انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

شرح بن جني لديوان المتنبي

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة محمد عبد الحسن حسين أل صالح       5/3/2011 7:44:56 AM

شرح بن جني لديوان المتنبي:

 

 

لم يكن هناك قاعدة قوية لأنصار المتنبي في الدفاع عنه وعن شعره فقد كانت أصوات هؤلاء الأنصار خافتة قياسا بأصوات الخصوم الين كانوا يحاولون دائما تسويغ مواقفهم بما يجدونه لدى أنصاره من مغالاة في التعصب له ،فلا نجد لهؤلاء الأنصار اثأر مكتوبة في الدفاع عن المتنبي إثناء القرن الرابع،في حيث نجد المؤلفات تتناثر في العراق وفارس ومصر للرد على أولئك الأنصار الذين اكتفوا بالموقف الشفوي،وليس في الحالين تكافؤ ،فأنصار المتنبي يضيعون جهودهم في أحاديث المجالس والحلقات، بينما يخلد خصومه مذمته في الكتب والرسائل.

 

 

وحديثنا عن الأنصار يعني أولئك الذين كانوا -كما زعم الخصوم- يرون المتنبي شاعر فاق من فبله من الشعراء، وانه لم يأخذ شيئا من معاني غيره، وإنما كان مبتكرا مبتدعا فيما قال، فإذا سلموا ببعض الأخذ قالوا: له صوتا ولم نجد له مؤلفا، فإما الأنصار المعتدلون الذين يضعون الحسنة إلى جانب السيئة، ويتوسلون بأسباب الموضوعية في النقد، فان موقفهم واضح بعض الوضوح من خلال ما وصلنا من اثأر وما ذكر منها دون أن يصلنا.

 

 

وأول هذه الجهود التي يمكن أن نعدها ايجابية إذا ماقورنت بالجهود السلبية التي واجهت شعر المتنبي، جهد أبو الفتح عثمان بن جني، فقد كان إن كثير من الذين يحملون على المتنبي  إنما يفعلون ذلك لأنه يدق عليهم إدراك معانيه ومراميه، لذلك اضطلح على شرح ديوانه في ما ينيف على ألف ورقة، ثم استخرج أبيات المعاني منها وافردها في كتاب (ليقرب تناولها) وكتب كتابا ثالثا في النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته.

 

 

ونجد إن سبب تأليف ابن جني شرحا لديوان المتنبي لأنه كان معجبا بشعره أو كان معجبا بسماته الشعرية لأنه أجاد في معانيه، يلزم طريق أهل العلم فيما يقوله ويحكيه، ويحمله إعجابه على تجاوز الاعتدال في الإنحاء على الخصوم حتى نسمعه يقول:(وما لهذا الرجل الفاضل من عيب عند هؤلاء السقطة الجهال وذوي النذالة والسفال إلا انه متأخر محدث، وهل هذا لو عقلوا فضيلة له ومنبهة عليه، لأنه جاء في زمان يفهم الخواطر ويصدئ الأذهان، فلم يزل فيه وحده بلا مضاه يساميه ولا نظير يعاليه، فكان كالقارح الجواد يتمطر في ألمهامه الشداد، لا يواضح إلا نفسه ولا يتوجس إلا جرسه).

 

 

وقد كان ابن جني على الرغم من انه تصدى للخصوم وألف ديوان المتنبي كان يجد في شعر المتنبي صعوبتين، إحداهما: تعسف في بعض ألفاظه خرج بها عن القصد في صناعة الإعراب، إذ جاء بالشاذ وحمل على النادر، والثانية:عمق في معانيه يتطلب إعمال الفكر وطول البحث وتكرار التأمل لأنه شاعر يخترع المعاني ويتغلغل فيها ويستوفيها. وأدرك ابن جني أن تذليل هاتين الصعوبتين لأتدلل ألا بشرح الديوان، لان المتنبي لم يتورط فيهما عن جهالة أو غفلة، بل كان عالما عارفا بما يصنع، وابن جني نفسه خير من يفي بمتطلبات هذا العمل لا لأنه، وحسب، دقيق المعرفة بالنحو واللغة، بل لان ملازمته لأبي الطيب وقراءته لشعره وسؤاله له عن بعض الدقائق فيه والمحاورة الطويلة بينهما حول كل ما يعرض من شؤون في ذلك الشعر، كل ذلك جعله مهيأ لانجاز تلك المهمة على نحو لم يتح لسواه، يقول ابن جني في توضيح هذا الموقف: (لأننا لم نكن نتجاوز شيئا من شعره وفيه نظر إلا ويطول القول فيه جدا حتى ينقطع فيه الريب، ولقد كان يستدعي تنكيتي عليه ويبعثني على البحث لما كان ينتج بيننا ولما كنت أورده غليه مما لم يكن عنده أن مثله يسال عنه لينظر فيه ويتأمله قبل أن يضطر إلى الجواب عنه في وقت ضيق أو محفل كبير فلا يكون قدم الرؤية والنظر فيه فيلحقه خجل وانقطاع لكثرة خصومه وتوفر حساده).

 

 

ويلاحظ أن ابن جني في شرحه لديوان المتنبي انه حقق كثيرا مما رسمه لنفسه فجلا غوامض المعاني، ووجه النواحي اللغوية والنحوية التي أخذت على المتنبي، وزود شرحه بشواهد كثيرة ليدل على الشبه بين طريقة المتنبي وطريقة الأقدمين في التعبير، واستجاز الاستشهاد بشعر المحدثين لأنه يستشهد به في المعاني مثلما يستشهد به في الألفاظ ، وكانت جوانب من شرحه وثيقة هامة لأنه اثبت فيه ما دار بينه وبين الشاعر من اخذ ورد حول بعض الأمور، من ذلك مثلا: رسالته يوما عن قوله:

 

 

 

وقد عادت الأجفان قرحا من ألبكا                    وعاد بهارا في الخدود الشقائق

 

 

(فقلت له: أقرحا منون جمع قرحة أم قرحى-محال- فقال: قرحا منون، ثم قال: ألا ترى بعده -وعاد بهارا في الخدود الشقائق- يقول: فكما إن بهارا جمع بهارة، وإنما بينهما الهاء، فكذلك قرحا جمع قرحة). ثم يعلق ابن جني على ذلك قائلا: (فليت شعري هل يصدر هذا عن فكر مدخول أو رؤية مشتركة).

 

 

ويذهب الخصوم في بعض الأحيان إلى الطعن على المتنبي في انه لم يكن في موقف القوي فيما يخص اللغة إلا إن ابن جني في بعض الأحيان كان يعتذر للمتنبي ويتشبث بهذا الاعتذار وهو اضعف الموقفين من ذلك مثلا، وقفته عند قول المتنبي : (وصبوحة لبن الشائل) فقد قال: (سالت أبا الطيب وقت القراءة عليه فقلت له أن الشائل لا لبن لها، وإنما التي لها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة، فقال: أردت الهاء وحذفتها).

 

 

ويعتذر عنه ابن جني بان مثل هذا لايجوز للشاعر فقد قال كثير عزة: (وأخلت بخيمات العذيب ظلالها)، أراد (العذيبة) فحذف الهاء ومن ذلك أيضا: (وكلمته في (يتزيا)  فقلت :هل تعرفه في شعر قديم أو كتاب من كتب اللغة؟ فقال: لا، فقلت له: أترضى بشئ نورده في استعمال العامة ومن الحجة في قوله؟ فقال فما عندك فيه؟ فقلت: قياسه يتزوى، فقال: من أين لك؟ فقلت: لأنه من الزي، والزي ينبغي أن يكون عينه واوا واصله زوى.... ثم قال: لم يرد الاستعمال إلا يتزيا، فقلت له: أن العامة ليست ألفاظها حججا....). ومع ان ابن جني تسرب الاعتراض صلب الموقف  إلا انه في نهاية هذا الحوار لجا إلى الاعتذار فقال: (على انه قد ذكر هذا الحرف صاحب العين فقال: تزيا فلا بزي حسن) وكان ابن حني يقول في هذا الموقف إن (تزيا) خطا وهي لفظة عامية. ولكن أن شاء الخصوم أن يلجؤا في النقد والهجوم  فما عليك إلا أن تستشهد بما ورد في (العين).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .