بديع الزمان الهمذاني هو أحمد بن الحسين ولد سنة 358 هـ بهمذان ،ولذلك يقال له الهمذاني ، ولقّبه معاصروه باسم بديع الزمان إعجابا بأدبه ، وهو من أسرة عربية ، نزلت بهمذان ،وهي أسرة تغلبية مضرية ، فهو ليس فارسي الأصل ، بل هو عربي ، وعني به أبوه ، فأخذه بالعلم والتعلم منذ صغره ، وألحقه بحلقات العلماء ،ولا سيما حلقة أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي المشهور صاحب كتاب ( الجمل ). وكان محبّا للرحلة ، فلم يكد يبلغ الثانية والعشرين من عمره ، حتى فارق موطنه الى الصاحب بن عبّاد سنة (380 هـ) ،ومدحه ببعض أشعاره ،وأعجب به الصاحب لبراعته الأدبية ، وأحضره مجالسه. ويرحل عن الصاحب الى جرجان ، وينزل بأسرة معروفة بالثراء ، وتشجيع العلماء والأدباء ، ولايمكث في جرجان طويلا ، بل يتركها الى نيسابور عام ( 382 هـ ) ، وهناك يصطدم بأبي بكر الخوارزمي ، فانتهز الأدباء فيها فرصة نزول بديع الزمان ببلدتهم ، وعقدوا مناظرة بينه وبين الخوارزمي انتصروا فيها للبديع ، فَعَلَا صيته ، وتألّق نجمه ، إذكان الخوارزمي يعدّ في الذروة من الكتّاب والشعراء لعصره ،وتصادف أن توفّي سريعا ، فَخَلَا الجوّ للبديع ، وطارت شهرته ، وسرعان ما فارق نيسابور سنة (383 هـ) ، راحلا من بلد الى بلد في خراسان بينما الجوائز تغدق عليه ، فينزل سجستان ومنها الى (هراة) بأفغانستان ، ويتزّوج ابنة ثري من سراة ( هراة) يسمّى ( الخشنامي) ، ويرزق بأولاد ، ويقتني داراً وضياعاً، ويكتب الى أبيه رسالة يستدعيه فيها هو وأخوته وعمّه ممّا يدلّ على ما صار اليه من ثراء ، وأصبحت له مكانة كبيرة ، فكان الكبراء يقصدونه لطلب شفاعة عند أولي الأمر. وللبديع رسائل كثيرة . وهي رسائل اخوانية تتناول المديح والاستعطاف والشكر والاعتذار والعزاء والاستمناح وطلب الشراب والهجاء ،ومنها ما هو موجّه الى الأمراء أو الوزراء أوكبار الموظفين . وأهمّ ميزة في رسائله هي السجع ، وهو يعنى فيه بتقصير العبارات ،وله في ذلك قدرة عالية ، فلا يكاد يمسك بالقلم ويكتب ، حتّى تنثال عليه العبارات ، وهذا السجع أيضا موشّى بالجناس ، وبالذات الجناس الناقص ، وهو يشفعه بكثير من التشبيهات والاستعارات ، ومن خصائص رسائله أيضا أنّه يجنح كثيرا الى سرد بعض القصص والحكايات القصيرة ضربا للأمثال . ورسائل البديع خفيفة ورشيقة ،وجعلته موهبته القصصية في رسائله يبتدع فنّا جديدا ،هو فن (المقامة)، وهي حكاية قصيرة تقوم على الحوار بين بطل مقاماته : أبي الفتح الاسكندري ،وراوية حكاياته وأقاصيصه : عيسى بن هشام ، والمعروف أنه أملى أربعين مقامة في أثناء مقامه بنيسابور ، وأضاف إليها خمسا عند نزوله بسجستان ، ثمّ أضاف إليها ستّا أخرى . ولم يجعل الهمذاني مقاماته حكايات متنوعة الموضوعات ، بل جعلها تدور على موضوع واحد ،هو الكدية أو الشحاذة الأدبيّة ، وكأنّه استلهم فيها حديث الجاحظ عن المكدين في أوائل كتابه ( البخلاء ) وكذلك حديث البيهقي عنهم في كتابه ( المحاسن والمساوئ ) ،ويعرض الجاحظ والبيهقي لأساليبهم وحيلهم في استخلاص الطعام والأموال من الناس . ويسمّي الهمذاني احد مقاماته ( المقامة الساسانية) نسبة الى هذه الطائفة من المكدين أو الأدباء الشحّاذين ، إذ كانوا يسمون بالساسانيين نسبة الى ساسان، وهو أمير فارسي هجر إمارته وهام على وجهه محترفا للكدية. وتنقّل بديع الزمان بأبي الفتح الاسكندري بطل مقاماته في بلدان مختلفة ممّا دفعه الى أن يسمّي أكثر المقامات بأسماء البلدان التي ألمّ بها وأكثرها بلدان فارسية ، وفي أحيان قليلة تسمى بأسماء الحيوان مثل المقامة الأسدية نسبة الى الأسد، أوباسم الأكلة مثل المقامة المضيرية نسبة الى طعام المضيرة ،وهي لحم يطبخ باللبن المضير أي الحامض ، وهناك خمس مقامات خاصة بـ ( خلف بن أحمد) تخلو من الكدية ، فهي مديح خالص له ، أمّا بقيّة المقامات فهي تدور على الكدية أو الشحاذة الأدبية عن طريق ما ينصبه أبو الفتح من حيل وشباك لسلب أموال الناس ، وفي تضاعيف ذلك يعرض الهمذاني مجتمعه بكل ما فيه من مساجد وحمّامات ومطاعم وموائد وما يتّصل بها من الأواني في بيوت الأغنياء والفقراء . وكانت للبديع موهبة قصصية رائعة ، غير أنّه لم يستغلّها في مقاماته بالمقدار الذي كان يظنّ ، إذ لم يضع في ذهنه صنع قصص وحكايات ، إنّما الذي وضعه وجعله نصب عينيه أن يتخذ من حوار المقامة القصير بين عيسى بن هشام وأبي الفتح وسيلة لحشد عبارات مسجوعة طريفة تتحفظها الناشئة ، وجاراه الحريري وغيره في صنع هذه الأقاصيص القصيرة البلاغية ،وعدّوها أروع صور النثر وأبلغه . وتتمّيز المقامات للهمذاني بالسجع مثل الرسائل ، فضلاً عن ألوان البديع كالأخيلة والتصاوير والجناس،وكان سجعه رشيقا، لما يمتاز به من قصر ومن حسن انتخاب لألفاظه ،وقد يتخلّل بعض مقاماته الشعر ، كما قد يحشد فيها بعض الألفاظ الغريبة ، وهناك أيضا ميزات أخرى مثل الخفّة والعذوبة وروح الفكاهة المرحة المحببة لكل انسان . وتوفي الهمذاني عام ( 398 هـ).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|