مقدمةٌ استنتاجيةٌ في نشأةِ اللغةِ العربيةِ ونحوِِها:
أ.د. علي عبدالفتاح الحاج فرهود
مرَّتِ اللغةُ العربيةُ بعامةٍ ، ونحوُها بخاصةٍ بنشأتَين رئيستَين هما: النشأةُ الأولى/ التطبيقُ الحواريُّ: وهو الحديثُ اليوميُّ الذي جُبِل عليه أولُ من نطقَ اللغةَ العربيةَ يُحاورُ أحدَ أقرانِه من أفرادِ عائلتِه ، أو أبناءِ بيئتِه بتوفيقٍ إلهيٍّ مكَّنَ اللهُ به أنبياءَه (عليهمُ السلامُ) ؛ فعلَّموه أقوامَهم ، ثم بممارسةٍ لفظيةٍ يوميةٍ لازمةٍ تمكَّنت منها تلك الأقوامُ بالتطويرِ ، والإبداعِ ، والاكتسابِ ، والمحاكاةِ ، والتلاقحِ مع أقوامِ البيئاتِ العربيةِ الأُخرى ، حتى وصل مستوى الحوارِ اللغويِّ إلى أبلغِ أساليبِه ، وتراكيبِه ، وجُملِه ، وعباراتِه ، وألفاظِه ؛ فصار العربُ أهلَ لغةٍ ذاتِ انتشارٍ وبيانٍ راقٍ صقلها القرآنُ الكريمُ ؛ فأضحت بأمرِ اللهِ تعالى لغتَه التي لا تجوزُ الصلاةُ للهِ تعالى من أيِّ مسلمٍ على وجهِ الأرضِ إلا بها ، ولا يُقرأُ القرآنُ كما هو إلا بها. وتعارف العربُ على هذه اللغةِ بالتطبيقِ الحِواريِّ تدريجًا تاركين - بتعاقبِ الدهورِ والحِقبِ - وسيلةَ الحِوارِ البدائيةِ القائمةِ على التعبيرِ والفَهمِ الإشاريِّ الإيمائيِّ ، أو الرمزيِّ الصُوْرِيِّ الفنيِّ ، ووسيلتِه المتطورةِ الأُولى التي قامت على الحوارِ اللفظيِّ الذي تعارف عليه العربُ ثم تراجعت لغتُه ، واضمحلَّت شيئًا فشيئًا ، حتى ماتت ؛ فتجلَّت لغةُ العربِ البيانيةِ التي رفع اللهُ شأنَها بالقرآنِ الكريم وهو القائلُ:چگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?چ[الشعراء] ، وشرفها النبيُّ محمدٌ (صلى اللهُ عليه وآلِه) بحديثِه وروعةِ بيانِه وهو القائلُ: ((أنا أفصحُ العربِ - أو أفصحُ مَنْ نطقَ بالضَّادِ - بَيْدَ أَني من قريشٍ)) ، وأتحفها الإمامُ عليٌّ (عليه السلامُ) بالأفصحِ الأعذبِ من بلاغتِه وهو القائلُ: ((وإِنَّـا لَأُمراءُ الكلامِ ، وفينا تنشَّبت عروقُه ، وعلينا تهدَّلت غصونُه)). ولا نغفلُ هنا أنَّ ملكةَ الشعرِ قد بلغت ذروتَها ؛ فجاد الشعراءُ بالمطولاتِ التي سُبِقت بأبياتٍ ومقطوعاتٍ ولوحاتٍ شعريةٍ يسيرةٍ أُحاديةِ الموضوعِ ، ثم بمرحلةِ تقصيدِ القصيدِ على يدِ (المُهَلهَل) ، فأضحت تلك المطوَّلاتُ شاغلةً عربَ الجاهليةِ ، والإسلامِ يتداولونها في مجالسِهم ، وأسواقِهِمُ الأدبيةِ ، ومنتدياتِهم ، ومطارحاتِهِمُ الشعريةِ ، حتى أنَّ الإمامَ عليًّا (عليه السلامُ) لمَّا أُلِحَّ بالسؤالِ عن أشعرِ العربِ قال: ((فإنْ كانَ ولابُدَّ فالمَلِكُ الضِّلِّيلُ)). يعني امرَأَ القَيس ، كان يلقّب به. ومن مصاديقِ العنايةِ بالشعرِ العربيِّ السامي - بعد أن بلغ العربُ الذروةَ في نظمِه ، والقمةَ في عرضِ موضوعاتِه بأساليبِ البيانِ الرائعِ ، وبلاغةِ القولِ اللامعِ - أَنَّ النبيَّ محمدًا (صلى اللهُ عليه وآلِه) قال: ((أشعَرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العربُ - أو أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ - كلمةُ لَبيد)): ألَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللهَ باطِلٌ وكُــــــلُّ نَعـــــــيمٍ لَا مَــــحالةَ زائِــــــــــلُ وهنا يأتي سطوعُ نورِ النشأةِ الأُخرى بأولِ مراحلِه بالاختبارِ الإلهيِّ بعد التمكنِ اللغويِّ الأعلى لدى العربِ من فنونِ القولِ إذ لا حجةَ عليهم بالقرآنِ الكريمِ وهم جهلةٌ بمستوى الحديثِ التطبيقيِّ الحواريِّ اليوميِّ. إِنما الحُجةُ كلُّ الحُجةِ على العربِ تحققت بعد أن استوثقوا من ملكةِ القولِ البليغِ ، واللسانِ الفصيح. وقد تجلَّى هذا المبلغُ اللغويُّ في تحشيدِهِمُ القُوى لمعارضةِ القرآنِ الكريم.
النشأةُ الأُخرى/ التوثيقُ التقعيديِّ: وهو مجموعةُ الجهودِ النظريةِ التي مرت بمراحلَ خمسةٍ يقومُ تاليها على مُعطياتِ سابقِها أراها على التعاقبِ الآتي: أ- مرحلةُ التنزيلِ القرآنيِّ/ وهي مختصةٌ بالنبيُّ محمدٍ (صلى اللهُ عليه وآلِه) الذي أمره اللهُ تعالى بجمعِ القرآنِ وتوثيقِ حفظِه ؛ فكان هو يأمرُ كاتبَ الوحيِ الأولِ أميرِ المؤمنين عليٍّ (عليه السلامُ) بهذا الحفظِ التوثيقيِّ بكتابةِ القرآنِ. ولاشكَّ في أَنَّه (صلى اللهُ عليه وآلِه) كان يوجِّهُ الإمامَ عليًّا (عليه السلامُ) وأصحابَه (رضي اللهُ عنهم) المؤمنين المؤتمَنين على القرآنِ معرفيًّا بالأصولِ اللغويةِ والنحويةِ وما يتصلُ بها ؛ ليكونَ نظمُ القرآنِ معروفًا عندهم يؤدي إلى باطنِه ودلالاتِه ، فكانوا هم يُبصِّرون غيرَهم به. ومصداقُ رأيِنا هذا أَنَّ القرآنَ الكريمَ إنما نُزِّلَ باللغةِ العربيةِ وما انتظمته لغتُه من أساليبَ وتراكيبَ مُعجِزةٍ تستدعي السؤالَ ، والنقاش ، والحِوارَ ، بعد الانبهار وتفاوتِ الجرأةِ بالتحدي والفشل. وهذا السؤالُ لا يخلو من بحثٍ في لغةِ القرآنِ ومستوياتِها ، وفي نحوِه وأسرارِ تراكيبِه. وقطعًا فإِنَّ المسؤولَ الأولَ هو النبيُّ محمدٌ (صلى اللهُ عليه وآلِه). وهذه المرحلةُ لم أجد لها دليلًا نقليًّا. إنما هي استنتاجٌ عقليٌّ لا شكَّ فيه ؛ فكيف يتقبلُ المسلمون القرآنَ باللغةِ العربيةِ ولا يسألون عن لغتِه ، ونحوِه ، وأساليبِه ، وتراكيبِه ، ونظمِه ؟! وهل يكونُ تفسيرٌ للقرآنِ بلا معرفةٍ بلغتِه ، ونحوِه ؟! أولُ مفسِرٍّ هو النبيُّ (صلى اللهُ عليه وآلِه) ؛ إذًا ، أولُ لغويٍّ ونحويٍّ هو أيضًا ، يقولُ عارفًا فيُفهِمُ ، وهم يحفظون ، أو يكتبون. وقِوامُ هذه المرحلةُ (المنهجُ الوصفيُّ الدلاليُّ). ومن البدهيِّ اللازمِ أن نوثِّقَ رأينا هذا بالمساندِ الآتية:
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|