إنّ تعريف العلم، وبيانَ موضوعه، ووجهَ الحاجة إليه ممّا يفيد زيادة البصيرة للشارع؛ فلذلك بادر المصنّف إلى تعريف هذا العلم على وجه يشعر بموضوعه، وجهة الاحتياج إليه، وتَبِعَ الاستعمال الوارد في تعليق العلم بالكليّ، والمعرفةِ بالجزئيّ، وقال: (التصريف علمٌ) أي: تصديق (بأصول), أو ملكة متعلّقة بأصول موصوفة بأنّها (يُعرف( ) بها) الأحكام الجزئيّة, التي هي (أحوالُ أبنية الكلم) لا مطلقًا، بل أحوالها (التي ليست بإعراب) أي: ليست من أحوالها المتعلّقة بعلم الإعراب, إعرابًا كانت أو بناءً. والمرادُ ببناء الكلمة: هو اللفظ باعتبار ما فيه من الحروف الأصليّة, والزائدة، والحركات, والسكنات الوضعيّة من حيث كونُها مادّة لما يعرضه من الأحوال العارضة له في نفسه . وإضافتُها إلى الكلم إمّا: بيانية أي: الكلم التي هي الأبنية, كالمصدر، والمفرد، والمكبّر من حيث كونها موادّ لما يعرضها من الأحوال . وإمّا: بمعنى اللام أي: الأبنية التي للكلم والأصولِ التي ترجع هي إليها، فالكلمُ على هذا هي الألفاظ المخصوصة الحاصلة بطريان الأحوال على الأبنية, بحسب الدواعي السانحة( ) المختلفة، كألفاظ المشتقّات من المصدر، والجمع، والمصغّر . وأحوال الأبنية هي: العوارض التي اعتبر الواضع بالوضع النوعي طريانها عليها؛ لحصول ألفاظ مخصوصة]2[ أُخر بحسب الدواعي والأغراض، كالإبدال، والإعلال، وما يتعلّق بتحصيل صيغ الماضي، والمضارع، [والمصغّر]( )، والجمع، وغيرها من الحركات، والسكنات، والزيادات( )، وغيرها ممّا يطرأ على الأبنية طريانًا جاريًا على قانون الوضع، فيحصل الماضي، والمضارع، وغيرهما، وهو المراد من عدّ نحو ذلك من الأحوال فيما يأتي( ) إن شاء الله [تعالى]( ). ثمّ إنّه لا يجب كون البناء لفظًا مستعملًا جاريًا على القياس، بل قد يكون على خلافه، كصَوَنَ، فإنّه بناء لما يحصل بالتصرّف الإعلالي( ) الواجب فيه كصَانَ. ولا يقدح في كون تلك الأحوال مبحوثًا عنها زوالُ صور الأبنية وتغيّرها عند طريانها، فإنّ الأحوال المبحوثَ عنها في العلوم تشمل نحو ذلك . إذا تمهّد هذا فنقول: العلمُ في التعريف كالجنس، وخرج بالتقييد (بالأصول) ما ليس متعلّقًا بها، كالعلم بالجزئيّات . والمرادُ (بأحوال الأبنية) أحوالُها العارضة لها من حيث إنّها أبنية، كما تشعر به إضافتها إليها، مع شيوع اعتبار الحيثيّة في التعريفات، فحيث قُيّدت (الأصول) بكونها يُعرف( ) بها تلك الأحوال, خرج ما لا دَخْلَ له في معرفة حال البناء أصلا، كالأصول المتعلّقة بمعرفة أحوال الأجسام والأعراض، وما يُعرف به أحواله من غير تلك الحيثيّة، كالعارضة( ) له من حيث كونه( ) لفظًا وصوتًا . والأحوالُ الإعرابيّة الطارئة في أواخرها( ) باعتبار التركيب مع الغير، فإنّها خارجة عن الحالات( ) الوضعيّة المعتبرة في كون اللفظ بناء، فتلك الحيثيّة مُغنية عن التقييد بكونها (ليست بإعراب)، كما ذكره بعض المحقّقين( ). ولعلّه صرّح بنفي الإعراب من جملة ما نفي بتلك الحيثية؛ لزيادة الاهتمام بالتنصيص على الاحتراز عن علم الإعراب؛ لأنّه أنسب من غيره بالمُعرّف، واحتمال الالتباس فيه أظهرُ فتأمّل . بقي ههنا كلامٌ وهو: أنّه( ) عَدَّ المصدر فيما بعد من الأحوال, مع ظهور أنّ صيغ مثل: النَّصْرِ، والضَّرْبِ ليست أحوالا طارئة على بناء آخر، ولعلّه عدّه منها, باعتبار ما يشتمل من جنسه على التغيير عمّا يفرض أصلًا له، كالانْتِصَارِ، فإنّه ما له مدخل في حصول صيغته من الأحوال الطارئة على المصدر [المجرّد]( ) الذي هو أصله وبناؤه، وإن جُعل لفظه من حيث كونه مادّة لما يعرضه من ماضيه، ومضارعه، وغيرهما بناء لها، ولا منافاة بين كون لفظ بناءً لشيء، وكون صيغته حالًا لبناء آخر ]كما لا يخفى[( )، ويكفي للحكم بكونه من الأحوال كونُه منها في الجملة . وكأنّه إنّما تعرّض للمجرد عن التغيير من المصدر فيما بعد, حيث انتهى الكلام إليه استتمامًا للبحث فيه استطرادًا، كما استطرد بيان الإدغام والتحريك بالكسر العارضين بمدخليّة كلمة أخرى، نحو: اضْرِبْ بَّعْدَهُ، واضْرِبِ الرَّجُلَ في بابي الإدغام والتقاء الساكنين، فإنّ التحقيق أنّ مثل ذلك ليس من أحوال الأبنية المقصودة ههنا كالإعراب . ثمّ المقصود من أحوال الأبنية في التعريف جميعُها كما هو المتبادر، ومن معرفتها التمكّن منها بحيث يقتدر على معرفة أيّة حالٍ أريدت من تلك الأحوال فتأمّل. ويكفي في معرفة حال ]3] البناء من أَصْلٍ, أن يرجع حكم ذلك الأصل إلى حاله بالآخرة، وإن لم يكن ذلك البناء موضوعًا بالفعل في القضيّة التي هي ذلك
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|