الوحدة، فافهم ذلك.

قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، تفسير للكلمة السواء، و هي التي يوجبها الإسلام لله.

و المراد بقوله: ألا نعبد إلا الله، نفي عبادة غير الله لا إثبات عبادة الله تعالى على ما مرت الإشارة إليه في معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله: أن لازم كون إلا الله، بدلا لا استثناء كون الكلام مسوقا لبيان نفي الشريك دون إثبات الإله، فإن القرآن يأخذ إثبات وجود الإله و حقيته مفروغا عنه.

و لما كان الكلام مسوقا لنفي الشريك في العبادة و لا ينحسم به مادة الشرك اللازم من اعتقاد البنوة و التثليث و نحو ذلك أردفه بقوله: و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ "الخ" فإن تسمية العبادة بعبادة الله لا تصير العبادة عبادة لله سبحانه ما لم يخلص الاعتقاد و لم يتجرد الضمير من الاعتقادات و الآراء المولودة من أصل الشرك لأن العبادة حينئذ إنما تكون عبادة إله له شريك و العبادة التي يعبد بها أحد الشريكين و إن خص باسمه و وجه نحوه ليست إلا نابتة منبت التشريك لأنها لا تعدو أن تكون سهما يسهم له و حظا يقسم له من بين الشريكين أو الشركاء ففيها بعينها نحو عبادة للغير.

و هذا الذي يدعو إليه النبي بأمر الله سبحانه، و هو الذي يدل عليه قوله: ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، هو الذي يجمع غرض النبوة في السيرة التي كانت الأنبياء تدعو إليها و تبسطها على المجتمع الإنساني.

فقد تقدم عند الكلام على قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة": البقرة - 213 أن النبوة انبعاث إلهي و نهضة حقيقية يراد بها بسط كلمة الدين و أن حقيقة الدين تعديل المجتمع الإنساني في سيره الحيوي، و يتبعه تعديل حيوة الإنسان الفرد فينزل بذلك الكل منزلته التي نزله عليها الفطرة و الخلقة فيعطي به المجتمع موهبة الحرية و سعادة التكامل الفطري على وجه العدل و القسط، و كذلك الفرد فهو فيه حر مطلق في الانتفاع من جهات الحيوة فيما يهديه إليه فكره و إرادته إلا ما يضر بحيوة المجتمع و قد قيد جميع ذلك بالعبودية و الإسلام لله سبحانه، و الخضوع لسيطرة الغيب و سلطنته.

و خلاصة ذلك أن الذي كانت تندب إليه جماعة الأنبياء (عليهم السلام) أن يسير النوع الإنساني فرادى و مجتمعين على ما تنطق به فطرتهم من كلمة التوحيد التي تقضي بوجوب تطبيق الأعمال الفردية و الاجتماعية على الإسلام لله، و بسط القسط و العدل، أعني بسط التساوي في حقوق الحيوة، و الحرية في الإرادة الصالحة و العمل الصالح.

و لا يتأتى ذلك إلا بقطع منابت الاختلاف و البغي بغير الحق و استخدام القوي و استعباده للضعيف و تحكمه عليه، و تعبد الضعيف للقوي فلا إله إلا الله، و لا رب إلا الله، و لا حكم إلا لله سبحانه.



و هذا هو الذي تدل عليه الآية: "ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" الآية، و قال تعالى فيما يحكيه عن يوسف (عليه السلام): "يا صاحبي السجن أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف - 40، و قال تعالى: "اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح بن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو": التوبة - 31، إلى غير ذلك من الآيات.

و فيما حكاه القرآن عن الأنبياء السالفين كنوح و هود و صالح و إبراهيم و شعيب و موسى و عيسى (عليهما السلام) مما كلموا به أممهم شيء كثير من هذا القبيل كقول نوح: "رب إنهم عصوني و اتبعوا من لم يزده ماله و ولده إلا خسارا": نوح - 21، و قول هود لقومه: "أ تبنون بكل ريع آية تعبثون و تتخذون مصانع لعلكم تخلدون و إذا بطشتم بطشتم جبارين": الشعراء - 130، و قول صالح لقومه: "و لا تطيعوا أمر المسرفين": الشعراء - 151، و قول إبراهيم لأبيه و قومه: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم و آباؤكم في ضلال مبين": الأنبياء - 54، و قوله تعالى لموسى و أخيه: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى - إلى أن قال -: فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل و لا تعذبهم": طه - 47، و قول عيسى لقومه: "و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله و أطيعون": الزخرف - 63، فالدين الفطري هو الذي ينفي البغي و الفساد، و هذه المظالم و السلطات بغير الحق الهادمة لأساس السعادة و المخربة لبنيان الحق و الحقيقة، و إلى ذلك يشير قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع: و قد ذكره المسعودي في حوادث سنة عشر من الهجرة في مروج الذهب، "ألا و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض" و كأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد به رجوع الناس إلى حكم الفطرة باستقرار سيرة الإسلام بينهم.

و الكلام أعني قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله "الخ"، على كونه آخذا بمجامع غرض النبوة مفصح عن سبب الحكم و ملاكه.

أما قوله: ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا، فلأن الألوهية هي التي يأله إليه و يتوله فيه كل شيء من كل وجه، و هو أن يكون منشأ لكل كمال في الأشياء على كثرتها و ارتباطها و اتحادها في الحاجة، و فيه كل كمال يفتاق إليه الأشياء، و هذا المعنى لا يستقيم إلا إذا كان واحدا غير كثير، و مالكا إليه تدبير كل شيء، فمن الواجب أن يعبد الله لأنه إله واحد لا شريك له، و من الواجب أن لا يتخذ له شريك في عبادته، و بعبارة أخرى، هذا العالم و جميع ما يحتوي عليه لا يصح و لا يجوز أن يخضع و يتصغر إلا لمقام واحد إذ هؤلاء المربوبون لوحدة نظامهم و ارتباط وجودهم لا رب لهم إلا واحد إذ لا خالق لهم إلا واحد.

و أما قوله تعالى: و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فمن حيث أفاد أن المجتمع الإنساني على كثرة أفراده و تفرق أشخاصه أبعاض من حقيقة واحدة هي حقيقة الإنسان و نوعه فما أودعته فيه يد الصنع و الإيجاد من الاستحقاق و الاستعداد الموزع بينهم على حد سواء يقضي بتساويهم في حقوق الحياة و استوائهم على مستوى واحد، و ما تفاوت فيه أحوال الأفراد و استعدادهم في اقتناء مزايا الحياة من مواهب الإنسانية العامة التي ظهرت في مظاهر خاصة من هاهنا و هناك و هنالك يجب أن تعطاه الإنسانية لكن من حيث تسأله، كما أن الازدواج و الولادة و المعالجة مثلا من مسائل الإنسانية العامة لكن الذي يعطى الازدواج هو الإنسان البالغ الذكر أو الأنثى، و الولادة يعطاها الإنسان الأنثى و العلاج يعطاه الإنسان المريض.

و بالجملة أفراد الإنسان المجتمع أبعاض متشابهة من حقيقة واحدة متشابهة فلا ينبغي أن يحمل البعض إرادته و هواه على البعض إلا أن يتحمل ما يعادله، و هو التعاون على اقتناء مزايا الحياة، و أما خضوع المجتمع أو الفرد لفرد أعني الكل أو البعض لبعض بما يخرجه عن البعضية، و يرفعه عن التساوي بالاستعلاء و التسيطر و التحكم بأن يؤخذ ربا متبع المشية، يحكم مطلق العنان، و يطاع فيما يأمر و ينهى ففيه إبطال الفطرة و هدم بنيان الإنسانية.

و أيضا من حيث إن الربوبية مما يختص بالله لا رب سواه فتمكين الإنسان مثله من نفسه يتصرف فيه بما يريد من غير انعكاس، اتخاذ رب من دون الله لا يقدم عليه من يسلم لله الأمر.

فقد تبين أن قوله: و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله يفصح عن حجتين فيما يفيده من المعنى: إحداهما كون الأفراد أبعاضا، و الآخر كون الربوبية من خصائص الألوهية.

قوله تعالى: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون استشهاد، بأنهم و هم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من اتبعه على الدين المرضي عند الله تعالى و هو الإسلام، قال: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19، فينقطع بذلك خصامهم و حجاجهم إذ لا حجة على الحق و أهله.

و فيه إشارة إلى أن التوحيد في العبادة من لوازم الإسلام.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم إلى آخر الآية، الظاهر أنه مقول القول الواقع في الآية السابقة، و كذا ما يأتي بعد أربع آيات فيكون مقولا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن كان ظاهر سياق قوله: بعد آيتين: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا الآية، أن يكون الخطاب من الله لا من رسوله بإذنه.

و محاجتهم في إبراهيم (عليه السلام) بضم كل طائفة إياه إلى نفسها يشبه أن تكون أولا بالمحاجة لإظهار المحقية كأن تقول اليهود: إن إبراهيم (عليه السلام) الذي أثنى الله عليه في كتابه منا فتقول النصارى: إن إبراهيم كان على الحق، و قد ظهر الحق بظهور عيسى معه، ثم تتبدل إلى اللجاج و العصبية فتدعي اليهود أنه كان يهوديا، و تدعي النصارى أنه كان نصرانيا، و من المعلوم أن اليهودية و النصرانية إنما نشأتا جميعا بعد نزول التوراة و الإنجيل و قد نزلا جميعا بعد إبراهيم (عليه السلام) فكيف يمكن أن يكون (عليه السلام) يهوديا بمعنى المنتحل بالدين الذي يختص بموسى (عليه السلام)، و لا نصرانيا بمعنى المتعبد بشريعة عيسى (عليه السلام)، فلو قيل في إبراهيم شيء لوجب أن يقال إنه كان على الحق حنيفا من الباطل إلى الحق مسلما لله سبحانه و هذه الآيات في مساق قوله تعالى: "أم تقولون إن إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أ أنتم أعلم أم الله و من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله": البقرة - 140.

قوله تعالى: ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم الآية، الآية تثبت لهم علما في المحاجة التي وقعت بينهم و تنفي علما و تثبته لله تعالى، و لذلك ذكر المفسرون: أن المعنى: أنكم حاججتم: في إبراهيم (عليه السلام) و لكم به علم ما، كالعلم بوجوده و نبوته، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و هو كونه يهوديا أو نصرانيا و الله يعلم و أنتم لا تعلمون، أو أن المراد بالعلم علم ما بعيسى و خبره، و المعنى أنكم تحاجون في عيسى و لكم بخبره علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و هو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا، هذا ما ذكروه.

و أنت تعلم أن شيئا من الوجهين لا ينطبق على ظاهر سياق الآية: أما الأول فلأنه لم تقع لهم محاجة في وجود إبراهيم و نبوته، و أما الثاني فلأن المحاجة التي وقعت منهم في عيسى لم يكونوا فيها على الصواب بل كانوا مخطئين في خبره كاذبين في دعواهم فيه فكيف يمكن أن يسمى محاجة فيما لهم به علم، و كلامه تعالى على أي حال يثبت منهم محاجة فيما لهم به علم كما يثبت لهم محاجة فيما ليس لهم به علم، فما هذه المحاجة التي هي فيما لهم به علم؟ على أن ظاهر الآية أن هاتين إنما جرتا جميعا فيما بين أهل الكتاب أنفسهم لا بينهم و بين المسلمين و إلا كان المسلمون على الباطل في الحجاج الذي أهل الكتاب فيه على علم، و هو ظاهر.

و الذي ينبغي أن يقال - و الله العالم - أن من المعلوم أن المحاجة كانت جارية بين اليهود و النصارى في جميع موارد الاختلاف التي كانت بينهم، و عمدة ذلك نبوة عيسى (عليه السلام) و ما كانت تقوله النصارى في حقه أنه الله، أو ابنه أو التثليث فكانت النصارى تحاج اليهود في بعثته و نبوته و هم على علم منه، و كانت اليهود تحاج النصارى، و تبطل ألوهيته و نبوته و التثليث و هم على علم منه فهذه محاجتهم فيما لهم به علم، و أما محاجتهم فيما ليس لهم به علم فمحاجتهم في أمر إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا.



و ليس المراد بجهلهم به جهلهم بنزول التوراة و الإنجيل بعده و هو ظاهر، و لا ذهولهم عن أن السابق لا يكون تابعا لللاحق فإنه خلاف ما يدل عليه قوله تعالى: أ فلا تعقلون" فإنه يدل على أن الأمر يكفي فيه أدنى تنبيه، فهم عالمون بأنه كان سابقا على التوراة و الإنجيل لكنهم ذاهلون على مقتضى علمهم و هو أنه لا يكون حينئذ يهوديا و لا نصرانيا بل على دين الله الذي هو الإسلام لله.

لكن اليهود مع ذلك قالوا: إن الدين الحق لا يكون إلا واحدا و هو اليهودية فلا محالة كان إبراهيم يهوديا، و قالت النصارى مثل ذلك فنصرت إبراهيم، و قد جهلوا في ذلك أمرا و ليس بذهول، و هو أن دين الله واحد، و هو الإسلام لله، و هو واحد مستكمل بحسب مرور الزمان و استعداد الناس من حيث تدرجهم بالكمال، و اليهودية و النصرانية شعبتان من شعب كمال الإسلام الذي هو أصل الدين، و الأنبياء (عليهم السلام) بمنزلة بناة هذا البنيان، لكل منهم موقعه فيما وضعه من الأساس و مما بنى عليه من هذا البنيان الرفيع.

و بالجملة فاليهود و النصارى جهلوا أنه لا يلزم من كون إبراهيم مؤسسا للإسلام و هو الدين الأصيل الحق ثم ظهور دين حق باسم اليهودية أو النصرانية، و هو اسم شعبة من شعب كماله و مراتب تمامه أن يكون إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا بل يكون مسلما حنيفا متلبسا باسم الإسلام الذي أسسه و هو أصل اليهودية و النصرانية دون نفسهما، و الأصل لا ينسب إلى فرعه بل ينبغي أن يعطف الفرع عليه.

و تسمية إبراهيم مسلما لا يهوديا و لا نصرانيا غير عده تابعا لدين النبي و شريعة القرآن ليرد الإشكال بأنه كما كان متقدما على نزول التوراة و الإنجيل فلا ينبغي أن يعد يهوديا أو نصرانيا كذلك كان متقدما على نزول القرآن و ظهور الإسلام فلا ينبغي أن يعد مسلما حذو النعل بالنعل.

و ذلك أن الإسلام بمعنى شريعة القرآن من الاصطلاحات الحادثة بعد نزول القرآن و انتشار صيت الدين المحمدي، و الإسلام الذي وصف به إبراهيم هو أصل التسليم لله سبحانه و الخضوع لمقام ربوبيته فالإشكال غير متوجه من أصله.

و لعل هذا الذي ذكرناه من وجه جهلهم بمعنى الدين الأصيل، و كونه حقيقة ذات مراتب مختلفة و متدرجة في الاستكمال هو المراد بقوله تعالى: و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا "الخ" و يؤيده قوله: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية، و قوله تعالى في ذيل الآيات: "قل آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهيم و إسمعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" الآية: آل عمران - 85، على ما سيجيء من البيان.

قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا إلى آخر الآية، قد مر تفسيره فيما مر، و قد قيل: إن اليهود و النصارى كما كانوا يدعون أن إبراهيم (عليه السلام) منهم و على دينهم كذلك عرب الجاهلية من الوثنية كانت تدعي أنهم على الدين الحنيف دين إبراهيم (عليه السلام) حتى كان أهل الكتاب يسمونهم الحنفاء، و يدعون بالحنيفية الوثنية.

و لما وصف الله سبحانه إبراهيم (عليه السلام) بقوله: و لكن كان حنيفا، وجب بيانه حتى لا يتوهم منه الوثنية فلذلك أردفه بقوله: مسلما و ما كان من المشركين، أي كان على الدين المرضي عند الله تعالى و هو الإسلام و ما كان من المشركين كعرب الجاهلية.

قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا الآية في موضع التعليل للكلام السابق و بيان للحق في المقام و المعنى - و الله العالم - أن هذا النبي المعظم إبراهيم لو أخذت النسبة بينه و بين من بعده من المنتحلين و غيرهم لكان الحق أن لا يعد تابعا لمن بعده بل يعتبر الأولوية به و الأقربية منه، و الأقرب من النبي الذي له شرع و كتاب هم الذين يشاركونه في اتباع الحق، و التلبس بالدين الذي جاء به، و الأولى بهذا المعنى بإبراهيم (عليه السلام) هذا النبي و الذين آمنوا لأنهم على الإسلام الذي اصطفى الله به إبراهيم و كذا كل من اتبعه دون من يكفر بآيات الله و يلبس الحق بالباطل.

و في قوله: للذين اتبعوه تعريض لأهل الكتاب من اليهود و النصارى بنحو الكناية أي لستم أولى بإبراهيم لعدم اتباعكم إياه في إسلامه لله.



و في قوله: و هذا النبي و الذين آمنوا إفراد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من اتبعه من المؤمنين من الذين اتبعوا إبراهيم إجلالا للنبي و صونا لمقامه أن يطلق عليه الاتباع كما يستشعر ذلك - مثل قوله تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده": الأنعام - 90 حيث لم يقل: فبهم اقتده.

و قد تمم التعليل و البيان بقوله: و الله ولي المؤمنين، فإن ولاية إبراهيم ولي الله من ولاية الله، و الله ولي المؤمنين دون غيرهم الكافرين بآياته اللابسين الحق بالباطل.

قوله تعالى: ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم و ما يضلون إلا أنفسهم و ما يشعرون، الطائفة الجماعة من الناس، و كان الأصل فيه أن الناس و خاصة العرب كانوا أولا يعيشون شعوبا و قبائل بدويين يطوفون صيفا و شتاء بماشيتهم في طلب الماء و الكلإ، و كانوا يطوفون و هم جماعة تحذرا من الغيلة و الغارة فكان يقال لهم جماعة طائفة، ثم اقتصر على ذكر الوصف الطائفة للدلالة على الجماعة.

و أما كون أهل الكتاب لا يضلون إلا أنفسهم فإن أول الفضائل الإنسانية الميل إلى الحق و اتباعه فحب صرف الناس عن الحق إلى الباطل من جهة أنه من أحوال النفس و أخلاقها رذيلة نفسانية - و بئست الرذيلة - و إثم من آثامها و معاصيها و بغيها بغير حق، و ما ذا بعد الحق إلا الضلال فحبهم لإضلال المؤمنين و هم على الحق إضلال بعينه لأنفسهم من حيث لا يشعرون.

و كذا لو تمكنوا من بعضهم بإلقاء الشبهات فأضلوه بذلك فإنما يضلون أولا أنفسهم لأن الإنسان لا يفعل شيئا من خير أو شر إلا لنفسه كما قال تعالى: "من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد": حم السجدة - 46، و أما ضلال من ضل بإضلالهم فليس بتأثير منهم بل هو بسوء فعال الضال الغاوي و شامة إرادته بإذن من الله، قال تعالى: "من كفر فعليه كفره و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون": الروم - 44، و قال تعالى: "و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير و ما أنتم بمعجزين في الأرض و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير": الشورى - 31، و قد مر شطر من الكلام في خواص الأعمال في الكلام على قوله تعالى: "حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة": البقرة - 217، في الجزء الثاني من الكتاب.

و هذا الذي ذكرناه من المعارف القرآنية التي يفيدها التوحيد الأفعالي الذي يتفرع على شمول حكم الربوبية و الملك، و به يوجه ما يفيده قوله تعالى: و ما يضلون إلا أنفسهم و ما يشعرون، من الحصر.

و أما ما ذكره المفسرون من التوجيه لمعنى الآية فلا يغني في الحصر المذكور طائلا و لذلك أغمضنا عن نقله.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله و أنتم تشهدون، قد مر أن الكفر بآيات الله غير الكفر بالله تعالى، و أن الكفر بالله هو الالتزام بنفي التوحيد صريحا كالوثنية و الدهرية، و الكفر بآيات الله إنكار شيء من المعارف الإلهية بعد ورود البيان و وضوح الحق، و أهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها واحدا، و إنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم و على غيرهم كنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كون عيسى عبدا لله و رسولا منه، و أن إبراهيم ليس بيهودي و لا نصراني، و أن يد الله مبسوطة، و أن الله غني، إلى غير ذلك، فأهل الكتاب في لسان القرآن كافرون بآيات الله غير كافرين بالله، و لا ينافيه قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب": التوبة - 29، حيث نفى الإيمان عنهم صريحا، و ليس إلا الكفر و ذلك أن ذكر عدم تحريمهم للحرام و عدم تدينهم بدين الحق في الآية يشهد بأن المراد من توصيفهم بعدم الإيمان هو التوصيف بلازم الحال فلازم حالهم من الكفر بآيات الله عدم الإيمان بالله و اليوم الآخر و إن لم يشعروا به، و ليس بالكفر الصريح.

و في قوله تعالى: و أنتم تشهدون - و الشهادة هو الحضور و العلم عن حس - دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله إنكارهم كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة و الإنجيل مع مشاهدتهم انطباق الآيات و العلائم المذكورة فيهما عليه.

و من هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن لفظ الآيات عام شامل لجميع الآيات و لا وجه لتخصيصه بآيات النبوة بل المراد كفرهم بجميع الآيات الحقة و الوجه في فساده ظاهر.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل إلى آخر الآية، اللبس بفتح اللام إلقاء الشبهة و التمويه أي تظهرون الحق في صورة الباطل.

و في قوله: و أنتم تعلمون دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس و الكتمان ما هو في المعارف الدينية غير ما يشاهد من الآيات كالآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.

و هاتان الآيتان أعني قوله يا أهل الكتاب لم تكفرون - إلى قوله: و أنتم تعلمون - تتمة لقوله تعالى: ودت طائفة الآية، و على هذا فعتاب الجميع بفعال البعض بنسبته إليهم من جهة اتحادهم في العنصر و النسل و الصفة، و رضاء البعض بفعال البعض و هو كثير الورود في القرآن.

قوله تعالى: و قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل إلى آخر الآية، المراد بوجه النهار بقرينة مقابلته بآخره هو أوله فإن وجه الشيء ما يبدو و يظهر به لغيره و هو في النهار أوله، و سياق قولهم يكشف عن نزول وحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجه النهار يوافق ما عليه أهل الكتاب و آخر في آخره يخالف ما هم عليه فإنما هو الذي دعاهم إلى أن يقولوا هذا القول.

و على هذا فقوله: بالذي أنزل على الذين آمنوا أريد به شيء خاص من وحي القرآن يوافق ما عند أهل الكتاب، و قوله: وجه النهار منصوب على الظرفية و متعلق بقوله: أنزل، لا بقوله: آمنوا صيغة الأمر لأنه أقرب، و قوله: و اكفروا آخره في معنى و اكفروا بما أنزل في آخره فيكون من وضع الظرف موضع المظروف بالمجاز العقلي نظير قوله تعالى: "بل مكر الليل و النهار": سبأ - 33.

و بذلك يتأيد ما ورد في سبب النزول عن أئمة أهل البيت: أن هذه كلمة قالتها اليهود حين تغيير القبلة حيث صلى رسول الله صلاة الصبح إلى بيت المقدس و هو قبلة اليهود، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر نحو الكعبة فقالت طائفة من اليهود: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يريدون استقبال بيت المقدس، و اكفروا آخره يريدون استقبال الكعبة.

و يؤيده قولهم بعده على ما حكاه الله: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، أي لا تثقوا بمن لا يتبع دينكم بالإيمان به فتفشوا عنده شيئا من أسراركم و البشارات التي عندكم و كان من علائم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يحول القبلة إلى الكعبة.

و ذكر بعضهم أن قوله: وجه النهار متعلق بقوله: آمنوا بصيغة الأمر و المراد به أول النهار، و قوله: آخره ظرف بتقدير في، و متعلق بقوله و اكفروا، و المراد بقولهم: آمنوا بالذي أنزل "الخ" أن يظهر عدة منهم الإيمان بالقرآن و يلحقوا بجماعة المؤمنين ثم يرتدوا في آخر النهار بإظهار أنهم إنما آمنوا أول النهار لما كاد يلوح لهم من أمارات الصدق و الحق من ظاهر الدعوة الإسلامية، و إنما ارتدوا آخر النهار لما تبين لهم من شواهد البطلان و عدم انطباق ما عندهم من بشارات النبوة و علائم الحقانية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون ذلك مكيدة تكاد بها المؤمنون فيرتابون في دينهم، و يهنون في عزيمتهم فينكسر بذلك سورتهم و تبطل أحدوثتهم.

و هذا المعنى في نفسه غير بعيد و خاصة من اليهود الذين لم يألوا جهدا في الكرة على الإسلام لإطفاء نوره من أي طريق ممكن غير أن لفظ الآية لا ينطبق عليه، و سيأتي للكلام تتمة نتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله العزيز.

و قال بعضهم: إن المراد آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار و اكفروا به آخره لعلهم يرجعون و قال آخرون: المعنى أظهروا الإيمان في صدر النهار بما أقررتم به من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و اكفروا آخره بإبداء أن ما وصف به النبي الموعود لا ينطبق عليه لعلهم يرتابون بذلك فيرجعوا عن دينهم، و هذان الوجهان لا شاهد عليهما.



و كيف كان المراد، لا إجمال في الآية.

قوله تعالى: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "الخ"، الذي يعطيه السياق هو أن تكون هذه الجملة من قول أهل الكتاب تتمة لقولهم: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا، و كذا قوله تعالى: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، و يكون قوله: "قل إن الهدى هدى الله" جملة معترضة هو جواب الله سبحانه عن مجموع ما تقدم من كلامهم أعني قولهم: آمنوا بما أنزل إلى قوله دينكم، على ما يفيده تغيير السياق، و كذا قوله تعالى قل إن الفضل بيد الله جوابه تعالى عن قولهم: أن يؤتى أحد إلى آخره، هذا هو الذي يقتضيه ارتباط أجزاء الكلام و اتساق المعاني في الآيتين أولا، و ما تناظر الآيتين من الآيات الحاكية لأقوال اليهود في الجدال و الكيد ثانيا.

و المعنى - و الله أعلم - أن طائفة من أهل الكتاب - و هم اليهود - قالت أي قال بعضهم لبعض: صدقوا النبي و المؤمنين في صلاتهم وجه النهار إلى بيت المقدس و لا تصدقوهم في صلاتهم إلى الكعبة آخر النهار، و لا تثقوا في الحديث بغيركم فيخبروا المؤمنين أن من شواهد نبوة النبي الموعود تحويل القبلة إلى الكعبة فإن في تصديقكم أمر الكعبة و إفشائكم ما تعلمونه من كونها من أمارات صدق الدعوة محذور أن يؤتى المؤمنون مثل ما أوتيتم من القبلة فيذهب به سوددكم و يبطل تقدمكم في أمر القبلة، و محذور أن يقيموا عليكم الحجة عند ربكم أنكم كنتم عالمين بأمر القلبة الجديدة شاهدين على حقيته ثم لم تؤمنوا.

فأجاب الله تعالى عن قولهم في الإيمان بما في وجه النهار و الكفر في آخره و أمرهم بكتمان أمر القبلة لئلا يهتدي المؤمنون إلى الحق بأن الهدى الذي يحتاج إليه المؤمنون الذي هو حق الهدى إنما هو هدى الله دون هداكم، فالمؤمنون في غنى عن ذلك فإن شئتم فاتبعوا و إن شئتم فاكفروا و إن شئتم فأفشوا و إن شئتم فاكتموا.

و أجاب تعالى عما ذكروه من مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم عند ربهم بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا بيدكم حتى تحبسوه لأنفسكم و تمنعوا منه غيركم، و أما حديث الكتمان مخافة المحاجة فقد أعرض عن جوابه لظهور بطلانه كما فعل كذلك في قوله تعالى في هذا المعنى بعينه: "و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أ فلا تعقلون أ و لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون و ما يعلنون": البقرة - 77، فقوله: أ و لا يعلمون، إيذان بأن هذا القول بعد ما علموا أن الله لا يتفاوت فيه السر و العلانية كلام منهم لا يستوي على تعقل صحيح، و ليس جوابا لمكان الواو في قوله: أ و لا يعلمون.

و على ما مر من المعنى فقوله تعالى: و لا تؤمنوا معناه، لا تثقوا و لا تصدقوا لهم الوثاقة و حفظ السر على حد قوله تعالى: "و يؤمن للمؤمنين": البراءة - 61، و المراد بقوله لمن تبع، اليهود.

و المراد بالجملة النهي عن إفشاء ما كان عندهم من حقية تحويل القبلة إلى الكعبة كما مر في قوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام - إلى أن قال: و إن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم - إلى أن قال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم و إن فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون": البقرة - 146.

و في معنى الآية أقوال شتى دائرة بين المفسرين كقول بعضهم: إن قوله تعالى: و لا تؤمنوا إلى آخر الآية كلام لله تعالى لا لليهود، و خطاب الجمع في قوله: و لا تؤمنوا و قوله: ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم جميعا للمؤمنين، و خطاب الإفراد في قوله: قل، في الموضعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قول آخرين بمثله إلا أن خطاب الجمع في قوله: أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، لليهود في الكلام عتاب و تقريع.



و قول آخرين إن قوله: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم من كلام اليهود، و قوله: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد "الخ" كلام لله تعالى جوابا عما قالته اليهود، و كذا الخلاف في معنى الفضل أن المراد به الدين أو النعمة الدنيوية أو الغلبة أو غير ذلك.

و هذه الأقوال على كثرتها بعيدة عما يعطيه السياق كما قدمنا الإشارة إليه و لذا لم نشتغل بها فضل اشتغال.

قوله تعالى: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم، الفضل هو الزائد عن الاقتصاد، و يستعمل في المحمود كما أن الفضول يستعمل في المذموم، قال الراغب: و كل عطية لا تلزم من يعطي يقال لها فضل نحو قوله: و اسألوا الله من فضله - ذلك فضل الله - ذو الفضل العظيم، و على هذا قوله: قل بفضل الله - و لو لا فضل الله انتهى.

و على هذا فقوله: إن الفضل بيد الله، من قبيل الإيجاز بالقناعة بكبرى البيان القياسي، و التقدير: قل إن هذا الإنزال و الإيتاء الإلهي الذي تحتالون في تخصيصه بأنفسكم بالتظاهر على الإيمان و الكفر، و الإيصاء بالكتمان أمر لا نستوجبه معاشر الناس على الله تعالى بل هو من الفضل، و الفضل بيد الله الذي له الملك و له الحكم فله أن يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم.

ففي الكلام نفي ما يدل عليه قولهم و فعلهم من تخصيص النعمة الإلهية بأنفسهم بجميع جهاته المحتملة فإن تنعم بعض الناس بفضل الله تعالى دون البعض كتنعم اليهود بنعمة الدين و القبلة، و حرمان غيرهم إما أن يكون لأن الفضل منه تعالى يمكن أن يقع تحت تأثير الغير فيزاحم المشية الإلهية، و يحبس فضله عن جانب، و يصرفه إلى آخر، و ليس كذلك فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

و إما أن يكون لأن الفضل قليل غير واف و المفضل عليهم كثيرون فيكون إيتاؤه على البعض دون البعض يحتاج إلى انضمام مرجح فيحتال إلى إقامة مرجح لتخصيص البعض الذي ينعم عليه، و ليس كذلك فإن الله سبحانه واسع الفضل و المقدرة.

و إما أن يكون لأن الفضل و إن كان واسعا و بيد الله لكن يمكن أن يحتجب المفضل عليه عنه تعالى بجهل منه فلا ينال الفضل فيحتال في حجبه و ستر حاله عنه تعالى حتى يحرم من فضله، و ليس كذلك فإن الله سبحانه عليم لا يطرأ عليه جهل.

قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم، فلما كان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و كان واسعا عليما أمكن أن يختص بعض عباده ببعض نعمه فإن له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، و ليس إذا لم يكن ممنوع التصرف في فضله و إيتائه عباده أن يجب عليه أن يؤتي كل فضله كل أحد فإن هذا أيضا نوع ممنوعية في التصرف بل له أن يختص بفضله من يشاء.

و قد ختم الكلام بقوله: و الله ذو الفضل العظيم و هو بمنزلة التعليل لجميع المعاني السابقة فإن لازم عظمة الفضل على الإطلاق أن يكون بيده يؤتيه من يشاء، و أن يكون واسعا في فضله، و أن يكون عليما بحال عباده و ما هو اللائق بحالهم من الفضل، و أن يكون له أن يختص بفضله من يشاء.

و في تبديل الفضل بالرحمة في قوله: يختص برحمته من يشاء، دلالة على أن الفضل و هو العطية غير الواجبة من شعب الرحمة، قال تعالى: "و رحمتي وسعت كل شيء": الأعراف - 156، و قال: "و لو لا فضل الله عليكم و رحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور - 21، و قال تعالى: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق": إسراء - 100.

قوله تعالى: و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك - إلى قوله: سبيل - إشارة إلى اختلافهم في حفظ الأمانات و العهود اختلافا فاحشا آخذا بطرفي التضاد و أن هذا و إن كان في نفسه رذيلة قومية ضارة إلا أنه ناش بينهم فاش في جماعتهم من رذيلة أخرى اعتقادية و هي ما يشتمل عليه قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم كانوا يسمون أنفسهم بأهل الكتاب، و غيرهم بالأميين فقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل معناه نفي أن يكون لغير إسرائيلي على إسرائيلي سبيل، و قد أسندوا الكلمة إلى الدين، و الدليل عليه قوله تعالى: و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون بلى "الخ".



فقد كانوا يزعمون - كما أنهم اليوم على زعمهم - أنهم هم المخصوصون بالكرامة الإلهية لا تعدوهم إلى غيرهم بما أن الله سبحانه جعل فيهم نبوة و كتابا و ملكا فلهم السيادة و التقدم على غيرهم، و استنتجوا من ذلك أن الحقوق المشرعة عندهم اللازمة المراعاة عليهم كحرمة أخذ الربا و أكل مال الغير: و هضم حقوق الناس إنما هي بينهم معاشر أهل الكتاب فالمحرم هو أكل مال الإسرائيلي على مثله، و المحظور هضم حقوق يهودي على أهل ملته، و بالجملة إنما السبيل على أهل الكتاب لأهل الكتاب، و أما غير أهل الكتاب فلا سبيل له على أهل الكتاب فلهم أن يحكموا في غيرهم ما شاءوا و يفعلوا في من دونهم ما أرادوا، و هذا يؤدي إلى معاملتهم مع غيرهم معاملة الحيوان العجم كائنا من كان.

و هذا و إن لم يوجد فيما عندهم من الكتب المنسوبة إلى الوحي كالتوراة و غيرها لكنه أمر أخذوه من أفواه أحبارهم فقلدوهم فيه ثم لما كان الدين الموسوي لا يعدو بني إسرائيل إلى غيرهم جعلوه جنسية بينهم، و تولد من ذلك أن هذه الكرامة و السؤدد أمر جنسي خص بذلك بنو إسرائيل خاصة فالانتساب الإسرائيلي هو مادة الشرف و عنصر السؤدد و المنتسب إلى إسرائيل له التقدم المطلق على غيره، و هذه الروح الباغية إذا دبت في قالب قوم بعثتهم إلى إفساد الأرض و أماته روح الإنسانية و آثارها الحاكمة في الجامعة البشرية.

نعم أصل هذه الكلمة - و هو سلب الحقوق العامة عن بعض الأفراد و الجوامع - مما لا مناص عنه في الجامعة الإنسانية لكن الذي يعتبره المجتمع الإنساني الصالح هو سلب الحقوق عمن يريد إبطال الحقوق و هدم المجتمع، و الذي يعتبره الإسلام في ثبوت الحق هو دين التوحيد من الإسلام أو الذمة فمن لا إسلام له و لا ذمة، فلا حق له من الحيوة و هو الذي ينطبق على الناموس الفطري الذي سمعت أنه المعتبر إجمالا عند المجتمع الإنساني.

و لنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في الآية فقوله تعالى: و من أهل الكتاب، كان الظاهر أن يقال: و منهم، فهو من وضع الظاهر موضع الضمير و الوجه فيه دفع أن يتوهم أن هؤلاء بعض من الطائفة المذكورة في الآيتين السابقتين التي قالت: آمنوا بالذي أنزل "الخ" و لذلك لما اندفع التوهم المذكور قيل في الآية الآتية: و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب الآية.

و هناك وجه آخر و هو أن ذكر الوصف - و هو كونهم من أهل الكتاب مشعر بنوع من التعليل، و ذلك أن صدور هذا القول و الفعل منهم - أعني قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، و أكلهم مال الناس بذلك لم يكن بذاك البعيد المستغرب لو كانوا أميين لأخبر عندهم من النبوة و الوحي لكنهم أهل الكتاب و عندهم الكتاب فيه حكم الله، و هم يعلمون أن الكتاب لا يحكم لهم بذلك، و لا يبيح لهم مال غيرهم لأنه غيرهم فهذا الذي قالوه ثم فعلوه.

و هم أهل الكتاب منهم أغرب و أبعد، و التوبيخ و التقبيح عليهم أوجه و ألزم.

و القنطار و الدينار معروفان و المقابلة بينهما - على ما فيها من المحسنات البديعية - و المقام مقام يذكر فيه الأمانة تفيد أنه كنى بهما عن الكثير و القليل، و المراد أن منهم من لا يخون الأمانة و إن كثرت و ثقلت قيمتها، و منهم من يخونها و إن قلت و خفت.

و كذا الخطاب الموضوع في الكلام بقوله: إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، غير متوجه إلى مخاطب معين بل هو للتكنية عن أي مخاطب يمكن أن يخاطب بهذا الكلام للإشعار بأن الحكم عام غير مقصور على واحد دون واحد، و الكلام في معنى قولنا: إن يأمنه مؤتمن أي مؤتمن كان بقنطار يؤده إليه.

و ما في قوله: إلا ما دمت عليه قائما، مصدرية على ما قيل، و التقدير إلا أن تدوم قائما عليه، و ذكر القيام عليه للدلالة على الإلحاح و الاستعجال فإن قيام المطالب على ساقه عند المطالبة من غير قعود دليل على ذلك و ربما قيل: إن ما ظرفية، و ليس بشيء.



و قوله: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ظاهر السياق أن ذلك إشارة إلى مجموع المضمون المأخوذ من سابق القول أي كون بعضهم يؤدي الأمانة و إن كانت خطيرة مهمة، و بعضهم لا يؤديها و إن كانت حقيرة لا يعبأ بها إنما هو لقولهم، ليس علينا في الأميين سبيل فأوجب ذلك اختلافا بينهم في الصفات الروحية كحفظ الأمانات و الاتقاء عن تضييع حقوق الناس، و الاغترار بالكرامة مع أنهم يعلمون أن الله لم يسن لهم ذلك في الكتاب و لا رضي بمثل هذه الأفعال منهم.

و يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى حال الطائفة الثانية المذكورة بقوله: و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك، و يكون ذكر الطائفة الأولى الأمينة لاستيفاء تمام الأقسام، و التحفظ على النصفة، و يجوز حينئذ أن تكون ضمائر الجمع في قوله: و يقولون و في قوله: و هم يعلمون راجعة إلى أهل الكتاب أو راجعة إلى قوله: من إن تأمنه بدينار، بحسب المعنى و كذا يجوز على التقدير الثاني أن يكون المراد بضمير التكلم في قوله: علينا، جميع أهل الكتاب أو خصوص البعض، و يختلف المعنى باختلاف المحتملات إلا أن الجميع صحيحة مستقيمة، و عليك بالتدبر فيها.

قوله تعالى: و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون إبطال لدعواهم أنه ليس علينا في الأميين سبيل، و دليل على أنهم كانوا ينسبون ذلك إلى الوحي السماوي و التشريع الديني كما مر.

قوله تعالى: بلى من أوفى بعهده و اتقى فإن الله يحب المتقين، رد لكلامهم و إثبات لما نفوه بقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، و إيفاء العهد تتميمه بالتحفظ من العذر و النقص، و التوفية البذل و الإعطاء وافيا، و الاستيفاء الأخذ و التناول وافيا.

و المراد بالعهد ما أخذ الله الميثاق عليه من عباده أن يؤمنوا به و يعبدوه على ما يشعر به قوله في الآية التالية: إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا، أو مطلق العهد الذي منه عهد الله تعالى.

و قوله: فإن الله يحب المتقين من قبيل وضع الكبرى موضع الصغرى إيثارا للإيجاز، و التقدير فإن الله يحبه لأنه متق و الله يحب المتقين، و المراد أن كرامة الله لعباده المتقين حبه لهم لا ما زعمتموه من نفي السبيل.

فمفاد الكلام أن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ينالها كل من انتسب إليه انتسابا أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله و ميثاقه و التقوى في الدين فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة و هي المحبة و الولاية الإلهية التي لا تعدو عبادة المتقين، و أثرها النصرة الإلهية، و الحيوة السعيدة التي تعمر الدنيا و تصلح بال أهلها، و ترفع درجات الآخرة.

فهذه هي الكرامة الإلهية لا أن يحمل قوما على أكتاف عباده من صالح و طالح و يطلقهم و يخلي بينهم و بين ما يشاءون و ما يعملون فيقولوا يوما: ليس علينا في الأميين سبيل، و يوما نحن أولياء لله من دون الناس، و يوما: نحن أبناء الله و أحباؤه فيهديهم ذلك إلى إفساد الأرض، و إهلاك الحرث و النسل.

قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا تعليل للحكم المذكور في الآية السابقة، و المعنى أن الكرامة الإلهية خاصة بمن أوفى بعهده و اتقى لأن غيرهم - و هم الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا - لا كرامة لهم.

و لما كان نقض عهد الله و ترك التقوى إنما هو للتمتع بزخارف الدنيا و إيثار شهوات الأولى على الأخرى كان فيه وضع متاع الدنيا موضع إيفاء العهد و التقوى، و تبديل العهد به، و لذلك شبه عملهم ذلك بالمعاملة فجعل عهد الله مبيعا يشترى بالمتاع، و سمي متاع الدنيا و هو قليل بالثمن القليل و الاشتراء هو البيع فقيل: يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا، أي يبدلون العهد و الأيمان من متاع الدنيا.



قوله تعالى: أولئك لا خلاق لهم في الآخرة و لا يكلمهم الله إلى آخر الآية، الخلاق النصيب، و التزكية هي الإنماء نموا صالحا، و لما كان الوصف المأخوذ في بيان هذه الطائفة من الناس مقابلا للوصف المأخوذ في الطائفة الأخرى المذكورة في قوله: من أوفى بعهده و اتقى، ثم كانت التبعات المذكورة لوصفهم أمورا سلبية أفاد ذلك:.

أولا: أن الإتيان في الإشارة بلفظ أولئك الدال على البعد لإفادة بعد هؤلاء من ساحة القرب كما أن الموفون بعهدهم المتقون مقربون لمكان حب الله تعالى لهم.

و ثانيا: أن آثار محبة الله سبحانه هي الخلاق في الآخرة، و التكليم و النظر يوم القيامة، و التزكية و المغفرة، و هي رفع أليم العذاب.

و الخصال التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء الناقضين لعهد الله و أيمانهم أمور ثلاثة: أحدها: أنهم لا نصيب لهم في الآخرة، و المراد بالآخرة هي الدار الآخرة من قيام الوصف مقام الموصوف و يعني بها الحياة التي بعد الموت كما أن المراد بالدنيا هي الدار الدنيا و هي الحياة الدنيا قبل الموت.

و نفي النصيب عنهم في الآخرة لاختيارهم نصيب الدنيا عليه، و من هنا يظهر أن المراد بالثمن القليل هو الدنيا، و إنما فسرناه فيما تقدم بمتاع الدنيا لمكان توصيفه تعالى إياه بالقليل، و قد وصف به متاع الدنيا في قوله - عز من قائل -: "قل متاع الدنيا قليل": النساء - 77، على أن متاع الدنيا هو الدنيا.

و ثانيها: أن الله لا يكلمهم و لا ينظر إليهم يوم القيامة، و قد حوذي به المحبة - الإلهية للمتقين من حيث إن الحب يوجب تزود المحب من المحبوب بالاسترسال بالنظر و التكليم عند الحضور و الوصال، و إذ لا يحبهم الله فلا يكلمهم و لا ينظر إليهم يوم القيامة و هو يوم الإحضار و الحضور، و التدرج من التكليم إلى النظر لوجود القوة و الضعف بينهما فإن الاسترسال في التكليم أكثر منه في النظر فكأنه قيل: لا نشرفهم لا كثيرا و لا قليلا.

و ثالثها: أن الله لا يزكيهم و لهم عذاب أليم، و إطلاق الكلام يفيد أن المراد بهما ما يعم التزكية و العذاب في الدنيا و الآخرة.شروع في المرحلة الثانية من البيان المتعرض لحال أهل الكتاب عامة و النصارى خاصة و ما يلحق بذلك.

فقد كانت الآيات فيما مر تعرضت لحال أهل الكتاب عامة بقوله: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19، و بقوله أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب": آل عمران - 23، ثم انعطف البيان إلى شأن النصارى خاصة بقوله: "إن الله اصطفى آدم و نوحا الخ: آل عمران - 33، و تعرضت في أثنائها لولاية المؤمنين للكافرين بقوله: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء": آل عمران - 28، فهذا في المرحلة البادئة.

ثم عادت إلى بيان ما ذكرته ثانيا بلسان آخر و نظم دون النظم السابق فتعرضت لحال أهل الكتاب عامة في هذه الآيات المنقولة آنفا، و ما سيلحق بذلك من متفرقات بحسب مساس خصوصيات البيانات بذلك كقوله: "قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله الخ: آل عمران - 98، و قوله: "قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله الخ: آل عمران - 99، و تعرضت لحال النصارى و ما تدعيه في أمر عيسى (عليه السلام) بقوله: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب الخ": آل عمران - 79، و تعرضت لأمور ترجع إلى المؤمنين من دعوتهم إلى الإسلام و الاتحاد و الاتقاء من ولاية الكفار و اتخاذ البطانة من دون المؤمنين في آيات كثيرة متفرقة.

قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم، الخطاب لعامة أهل الكتاب، و الدعوة في قوله: تعالوا إلى كلمة "الخ" بالحقيقة إنما هي إلى الاجتماع على معنى الكلمة بالعمل به، و إنما تنسب إلى الكلمة لتدل على كونها دائرة بألسنتهم كقولنا اتفقت كلمة القوم على كذا فيفيد معنى الإذعان و الاعتراف و النشر و الإشاعة.

فالمعنى: تعالوا نأخذ بهذه الكلمة متعاونين متعاضدين في نشرها و العمل بما توجبه.

و السواء في الأصل مصدر، و يستعمل وصفا بمعنى مساوي الطرفين، و سواء بيننا و بينكم أي مساو من حيث الأخذ و العمل بما توجبه، و على هذا فتوصيف الكلمة بالسواء توصيف بحال المتعلق و هو الأخذ و العمل، و قد عرفت أن العمل إنما يتعلق بمعنى الكلمة لا نفسها كما أن تعليق الاجتماع أيضا على المعنى لا يخلو من عناية مجازية ففي الكلام وجوه من لطائف العنايات: نسبة الاجتماع إلى المعنى ثم وضع الكلمة مكان المعنى ثم توصيف الكلمة بالسواء!.



و ربما قيل: إن معنى كون الكلمة سواء أن القرآن و التوراة و الإنجيل متفقة في الدعوة إليها، و هي كلمة التوحيد، و لو كان المراد به ذلك كان قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله "الخ" من قبيل وضع التفسير الحق موضع الكلمة المتفق عليها، و الإعراض عما لعبت به أيديهم من تفسيره غير المرضي الذي تنطبق الكلمة بذلك على أهوائهم من الحلول و اتخاذ الابن و التثليث و عبادة الأحبار و القسيسين و الأساقفة و يكون محصل المعنى: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم و هي التوحيد، و لازم التوحيد رفض الشركاء و عدم اتخاذ الأرباب من دون الله سبحانه.

و الذي تختتم به الآية من قوله: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون يؤيد المعنى الأول فإن محصل المعنى بالنظر إليه أنه يدعو إلى هذه الكلمة و هي أن لا نعبد إلا الله "الخ" لأنها مقتضى الإسلام لله الذي هو الدين عند الله، و إن كان الإسلام أيضا لازما من لوازم التوحيد لكن الدعوة في الآية إنما هي إلى التوحيد العملي و هو ترك عبادة غير الله سبحانه دون اعتقاد الوحدة، فافهم ذلك.

قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، تفسير للكلمة السواء، و هي التي يوجبها الإسلام لله.

و المراد بقوله: ألا نعبد إلا الله، نفي عبادة غير الله لا إثبات عبادة الله تعالى على ما مرت الإشارة إليه في معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله: أن لازم كون إلا الله، بدلا لا استثناء كون الكلام مسوقا لبيان نفي الشريك دون إثبات الإله، فإن القرآن يأخذ إثبات وجود الإله و حقيته مفروغا عنه.

و لما كان الكلام مسوقا لنفي الشريك في العبادة و لا ينحسم به مادة الشرك اللازم من اعتقاد البنوة و التثليث و نحو ذلك أردفه بقوله: و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ "الخ" فإن تسمية العبادة بعبادة الله لا تصير العبادة عبادة لله سبحانه ما لم يخلص الاعتقاد و لم يتجرد الضمير من الاعتقادات و الآراء المولودة من أصل الشرك لأن العبادة حينئذ إنما تكون عبادة إله له شريك و العبادة التي يعبد بها أحد الشريكين و إن خص باسمه و وجه نحوه ليست إلا نابتة منبت التشريك لأنها لا تعدو أن تكون سهما يسهم له و حظا يقسم له من بين الشريكين أو الشركاء ففيها بعينها نحو عبادة للغير.

و هذا الذي يدعو إليه النبي بأمر الله سبحانه، و هو الذي يدل عليه قوله: ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، هو الذي يجمع غرض النبوة في السيرة التي كانت الأنبياء تدعو إليها و تبسطها على المجتمع الإنساني.

فقد تقدم عند الكلام على قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة": البقرة - 213 أن النبوة انبعاث إلهي و نهضة حقيقية يراد بها بسط كلمة الدين و أن حقيقة الدين تعديل المجتمع الإنساني في سيره الحيوي، و يتبعه تعديل حيوة الإنسان الفرد فينزل بذلك الكل منزلته التي نزله عليها الفطرة و الخلقة فيعطي به المجتمع موهبة الحرية و سعادة التكامل الفطري على وجه العدل و القسط، و كذلك الفرد فهو فيه حر مطلق في الانتفاع من جهات الحيوة فيما يهديه إليه فكره و إرادته إلا ما يضر بحيوة المجتمع و قد قيد جميع ذلك بالعبودية و الإسلام لله سبحانه، و الخضوع لسيطرة الغيب و سلطنته.

و خلاصة ذلك أن الذي كانت تندب إليه جماعة الأنبياء (عليهم السلام) أن يسير النوع الإنساني فرادى و مجتمعين على ما تنطق به فطرتهم من كلمة التوحيد التي تقضي بوجوب تطبيق الأعمال الفردية و الاجتماعية على الإسلام لله، و بسط القسط و العدل، أعني بسط التساوي في حقوق الحيوة، و الحرية في الإرادة الصالحة و العمل الصالح.

و لا يتأتى ذلك إلا بقطع منابت الاختلاف و البغي بغير الحق و استخدام القوي و استعباده للضعيف و تحكمه عليه، و تعبد الضعيف للقوي فلا إله إلا الله، و لا رب إلا الله، و لا حكم إلا لله سبحانه.



و هذا هو الذي تدل عليه الآية: "ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" الآية، و قال تعالى فيما يحكيه عن يوسف (عليه السلام): "يا صاحبي السجن أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف - 40، و قال تعالى: "اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله و المسيح بن مريم و ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو": التوبة - 31، إلى غير ذلك من الآيات.

و فيما حكاه القرآن عن الأنبياء السالفين كنوح و هود و صالح و إبراهيم و شعيب و موسى و عيسى (عليهما السلام) مما كلموا به أممهم شيء كثير من هذا القبيل كقول نوح: "رب إنهم عصوني و اتبعوا من لم يزده ماله و ولده إلا خسارا": نوح - 21، و قول هود لقومه: "أ تبنون بكل ريع آية تعبثون و تتخذون مصانع لعلكم تخلدون و إذا بطشتم بطشتم جبارين": الشعراء - 130، و قول صالح لقومه: "و لا تطيعوا أمر المسرفين": الشعراء - 151، و قول إبراهيم لأبيه و قومه: "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم و آباؤكم في ضلال مبين": الأنبياء - 54، و قوله تعالى لموسى و أخيه: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى - إلى أن قال -: فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل و لا تعذبهم": طه - 47، و قول عيسى لقومه: "و لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله و أطيعون": الزخرف - 63، فالدين الفطري هو الذي ينفي البغي و الفساد، و هذه المظالم و السلطات بغير الحق الهادمة لأساس السعادة و المخربة لبنيان الحق و الحقيقة، و إلى ذلك يشير قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع: و قد ذكره المسعودي في حوادث سنة عشر من الهجرة في مروج الذهب، "ألا و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض" و كأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد به رجوع الناس إلى حكم الفطرة باستقرار سيرة الإسلام بينهم.

و الكلام أعني قوله تعالى: ألا نعبد إلا الله "الخ"، على كونه آخذا بمجامع غرض النبوة مفصح عن سبب الحكم و ملاكه.

أما قوله: ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا، فلأن الألوهية هي التي يأله إليه و يتوله فيه كل شيء من كل وجه، و هو أن يكون منشأ لكل كمال في الأشياء على كثرتها و ارتباطها و اتحادها في الحاجة، و فيه كل كمال يفتاق إليه الأشياء، و هذا المعنى لا يستقيم إلا إذا كان واحدا غير كثير، و مالكا إليه تدبير كل شيء، فمن الواجب أن يعبد الله لأنه إله واحد لا شريك له، و من الواجب أن لا يتخذ له شريك في عبادته، و بعبارة أخرى، هذا العالم و جميع ما يحتوي عليه لا يصح و لا يجوز أن يخضع و يتصغر إلا لمقام واحد إذ هؤلاء المربوبون لوحدة نظامهم و ارتباط وجودهم لا رب لهم إلا واحد إذ لا خالق لهم إلا واحد.

و أما قوله تعالى: و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فمن حيث أفاد أن المجتمع الإنساني على كثرة أفراده و تفرق أشخاصه أبعاض من حقيقة واحدة هي حقيقة الإنسان و نوعه فما أودعته فيه يد الصنع و الإيجاد من الاستحقاق و الاستعداد الموزع بينهم على حد سواء يقضي بتساويهم في حقوق الحياة و استوائهم على مستوى واحد، و ما تفاوت فيه أحوال الأفراد و استعدادهم في اقتناء مزايا الحياة من مواهب الإنسانية العامة التي ظهرت في مظاهر خاصة من هاهنا و هناك و هنالك يجب أن تعطاه الإنسانية لكن من حيث تسأله، كما أن الازدواج و الولادة و المعالجة مثلا من مسائل الإنسانية العامة لكن الذي يعطى الازدواج هو الإنسان البالغ الذكر أو الأنثى، و الولادة يعطاها الإنسان الأنثى و العلاج يعطاه الإنسان المريض.

و بالجملة أفراد الإنسان المجتمع أبعاض متشابهة من حقيقة واحدة متشابهة فلا ينبغي أن يحمل البعض إرادته و هواه على البعض إلا أن يتحمل ما يعادله، و هو التعاون على اقتناء مزايا الحياة، و أما خضوع المجتمع أو الفرد لفرد أعني الكل أو البعض لبعض بما يخرجه عن البعضية، و يرفعه عن التساوي بالاستعلاء و التسيطر و التحكم بأن يؤخذ ربا متبع المشية، يحكم مطلق العنان، و يطاع فيما يأمر و ينهى ففيه إبطال الفطرة و هدم بنيان الإنسانية.

و أيضا من حيث إن الربوبية مما يختص بالله لا رب سواه فتمكين الإنسان مثله من نفسه يتصرف فيه بما يريد من غير انعكاس، اتخاذ رب من دون الله لا يقدم عليه من يسلم لله الأمر.

فقد تبين أن قوله: و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله يفصح عن حجتين فيما يفيده من المعنى: إحداهما كون الأفراد أبعاضا، و الآخر كون الربوبية من خصائص الألوهية.

قوله تعالى: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون استشهاد، بأنهم و هم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من اتبعه على الدين المرضي عند الله تعالى و هو الإسلام، قال: "إن الدين عند الله الإسلام": آل عمران - 19، فينقطع بذلك خصامهم و حجاجهم إذ لا حجة على الحق و أهله.

و فيه إشارة إلى أن التوحيد في العبادة من لوازم الإسلام.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم إلى آخر الآية، الظاهر أنه مقول القول الواقع في الآية السابقة، و كذا ما يأتي بعد أربع آيات فيكون مقولا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن كان ظاهر سياق قوله: بعد آيتين: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا الآية، أن يكون الخطاب من الله لا من رسوله بإذنه.

و محاجتهم في إبراهيم (عليه السلام) بضم كل طائفة إياه إلى نفسها يشبه أن تكون أولا بالمحاجة لإظهار المحقية كأن تقول اليهود: إن إبراهيم (عليه السلام) الذي أثنى الله عليه في كتابه منا فتقول النصارى: إن إبراهيم كان على الحق، و قد ظهر الحق بظهور عيسى معه، ثم تتبدل إلى اللجاج و العصبية فتدعي اليهود أنه كان يهوديا، و تدعي النصارى أنه كان نصرانيا، و من المعلوم أن اليهودية و النصرانية إنما نشأتا جميعا بعد نزول التوراة و الإنجيل و قد نزلا جميعا بعد إبراهيم (عليه السلام) فكيف يمكن أن يكون (عليه السلام) يهوديا بمعنى المنتحل بالدين الذي يختص بموسى (عليه السلام)، و لا نصرانيا بمعنى المتعبد بشريعة عيسى (عليه السلام)، فلو قيل في إبراهيم شيء لوجب أن يقال إنه كان على الحق حنيفا من الباطل إلى الحق مسلما لله سبحانه و هذه الآيات في مساق قوله تعالى: "أم تقولون إن إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أ أنتم أعلم أم الله و من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله": البقرة - 140.

قوله تعالى: ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم الآية، الآية تثبت لهم علما في المحاجة التي وقعت بينهم و تنفي علما و تثبته لله تعالى، و لذلك ذكر المفسرون: أن المعنى: أنكم حاججتم: في إبراهيم (عليه السلام) و لكم به علم ما، كالعلم بوجوده و نبوته، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و هو كونه يهوديا أو نصرانيا و الله يعلم و أنتم لا تعلمون، أو أن المراد بالعلم علم ما بعيسى و خبره، و المعنى أنكم تحاجون في عيسى و لكم بخبره علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و هو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا، هذا ما ذكروه.

و أنت تعلم أن شيئا من الوجهين لا ينطبق على ظاهر سياق الآية: أما الأول فلأنه لم تقع لهم محاجة في وجود إبراهيم و نبوته، و أما الثاني فلأن المحاجة التي وقعت منهم في عيسى لم يكونوا فيها على الصواب بل كانوا مخطئين في خبره كاذبين في دعواهم فيه فكيف يمكن أن يسمى محاجة فيما لهم به علم، و كلامه تعالى على أي حال يثبت منهم محاجة فيما لهم به علم كما يثبت لهم محاجة فيما ليس لهم به علم، فما هذه المحاجة التي هي فيما لهم به علم؟ على أن ظاهر الآية أن هاتين إنما جرتا جميعا فيما بين أهل الكتاب أنفسهم لا بينهم و بين المسلمين و إلا كان المسلمون على الباطل في الحجاج الذي أهل الكتاب فيه على علم، و هو ظاهر.

و الذي ينبغي أن يقال - و الله العالم - أن من المعلوم أن المحاجة كانت جارية بين اليهود و النصارى في جميع موارد الاختلاف التي كانت بينهم، و عمدة ذلك نبوة عيسى (عليه السلام) و ما كانت تقوله النصارى في حقه أنه الله، أو ابنه أو التثليث فكانت النصارى تحاج اليهود في بعثته و نبوته و هم على علم منه، و كانت اليهود تحاج النصارى، و تبطل ألوهيته و نبوته و التثليث و هم على علم منه فهذه محاجتهم فيما لهم به علم، و أما محاجتهم فيما ليس لهم به علم فمحاجتهم في أمر إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا.



و ليس المراد بجهلهم به جهلهم بنزول التوراة و الإنجيل بعده و هو ظاهر، و لا ذهولهم عن أن السابق لا يكون تابعا لللاحق فإنه خلاف ما يدل عليه قوله تعالى: أ فلا تعقلون" فإنه يدل على أن الأمر يكفي فيه أدنى تنبيه، فهم عالمون بأنه كان سابقا على التوراة و الإنجيل لكنهم ذاهلون على مقتضى علمهم و هو أنه لا يكون حينئذ يهوديا و لا نصرانيا بل على دين الله الذي هو الإسلام لله.

لكن اليهود مع ذلك قالوا: إن الدين الحق لا يكون إلا واحدا و هو اليهودية فلا محالة كان إبراهيم يهوديا، و قالت النصارى مثل ذلك فنصرت إبراهيم، و قد جهلوا في ذلك أمرا و ليس بذهول، و هو أن دين الله واحد، و هو الإسلام لله، و هو واحد مستكمل بحسب مرور الزمان و استعداد الناس من حيث تدرجهم بالكمال، و اليهودية و النصرانية شعبتان من شعب كمال الإسلام الذي هو أصل الدين، و الأنبياء (عليهم السلام) بمنزلة بناة هذا البنيان، لكل منهم موقعه فيما وضعه من الأساس و مما بنى عليه من هذا البنيان الرفيع.

و بالجملة فاليهود و النصارى جهلوا أنه لا يلزم من كون إبراهيم مؤسسا للإسلام و هو الدين الأصيل الحق ثم ظهور دين حق باسم اليهودية أو النصرانية، و هو اسم شعبة من شعب كماله و مراتب تمامه أن يكون إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا بل يكون مسلما حنيفا متلبسا باسم الإسلام الذي أسسه و هو أصل اليهودية و النصرانية دون نفسهما، و الأصل لا ينسب إلى فرعه بل ينبغي أن يعطف الفرع عليه.

و تسمية إبراهيم مسلما لا يهوديا و لا نصرانيا غير عده تابعا لدين النبي و شريعة القرآن ليرد الإشكال بأنه كما كان متقدما على نزول التوراة و الإنجيل فلا ينبغي أن يعد يهوديا أو نصرانيا كذلك كان متقدما على نزول القرآن و ظهور الإسلام فلا ينبغي أن يعد مسلما حذو النعل بالنعل.

و ذلك أن الإسلام بمعنى شريعة القرآن من الاصطلاحات الحادثة بعد نزول القرآن و انتشار صيت الدين المحمدي، و الإسلام الذي وصف به إبراهيم هو أصل التسليم لله سبحانه و الخضوع لمقام ربوبيته فالإشكال غير متوجه من أصله.

و لعل هذا الذي ذكرناه من وجه جهلهم بمعنى الدين الأصيل، و كونه حقيقة ذات مراتب مختلفة و متدرجة في الاستكمال هو المراد بقوله تعالى: و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا "الخ" و يؤيده قوله: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية، و قوله تعالى في ذيل الآيات: "قل آمنا بالله و ما أنزل علينا و ما أنزل على إبراهيم و إسمعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و ما أوتي موسى و عيسى و النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه" الآية: آل عمران - 85، على ما سيجيء من البيان.

قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا إلى آخر الآية، قد مر تفسيره فيما مر، و قد قيل: إن اليهود و النصارى كما كانوا يدعون أن إبراهيم (عليه السلام) منهم و على دينهم كذلك عرب الجاهلية من الوثنية كانت تدعي أنهم على الدين الحنيف دين إبراهيم (عليه السلام) حتى كان أهل الكتاب يسمونهم الحنفاء، و يدعون بالحنيفية الوثنية.

و لما وصف الله سبحانه إبراهيم (عليه السلام) بقوله: و لكن كان حنيفا، وجب بيانه حتى لا يتوهم منه الوثنية فلذلك أردفه بقوله: مسلما و ما كان من المشركين، أي كان على الدين المرضي عند الله تعالى و هو الإسلام و ما كان من المشركين كعرب الجاهلية.

قوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا الآية في موضع التعليل للكلام السابق و بيان للحق في المقام و المعنى - و الله العالم - أن هذا النبي المعظم إبراهيم لو أخذت النسبة بينه و بين من بعده من المنتحلين و غيرهم لكان الحق أن لا يعد تابعا لمن بعده بل يعتبر الأولوية به و الأقربية منه، و الأقرب من النبي الذي له شرع و كتاب هم الذين يشاركونه في اتباع الحق، و التلبس بالدين الذي جاء به، و الأولى بهذا المعنى بإبراهيم (عليه السلام) هذا النبي و الذين آمنوا لأنهم على الإسلام الذي اصطفى الله به إبراهيم و كذا كل من اتبعه دون من يكفر بآيات الله و يلبس الحق بالباطل.

و في قوله: للذين اتبعوه تعريض لأهل الكتاب من اليهود و النصارى بنحو الكناية أي لستم أولى بإبراهيم لعدم اتباعكم إياه في إسلامه لله.



و في قوله: و هذا النبي و الذين آمنوا إفراد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من اتبعه من المؤمنين من الذين اتبعوا إبراهيم إجلالا للنبي و صونا لمقامه أن يطلق عليه الاتباع كما يستشعر ذلك - مثل قوله تعالى: "أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده": الأنعام - 90 حيث لم يقل: فبهم اقتده.

و قد تمم التعليل و البيان بقوله: و الله ولي المؤمنين، فإن ولاية إبراهيم ولي الله من ولاية الله، و الله ولي المؤمنين دون غيرهم الكافرين بآياته اللابسين الحق بالباطل.

قوله تعالى: ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم و ما يضلون إلا أنفسهم و ما يشعرون، الطائفة الجماعة من الناس، و كان الأصل فيه أن الناس و خاصة العرب كانوا أولا يعيشون شعوبا و قبائل بدويين يطوفون صيفا و شتاء بماشيتهم في طلب الماء و الكلإ، و كانوا يطوفون و هم جماعة تحذرا من الغيلة و الغارة فكان يقال لهم جماعة طائفة، ثم اقتصر على ذكر الوصف الطائفة للدلالة على الجماعة.

و أما كون أهل الكتاب لا يضلون إلا أنفسهم فإن أول الفضائل الإنسانية الميل إلى الحق و اتباعه فحب صرف الناس عن الحق إلى الباطل من جهة أنه من أحوال النفس و أخلاقها رذيلة نفسانية - و بئست الرذيلة - و إثم من آثامها و معاصيها و بغيها بغير حق، و ما ذا بعد الحق إلا الضلال فحبهم لإضلال المؤمنين و هم على الحق إضلال بعينه لأنفسهم من حيث لا يشعرون.

و كذا لو تمكنوا من بعضهم بإلقاء الشبهات فأضلوه بذلك فإنما يضلون أولا أنفسهم لأن الإنسان لا يفعل شيئا من خير أو شر إلا لنفسه كما قال تعالى: "من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد": حم السجدة - 46، و أما ضلال من ضل بإضلالهم فليس بتأثير منهم بل هو بسوء فعال الضال الغاوي و شامة إرادته بإذن من الله، قال تعالى: "من كفر فعليه كفره و من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون": الروم - 44، و قال تعالى: "و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و يعفو عن كثير و ما أنتم بمعجزين في الأرض و ما لكم من دون الله من ولي و لا نصير": الشورى - 31، و قد مر شطر من الكلام في خواص الأعمال في الكلام على قوله تعالى: "حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة": البقرة - 217، في الجزء الثاني من الكتاب.

و هذا الذي ذكرناه من المعارف القرآنية التي يفيدها التوحيد الأفعالي الذي يتفرع على شمول حكم الربوبية و الملك، و به يوجه ما يفيده قوله تعالى: و ما يضلون إلا أنفسهم و ما يشعرون، من الحصر.

و أما ما ذكره المفسرون من التوجيه لمعنى الآية فلا يغني في الحصر المذكور طائلا و لذلك أغمضنا عن نقله.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله و أنتم تشهدون، قد مر أن الكفر بآيات الله غير الكفر بالله تعالى، و أن الكفر بالله هو الالتزام بنفي التوحيد صريحا كالوثنية و الدهرية، و الكفر بآيات الله إنكار شيء من المعارف الإلهية بعد ورود البيان و وضوح الحق، و أهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها واحدا، و إنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم و على غيرهم كنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كون عيسى عبدا لله و رسولا منه، و أن إبراهيم ليس بيهودي و لا نصراني، و أن يد الله مبسوطة، و أن الله غني، إلى غير ذلك، فأهل الكتاب في لسان القرآن كافرون بآيات الله غير كافرين بالله، و لا ينافيه قوله تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب": التوبة - 29، حيث نفى الإيمان عنهم صريحا، و ليس إلا الكفر و ذلك أن ذكر عدم تحريمهم للحرام و عدم تدينهم بدين الحق في الآية يشهد بأن المراد من توصيفهم بعدم الإيمان هو التوصيف بلازم الحال فلازم حالهم من الكفر بآيات الله عدم الإيمان بالله و اليوم الآخر و إن لم يشعروا به، و ليس بالكفر الصريح.

و في قوله تعالى: و أنتم تشهدون - و الشهادة هو الحضور و العلم عن حس - دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله إنكارهم كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة و الإنجيل مع مشاهدتهم انطباق الآيات و العلائم المذكورة فيهما عليه.

و من هنا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن لفظ الآيات عام شامل لجميع الآيات و لا وجه لتخصيصه بآيات النبوة بل المراد كفرهم بجميع الآيات الحقة و الوجه في فساده ظاهر.

قوله تعالى: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل إلى آخر الآية، اللبس بفتح اللام إلقاء الشبهة و التمويه أي تظهرون الحق في صورة الباطل.

و في قوله: و أنتم تعلمون دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس و الكتمان ما هو في المعارف الدينية غير ما يشاهد من الآيات كالآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.

و هاتان الآيتان أعني قوله يا أهل الكتاب لم تكفرون - إلى قوله: و أنتم تعلمون - تتمة لقوله تعالى: ودت طائفة الآية، و على هذا فعتاب الجميع بفعال البعض بنسبته إليهم من جهة اتحادهم في العنصر و النسل و الصفة، و رضاء البعض بفعال البعض و هو كثير الورود في القرآن.

قوله تعالى: و قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل إلى آخر الآية، المراد بوجه النهار بقرينة مقابلته بآخره هو أوله فإن وجه الشيء ما يبدو و يظهر به لغيره و هو في النهار أوله، و سياق قولهم يكشف عن نزول وحي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في وجه النهار يوافق ما عليه أهل الكتاب و آخر في آخره يخالف ما هم عليه فإنما هو الذي دعاهم إلى أن يقولوا هذا القول.

و على هذا فقوله: بالذي أنزل على الذين آمنوا أريد به شيء خاص من وحي القرآن يوافق ما عند أهل الكتاب، و قوله: وجه النهار منصوب على الظرفية و متعلق بقوله: أنزل، لا بقوله: آمنوا صيغة الأمر لأنه أقرب، و قوله: و اكفروا آخره في معنى و اكفروا بما أنزل في آخره فيكون من وضع الظرف موضع المظروف بالمجاز العقلي نظير قوله تعالى: "بل مكر الليل و النهار": سبأ - 33.

و بذلك يتأيد ما ورد في سبب النزول عن أئمة أهل البيت: أن هذه كلمة قالتها اليهود حين تغيير القبلة حيث صلى رسول الله صلاة الصبح إلى بيت المقدس و هو قبلة اليهود، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر نحو الكعبة فقالت طائفة من اليهود: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا وجه النهار يريدون استقبال بيت المقدس، و اكفروا آخره يريدون استقبال الكعبة.

و يؤيده قولهم بعده على ما حكاه الله: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، أي لا تثقوا بمن لا يتبع دينكم بالإيمان به فتفشوا عنده شيئا من أسراركم و البشارات التي عندكم و كان من علائم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يحول القبلة إلى الكعبة.

و ذكر بعضهم أن قوله: وجه النهار متعلق بقوله: آمنوا بصيغة الأمر و المراد به أول النهار، و قوله: آخره ظرف بتقدير في، و متعلق بقوله و اكفروا، و المراد بقولهم: آمنوا بالذي أنزل "الخ" أن يظهر عدة منهم الإيمان بالقرآن و يلحقوا بجماعة المؤمنين ثم يرتدوا في آخر النهار بإظهار أنهم إنما آمنوا أول النهار لما كاد يلوح لهم من أمارات الصدق و الحق من ظاهر الدعوة الإسلامية، و إنما ارتدوا آخر النهار لما تبين لهم من شواهد البطلان و عدم انطباق ما عندهم من بشارات النبوة و علائم الحقانية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون ذلك مكيدة تكاد بها المؤمنون فيرتابون في دينهم، و يهنون في عزيمتهم فينكسر بذلك سورتهم و تبطل أحدوثتهم.

و هذا المعنى في نفسه غير بعيد و خاصة من اليهود الذين لم يألوا جهدا في الكرة على الإسلام لإطفاء نوره من أي طريق ممكن غير أن لفظ الآية لا ينطبق عليه، و سيأتي للكلام تتمة نتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله العزيز.

و قال بعضهم: إن المراد آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار و اكفروا به آخره لعلهم يرجعون و قال آخرون: المعنى أظهروا الإيمان في صدر النهار بما أقررتم به من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و اكفروا آخره بإبداء أن ما وصف به النبي الموعود لا ينطبق عليه لعلهم يرتابون بذلك فيرجعوا عن دينهم، و هذان الوجهان لا شاهد عليهما.



و كيف كان المراد، لا إجمال في الآية.

قوله تعالى: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "الخ"، الذي يعطيه السياق هو أن تكون هذه الجملة من قول أهل الكتاب تتمة لقولهم: آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا، و كذا قوله تعالى: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، و يكون قوله: "قل إن الهدى هدى الله" جملة معترضة هو جواب الله سبحانه عن مجموع ما تقدم من كلامهم أعني قولهم: آمنوا بما أنزل إلى قوله دينكم، على ما يفيده تغيير السياق، و كذا قوله تعالى قل إن الفضل بيد الله جوابه تعالى عن قولهم: أن يؤتى أحد إلى آخره، هذا هو الذي يقتضيه ارتباط أجزاء الكلام و اتساق المعاني في الآيتين أولا، و ما تناظر الآيتين من الآيات الحاكية لأقوال اليهود في الجدال و الكيد ثانيا.

و المعنى - و الله أعلم - أن طائفة من أهل الكتاب - و هم اليهود - قالت أي قال بعضهم لبعض: صدقوا النبي و المؤمنين في صلاتهم وجه النهار إلى بيت المقدس و لا تصدقوهم في صلاتهم إلى الكعبة آخر النهار، و لا تثقوا في الحديث بغيركم فيخبروا المؤمنين أن من شواهد نبوة النبي الموعود تحويل القبلة إلى الكعبة فإن في تصديقكم أمر الكعبة و إفشائكم ما تعلمونه من كونها من أمارات صدق الدعوة محذور أن يؤتى المؤمنون مثل ما أوتيتم من القبلة فيذهب به سوددكم و يبطل تقدمكم في أمر القبلة، و محذور أن يقيموا عليكم الحجة عند ربكم أنكم كنتم عالمين بأمر القلبة الجديدة شاهدين على حقيته ثم لم تؤمنوا.

فأجاب الله تعالى عن قولهم في الإيمان بما في وجه النهار و الكفر في آخره و أمرهم بكتمان أمر القبلة لئلا يهتدي المؤمنون إلى الحق بأن الهدى الذي يحتاج إليه المؤمنون الذي هو حق الهدى إنما هو هدى الله دون هداكم، فالمؤمنون في غنى عن ذلك فإن شئتم فاتبعوا و إن شئتم فاكفروا و إن شئتم فأفشوا و إن شئتم فاكتموا.

و أجاب تعالى عما ذكروه من مخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا أو يحاجوهم عند ربهم بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا بيدكم حتى تحبسوه لأنفسكم و تمنعوا منه غيركم، و أما حديث الكتمان مخافة المحاجة فقد أعرض عن جوابه لظهور بطلانه كما فعل كذلك في قوله تعالى في هذا المعنى بعينه: "و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أ فلا تعقلون أ و لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون و ما يعلنون": البقرة - 77، فقوله: أ و لا يعلمون، إيذان بأن هذا القول بعد ما علموا أن الله لا يتفاوت فيه السر و العلانية كلام منهم لا يستوي على تعقل صحيح، و ليس جوابا لمكان الواو في قوله: أ و لا يعلمون.

و على ما مر من المعنى فقوله تعالى: و لا تؤمنوا معناه، لا تثقوا و لا تصدقوا لهم الوثاقة و حفظ السر على حد قوله تعالى: "و يؤمن للمؤمنين": البراءة - 61، و المراد بقوله لمن تبع، اليهود.

و المراد بالجملة النهي عن إفشاء ما كان عندهم من حقية تحويل القبلة إلى الكعبة كما مر في قوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام - إلى أن قال: و إن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم - إلى أن قال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم و إن فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون": البقرة - 146.

و في معنى الآية أقوال شتى دائرة بين المفسرين كقول بعضهم: إن قوله تعالى: و لا تؤمنوا إلى آخر الآية كلام لله تعالى لا لليهود، و خطاب الجمع في قوله: و لا تؤمنوا و قوله: ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم جميعا للمؤمنين، و خطاب الإفراد في قوله: قل، في الموضعين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قول آخرين بمثله إلا أن خطاب الجمع في قوله: أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، لليهود في الكلام عتاب و تقريع.



و قول آخرين إن قوله: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم من كلام اليهود، و قوله: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد "الخ" كلام لله تعالى جوابا عما قالته اليهود، و كذا الخلاف في معنى الفضل أن المراد به الدين أو النعمة الدنيوية أو الغلبة أو غير ذلك.

و هذه الأقوال على كثرتها بعيدة عما يعطيه السياق كما قدمنا الإشارة إليه و لذا لم نشتغل بها فضل اشتغال.

قوله تعالى: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم، الفضل هو الزائد عن الاقتصاد، و يستعمل في المحمود كما أن الفضول يستعمل في المذموم، قال الراغب: و كل عطية لا تلزم من يعطي يقال لها فضل نحو قوله: و اسألوا الله من فضله - ذلك فضل الله - ذو الفضل العظيم، و على هذا قوله: قل بفضل الله - و لو لا فضل الله انتهى.

و على هذا فقوله: إن الفضل بيد الله، من قبيل الإيجاز بالقناعة بكبرى البيان القياسي، و التقدير: قل إن هذا الإنزال و الإيتاء الإلهي الذي تحتالون في تخصيصه بأنفسكم بالتظاهر على الإيمان و الكفر، و الإيصاء بالكتمان أمر لا نستوجبه معاشر الناس على الله تعالى بل هو من الفضل، و الفضل بيد الله الذي له الملك و له الحكم فله أن يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم.

ففي الكلام نفي ما يدل عليه قولهم و فعلهم من تخصيص النعمة الإلهية بأنفسهم بجميع جهاته المحتملة فإن تنعم بعض الناس بفضل الله تعالى دون البعض كتنعم اليهود بنعمة الدين و القبلة، و حرمان غيرهم إما أن يكون لأن الفضل منه تعالى يمكن أن يقع تحت تأثير الغير فيزاحم المشية الإلهية، و يحبس فضله عن جانب، و يصرفه إلى آخر، و ليس كذلك فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

و إما أن يكون لأن الفضل قليل غير واف و المفضل عليهم كثيرون فيكون إيتاؤه على البعض دون البعض يحتاج إلى انضمام مرجح فيحتال إلى إقامة مرجح لتخصيص البعض الذي ينعم عليه، و ليس كذلك فإن الله سبحانه واسع الفضل و المقدرة.

و إما أن يكون لأن الفضل و إن كان واسعا و بيد الله لكن يمكن أن يحتجب المفضل عليه عنه تعالى بجهل منه فلا ينال الفضل فيحتال في حجبه و ستر حاله عنه تعالى حتى يحرم من فضله، و ليس كذلك فإن الله سبحانه عليم لا يطرأ عليه جهل.

قوله تعالى: يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم، فلما كان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و كان واسعا عليما أمكن أن يختص بعض عباده ببعض نعمه فإن له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، و ليس إذا لم يكن ممنوع التصرف في فضله و إيتائه عباده أن يجب عليه أن يؤتي كل فضله كل أحد فإن هذا أيضا نوع ممنوعية في التصرف بل له أن يختص بفضله من يشاء.

و قد ختم الكلام بقوله: و الله ذو الفضل العظيم و هو بمنزلة التعليل لجميع المعاني السابقة فإن لازم عظمة الفضل على الإطلاق أن يكون بيده يؤتيه من يشاء، و أن يكون واسعا في فضله، و أن يكون عليما بحال عباده و ما هو اللائق بحالهم من الفضل، و أن يكون له أن يختص بفضله من يشاء.

و في تبديل الفضل بالرحمة في قوله: يختص برحمته من يشاء، دلالة على أن الفضل و هو العطية غير الواجبة من شعب الرحمة، قال تعالى: "و رحمتي وسعت كل شيء": الأعراف - 156، و قال: "و لو لا فضل الله عليكم و رحمته ما زكى منكم من أحد أبدا": النور - 21، و قال تعالى: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق": إسراء - 100.

قوله تعالى: و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك - إلى قوله: سبيل - إشارة إلى اختلافهم في حفظ الأمانات و العهود اختلافا فاحشا آخذا بطرفي التضاد و أن هذا و إن كان في نفسه رذيلة قومية ضارة إلا أنه ناش بينهم فاش في جماعتهم من رذيلة أخرى اعتقادية و هي ما يشتمل عليه قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم كانوا يسمون أنفسهم بأهل الكتاب، و غيرهم بالأميين فقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل معناه نفي أن يكون لغير إسرائيلي على إسرائيلي سبيل، و قد أسندوا الكلمة إلى الدين، و الدليل عليه قوله تعالى: و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون بلى "الخ".



فقد كانوا يزعمون - كما أنهم اليوم على زعمهم - أنهم هم المخصوصون بالكرامة الإلهية لا تعدوهم إلى غيرهم بما أن الله سبحانه جعل فيهم نبوة و كتابا و ملكا فلهم السيادة و التقدم على غيرهم، و استنتجوا من ذلك أن الحقوق المشرعة عندهم اللازمة المراعاة عليهم كحرمة أخذ الربا و أكل مال الغير: و هضم حقوق الناس إنما هي بينهم معاشر أهل الكتاب فالمحرم هو أكل مال الإسرائيلي على مثله، و المحظور هضم حقوق يهودي على أهل ملته، و بالجملة إنما السبيل على أهل الكتاب لأهل الكتاب، و أما غير أهل الكتاب فلا سبيل له على أهل الكتاب فلهم أن يحكموا في غيرهم ما شاءوا و يفعلوا في من دونهم ما أرادوا، و هذا يؤدي إلى معاملتهم مع غيرهم معاملة الحيوان العجم كائنا من كان.

و هذا و إن لم يوجد فيما عندهم من الكتب المنسوبة إلى الوحي كالتوراة و غيرها لكنه أمر أخذوه من أفواه أحبارهم فقلدوهم فيه ثم لما كان الدين الموسوي لا يعدو بني إسرائيل إلى غيرهم جعلوه جنسية بينهم، و تولد من ذلك أن هذه الكرامة و السؤدد أمر جنسي خص بذلك بنو إسرائيل خاصة فالانتساب الإسرائيلي هو مادة الشرف و عنصر السؤدد و المنتسب إلى إسرائيل له التقدم المطلق على غيره، و هذه الروح الباغية إذا دبت في قالب قوم بعثتهم إلى إفساد الأرض و أماته روح الإنسانية و آثارها الحاكمة في الجامعة البشرية.

نعم أصل هذه الكلمة - و هو سلب الحقوق العامة عن بعض الأفراد و الجوامع - مما لا مناص عنه في الجامعة الإنسانية لكن الذي يعتبره المجتمع الإنساني الصالح هو سلب الحقوق عمن يريد إبطال الحقوق و هدم المجتمع، و الذي يعتبره الإسلام في ثبوت الحق هو دين التوحيد من الإسلام أو الذمة فمن لا إسلام له و لا ذمة، فلا حق له من الحيوة و هو الذي ينطبق على الناموس الفطري الذي سمعت أنه المعتبر إجمالا عند المجتمع الإنساني.

و لنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في الآية فقوله تعالى: و من أهل الكتاب، كان الظاهر أن يقال: و منهم، فهو من وضع الظاهر موضع الضمير و الوجه فيه دفع أن يتوهم أن هؤلاء بعض من الطائفة المذكورة في الآيتين السابقتين التي قالت: آمنوا بالذي أنزل "الخ" و لذلك لما اندفع التوهم المذكور قيل في الآية الآتية: و إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب الآية.

و هناك وجه آخر و هو أن ذكر الوصف - و هو كونهم من أهل الكتاب مشعر بنوع من التعليل، و ذلك أن صدور هذا القول و الفعل منهم - أعني قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، و أكلهم مال الناس بذلك لم يكن بذاك البعيد المستغرب لو كانوا أميين لأخبر عندهم من النبوة و الوحي لكنهم أهل الكتاب و عندهم الكتاب فيه حكم الله، و هم يعلمون أن الكتاب لا يحكم لهم بذلك، و لا يبيح لهم مال غيرهم لأنه غيرهم فهذا الذي قالوه ثم فعلوه.

و هم أهل الكتاب منهم أغرب و أبعد، و التوبيخ و التقبيح عليهم أوجه و ألزم.

و القنطار و الدينار معروفان و المقابلة بينهما - على ما فيها من المحسنات البديعية - و المقام مقام يذكر فيه الأمانة تفيد أنه كنى بهما عن الكثير و القليل، و المراد أن منهم من لا يخون الأمانة و إن كثرت و ثقلت قيمتها، و منهم من يخونها و إن قلت و خفت.

و كذا الخطاب الموضوع في الكلام بقوله: إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، غير متوجه إلى مخاطب معين بل هو للتكنية عن أي مخاطب يمكن أن يخاطب بهذا الكلام للإشعار بأن الحكم عام غير مقصور على واحد دون واحد، و الكلام في معنى قولنا: إن يأمنه مؤتمن أي مؤتمن كان بقنطار يؤده إليه.

و ما في قوله: إلا ما دمت عليه قائما، مصدرية على ما قيل، و التقدير إلا أن تدوم قائما عليه، و ذكر القيام عليه للدلالة على الإلحاح و الاستعجال فإن قيام المطالب على ساقه عند المطالبة من غير قعود دليل على ذلك و ربما قيل: إن ما ظرفية، و ليس بشيء.



و قوله: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل، ظاهر السياق أن ذلك إشارة إلى مجموع المضمون المأخوذ من سابق القول أي كون بعضهم يؤدي الأمانة و إن كانت خطيرة مهمة، و بعضهم لا يؤديها و إن كانت حقيرة لا يعبأ بها إنما هو لقولهم، ليس علينا في الأميين سبيل فأوجب ذلك اختلافا بينهم في الصفات الروحية كحفظ الأمانات و الاتقاء عن تضييع حقوق الناس، و الاغترار بالكرامة مع أنهم يعلمون أن الله لم يسن لهم ذلك في الكتاب و لا رضي بمثل هذه الأفعال منهم.

و يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى حال الطائفة الثانية المذكورة بقوله: و منهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك، و يكون ذكر الطائفة الأولى الأمينة لاستيفاء تمام الأقسام، و التحفظ على النصفة، و يجوز حينئذ أن تكون ضمائر الجمع في قوله: و يقولون و في قوله: و هم يعلمون راجعة إلى أهل الكتاب أو راجعة إلى قوله: من إن تأمنه بدينار، بحسب المعنى و كذا يجوز على التقدير الثاني أن يكون المراد بضمير التكلم في قوله: علينا، جميع أهل الكتاب أو خصوص البعض، و يختلف المعنى باختلاف المحتملات إلا أن الجميع صحيحة مستقيمة، و عليك بالتدبر فيها.

قوله تعالى: و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون إبطال لدعواهم أنه ليس علينا في الأميين سبيل، و دليل على أنهم كانوا ينسبون ذلك إلى الوحي السماوي و التشريع الديني كما مر.

قوله تعالى: بلى من أوفى بعهده و اتقى فإن الله يحب المتقين، رد لكلامهم و إثبات لما نفوه بقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، و إيفاء العهد تتميمه بالتحفظ من العذر و النقص، و التوفية البذل و الإعطاء وافيا، و الاستيفاء الأخذ و التناول وافيا.

و المراد بالعهد ما أخذ الله الميثاق عليه من عباده أن يؤمنوا به و يعبدوه على ما يشعر به قوله في الآية التالية: إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا، أو مطلق العهد الذي منه عهد الله تعالى.

و قوله: فإن الله يحب المتقين من قبيل وضع الكبرى موضع الصغرى إيثارا للإيجاز، و التقدير فإن الله يحبه لأنه متق و الله يحب المتقين، و المراد أن كرامة الله لعباده المتقين حبه لهم لا ما زعمتموه من نفي السبيل.

فمفاد الكلام أن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ينالها كل من انتسب إليه انتسابا أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله و ميثاقه و التقوى في الدين فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة و هي المحبة و الولاية الإلهية التي لا تعدو عبادة المتقين، و أثرها النصرة الإلهية، و الحيوة السعيدة التي تعمر الدنيا و تصلح بال أهلها، و ترفع درجات الآخرة.

فهذه هي الكرامة الإلهية لا أن يحمل قوما على أكتاف عباده من صالح و طالح و يطلقهم و يخلي بينهم و بين ما يشاءون و ما يعملون فيقولوا يوما: ليس علينا في الأميين سبيل، و يوما نحن أولياء لله من دون الناس، و يوما: نحن أبناء الله و أحباؤه فيهديهم ذلك إلى إفساد الأرض، و إهلاك الحرث و النسل.

قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا تعليل للحكم المذكور في الآية السابقة، و المعنى أن الكرامة الإلهية خاصة بمن أوفى بعهده و اتقى لأن غيرهم - و هم الذين يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا - لا كرامة لهم.

و لما كان نقض عهد الله و ترك التقوى إنما هو للتمتع بزخارف الدنيا و إيثار شهوات الأولى على الأخرى كان فيه وضع متاع الدنيا موضع إيفاء العهد و التقوى، و تبديل العهد به، و لذلك شبه عملهم ذلك بالمعاملة فجعل عهد الله مبيعا يشترى بالمتاع، و سمي متاع الدنيا و هو قليل بالثمن القليل و الاشتراء هو البيع فقيل: يشترون بعهد الله و أيمانهم ثمنا قليلا، أي يبدلون العهد و الأيمان من متاع الدنيا.



قوله تعالى: أولئك لا خلاق لهم في الآخرة و لا يكلمهم الله إلى آخر الآية، الخلاق النصيب، و التزكية هي الإنماء نموا صالحا، و لما كان الوصف المأخوذ في بيان هذه الطائفة من الناس مقابلا للوصف المأخوذ في الطائفة الأخرى المذكورة في قوله: من أوفى بعهده و اتقى، ثم كانت التبعات المذكورة لوصفهم أمورا سلبية أفاد ذلك:.

أولا: أن الإتيان في الإشارة بلفظ أولئك الدال على البعد لإفادة بعد هؤلاء من ساحة القرب كما أن الموفون بعهدهم المتقون مقربون لمكان حب الله تعالى لهم.

و ثانيا: أن آثار محبة الله سبحانه هي الخلاق في الآخرة، و التكليم و النظر يوم القيامة، و التزكية و المغفرة، و هي رفع أليم العذاب.

و الخصال التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء الناقضين لعهد الله و أيمانهم أمور ثلاثة: أحدها: أنهم لا نصيب لهم في الآخرة، و المراد بالآخرة هي الدار الآخرة من قيام الوصف مقام الموصوف و يعني بها الحياة التي بعد الموت كما أن المراد بالدنيا هي الدار الدنيا و هي الحياة الدنيا قبل الموت.

و نفي النصيب عنهم في الآخرة لاختيارهم نصيب الدنيا عليه، و من هنا يظهر أن المراد بالثمن القليل هو الدنيا، و إنما فسرناه فيما تقدم بمتاع الدنيا لمكان توصيفه تعالى إياه بالقليل، و قد وصف به متاع الدنيا في قوله - عز من قائل -: "قل متاع الدنيا قليل": النساء - 77، على أن متاع الدنيا هو الدنيا.

و ثانيها: أن الله لا يكلمهم و لا ينظر إليهم يوم القيامة، و قد حوذي به المحبة - الإلهية للمتقين من حيث إن الحب يوجب تزود المحب من المحبوب بالاسترسال بالنظر و التكليم عند الحضور و الوصال، و إذ لا يحبهم الله فلا يكلمهم و لا ينظر إليهم يوم القيامة و هو يوم الإحضار و الحضور، و التدرج من التكليم إلى النظر لوجود القوة و الضعف بينهما فإن الاسترسال في التكليم أكثر منه في النظر فكأنه قيل: لا نشرفهم لا كثيرا و لا قليلا.

و ثالثها: أن الله لا يزكيهم و لهم عذاب أليم، و إطلاق الكلام يفيد أن المراد بهما ما يعم التزكية و العذاب في الدنيا و الآخرة.

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .