عد أبو حيان التوحيدي في طليعة المؤلفين والكتَّاب الذين عرفوا بغزارة النتاج، حتى لقد روى بعضهم أن وزن المداد الذي صرفه في تصانيفه بلغ أربعمئة رطلوهذا متوقع من رجل دؤوب آثر ملازمة القلم والدواة والقرطاس طوال حياته، وعاش عمراً مديداً بلغ قرناً من الزمان. وفي معجم ياقوت وسائر مصنفات التراجم مسارد لكتب أبي حيان ورسائله بعضها متداول بين أيدينا وبعضها الآخر لا ندري من أمره شيئاً.
وبوسعنا أن نتبين في نتاج أبي حيان زمرتين متمايزتين، تدور أولاهما في فلك الأدب وتجنح الثانية إلى الفلسفة. وهذا التمايز ليس مع ذلك قاطعاً. فهو جليّ في بعض كتبه، على حين تتداخل الملامح وتختلط المعالم في بعضها الآخر.
فمن الآثار الأدبية.. كتاب الإمتاع والمؤانسة، وكتاب الصداقة والصديق وكتاب الهوامل والشوامل، وكتاب البصائر والذخائر.. ومثالب الوزيرين، وتقريظ الجاحظ، والنوادر، والرد على ابن جني في رسالة المتنبي، ورسالة الحنين إلى الأوطان، ورسالة في علم الكتابة..
ومن الآثار الفلسفية والفكرية ونحوها: كتاب المقابسات، وكتاب المحاضرات والمناظرات، وكتاب الإقناع، وكتاب الإشارات الإلاهية، وكتاب الحج العقلي إذا ضاق الفضاء عن الحج الشرعي، وكتاب الزلفى، وكتاب رياض العارفين، ورسالة في أخبار الصوفية، ورسالة في ضلالات الفقهاء في المناظرة، والتذكرة التوحيدية، ورسالة الحياة، ورسالة في بيان ثمرات العلوم، ورسالة الإمامة أو رواية السقيفة..
-1-
تنم قراءة كتب أبي حيان وسائر رسائله على تمكن من فن القول، وبراعة في صوغ الأفكار، واقتدار على الإعراب عن المشاعر. وكان يسعفه في ذلك كله امتلاك لناصية اللغة وتضلع في مسائل النحو.
"وقلّ أن نجد بين أدباء العربية من كان يعرف حدود طريقته الفنية كأبي حيان، لأنه كان فناناً ناقداً عارفاً بالأصول التي تقوم عليها طريقته، مؤمناً بفنه، واعياً بمقدار الجهد الذي يبذله المرء حتى يصبح كاتباً متميز الأسلوب. لقد غدا الأدب لديه فناً يحتاج إلى جهد ودأب، وصناعة تتطلب دربة وممارسة، فالكلمة وعاء الفكر، والعبارة ترجمان العقل. وليست الكتابة هذراً وحشود ألفاظ، أو فيضاً ووصف جمل. وفي هذا يقول التوحيدي بفهم وإدراك لطبيعة هذا الفن النثري: "إن الكلام صلف تياه، لا يستجيب لكل إنسان، ولا يصحب كل لسان، وخطره كثير، ومتعاطيه مغرور، وله أرن كأرن المهر، وإباء كإباء الحرون، وزهو كزهو الملك، وخفق كخفق البرق، وهو يتسهل مرة ويتوعر مراراً، ويذل طوراً ويعزّ أطواراً".
*المبنى والمعنى:
وإذا كان قوام الأدب هو اللفظ والمعنى، فإن عماد النثر الفني لدى أبي حيان هو الحرص على التناسب بين هذين العنصرين في سبيكة معجبة. ففي اعتقاده أن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي وهو يتوخى التوازن بينهما ويحذر من طغيان أحدهما على الآخر. فيقول: "لا تعشق اللفظ دون المعنى، ولا تهو المعنى دون اللفظ"..
وبوسعنا –مع ذلك- أن نلمح في أسلوب أبي حيان إيثاراً لجانب المعنى برغم توخيه حسن الأداء، وذلك على الرغم مما آنسناه لديه من حرص على عدم الإخلال بتوازنهما.
ويبدو لنا ذلك في قوله: "إياك أن تقف مع اللفظ القصير فتسحر به عن المعنى العريض، فإن اللفظ للعامة والمعنى للخاصة ولعلّ مرد ذلك هو أن البيئة التي عاش أبو حيان في ربوعها بيئة عقلية تغلب عليها تيارات الفكر والعقيدة ويسودها طابع البحث والجدال. كما أن أبا حيان نفسه عزف – تبعاً لميوله العقلية – عن أوساط اللغويين والنحاة وآثر صحبة المناطقة والمتكلمين ورفقة الفلاسفة والمتصوفين.
كل هذا كان جديراً بأن يصبغ كتابة أبي حيان بصبغة عقلية واضحة، ويسمها بسمات ذهنية بارزة، وبأن يجعل من هذا الكاتب طرازاً خاصاً ومتميزاً بين معاصريه، حين اجتمع فيه الفكر والأداء وتعانق لديه الفلسفة والأدب. وقد كان ياقوت فطناً حين انتبه إلى هذه الظاهرة لدى أبي حيان، ونعته بأنه (فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة)
"والواقع إننا لو أمعنا النظر في أسلوب التوحيدي لوجدنا أنه يتسم بخاصية فريدة تكشف عن شخصية صاحبها" الأديب الفيلسوف. ونحن نعرف أن الفنان يعبِّر عن المعاني بالصور المحسوسة، في حين أن الفيلسوف يعبِّر عنها بالتصورات الذهنية. وهذا هو الفارق مثلاً بين أسلوب أديب كالجاحظ وأسلوب فيلسوف كالفارابي. وأما التوحيدي فهو أديب فيلسوف يعلم أن في كل محسوس ظلاً من العقول، وأن الحسيات معابر إلى العقليات. فليس بدعاً أن نراه يمزج الحسن بالعقل، والأدب بالفلسفة. وما من شك في أن أسلوب فلاسفة الإسلام – على نحو ما عرفه معاصرو أبي حيان – كان أسلوباً جافاً حافلاً بالمصطلحات والألفاظ المترجمة. ولذلك أخذ بعض المفكرين الذين جمعوا بين الثقافة العربية والفلسفة اليونانية، يحاولون تطويع المعاني – المستمدة من علوم الأوائل – للأسلوب العربي الجزل والعبارة العربية الرصينة.
-2-
ومما يرفد أسلوب أبي حيان بالمحاسن تسربله في بعض نماذجه بالنغمة الموسيقية متعانقة مع التلوين العقلي، كأن يسعى إلى التضاد ليزيد المعنى جلاء والفكرة مضاء، كقوله يناجي محبوبه على النهج الصوفي:
"يا حبيبي، أما ترى ضيعتي في تحفظي أما ترى رقدتي في تيقظي؟ أما ترى غصتي في إساغتي؟ أما ترى ضلالي في اهتدائي؟ أما ترى رشدي في غيي؟ أما ترى عيي في بلاغتي؟ أما ترى ضعفي في قوتي؟ أما ترى عجزي في قدرتي؟ أما ترى غيبتي في حضوري...
وعلى هذا الغرار من جنوحه إلى التضاد العقلي ما كتبه إلى مولاه ابن العميد: "لما رأيت شبابي هرماً بالفقر، وفقري غنياً بالقناعة، وقناعتي عجزاً عن التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه، وموضعي منه، فرأيت طرفه عني نابياً، وعناني عنه مثنياً..
وينبغي ألا يتبادر إلى الذهن أن أبا حيان إنما كان يسعى من وراء هذا التضاد إلى تصيد ألوان الزينة اللفظية والزخرفة البديعية بحشر عدد من الطباقات أو المقابلات في تضاعيف عباراته، فهذا أبعد ما يكون عن رجل فكر ورأى كأبي حيان، دونما قصد إلى البهلوانية اللفظية التي غدت في عصره، ثم من بعده، ديدن الكتاب ومهوى نفوسهم.
ولبعض النقاد رأي ينطوي على وجاهة حين يعتقد بأنه ليس من قبيل المصادفة "أن تتكرر في عبارات التوحيدي ألفاظ التناقض والتضاد وشتى أنواع التقابل، فقد عاش صاحبنا دائماً متأرجحاً بين النشاط والتكاسل، بين القوة والضعف، بين القدرة والعجز. وهو حين يكثر في أسلوبه من ألفاظ الازدواج والمقابلة إنما يكشف عن شخصية تحيا على التناقض والمفارقة، وتحاول دائماً أن تجمع بين الأقطاب المتعارضة".
ويغلب على تعبير أبي حيان الإطناب والتدفق، ومن مقتضيات هذه الخاصة غزارة اللفظ وكثرة الترادف، ولكن هذا الترادف لا يقصد إليه الكاتب طلباً للزينة ورغبة في الزخرفة، وإظهاراً لقوة الحافظة، شأن الكثيرين من كتَّاب عصره الذين استهواهم اللفظ فأمعنوا في طلبه. ولكن التوحيدي رجل عقل، واللفظ لديه وسيلة للإبانة، وطريق إلى الإعراب، وسبيل إلى الإفصاح. بل إن ما يبدو لنا مترادفاً من الألفاظ ليس في حقيقة الأمر من الترادف، ولكنه تتبع لدقائق المعنى، وتقص للفوارق بين حالاته. وفي هذا بطبيعة الحال اقتدار على اجتلاب الكلمات التي تخطر مدلولاتها في الذهن مهما دقت معانيها وشطت حروفها. ومن هذا القبيل قوله متحدثاً عن ارتباط كل إنسان بموضوع الصداقة والصديق في هذه الدنيا:
"وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة. لأنه لا يخلو أحد من جار، أو معامل، أو حميم، أو صاحب، أو رفيق، أو سكن، أو حبيب، أو صديق، أو وليف، أو قريب، أو بعيد، أو ولي، أو خليط. كما لا يخلو أيضاً من عدو، أو كاشح، أو مداج، أو مكاشف، أو حاسد، أو شامت، أو منافق، أو مؤذ، أو منابذ، أو معاند، أو مزل، أو مضل، أو مغل..
والازدواج كذلك عنصر من عناصر الإطناب ومظهر من مظاهره.. ولقد عمد إليه الجاحظ قبل أبي حيان. وليس القصد منه هنا أيضاً أن يتخذ منه الكاتب معرضاً للبراعة ومقصداً لبهر القارئ، بل الغاية منه لدى أبي حيان جلاء المعنى في الذهن وتوكيده في النفس، يضاف إلى ذلك هدف فني يتمثل في تلوين التعبير وإغنائه بعنصر الإيقاع والموسيقى فعن طريق خلق التوازن بين الجمل، بتقسيمها إلى فقرات قصار متناسبة الطول متشابهة الأداء، تتسربل الجمل ضمن مجموعة متجانسة، وفقرات متلائمة، بحيث يتجلى فيها عنصر التناغم الذي يقترب بملامح النثر إلى سماع الشعر، ومن هذا القبيل قول التوحيدي في بعض مناجياته للخالق:
"اللهم، فلا تخيّب رجاء هو منوط بك، ولا تصفر كفا هي ممدودة إليك، ولا تذل نفساً هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلاً هو مستضيء بنور هدايتك، ولا تقذ عيناً فتحتها بنعمتك، ولا تخرس لساناً عودته الثناء عليك
وغني عن القول أن أسلوب أبي حيان لا يطرد دوماً على هذا الغرار، فقد يحرص عليه أو يعدل عنه، تبعاً لاختلاف مراحل حياته، وتغير دواعي تعبيره، وتنوع طبيعة موضوعاته.
-3-
وقد يجنح أبو حيان إلى العبارة المسجوعة، وهذه ظاهرة أسلوبية تفشت بين الكتاب في عصر التوحيدي وتفاقمت بعده، كأن يقول: "اللهم اكفنا من اللسان فلتته، ومن الهوى فتنته، ومن الشر خطرته، ومن الرأي غلطته، ومن الظن خبطته، ومن الطبع سورته، ومن الأمر روعته، ومن العدو سطوته. وجانبنا معاندة الحق، ومجانبة الصدق، وشراسة الخلق، ومذمة الخلق
وأكثر ما نرى هذا النمط المسجوع من النثر في المواقف العاطفية والوجدانية من مثل الابتهال والدعاء، ويدخل في هذا المجال العاطفي ما كان يتعرض له التوحيدي في غمار حياته العاثرة من صدمات ومنغصات. فحين يقع تحت وطأة المرارة وتغتلي نفسه من سورة الغضب وغمرة الحقد ينطلق لسانه مثلاً بشتم الصاحب بن عباد، قاذفاً إياه بقارس الكلم المسجوع الذي أحسن استدعاءه واختياره ليرسم به تلك الصورة الكاريكاتورية المضحكة لمهجوه: "لعن الله هذا الأهوج الأفلج الأفجج الخفلج، الذي إذ قام لجلجل، وإذا مشى تفحج، وإن تنغم تمجمج، وإن عدا تفجفج
والحق أن هذه الألفاظ بجرس حروفها الصائتة على هذا النحو، والتي تقرع الأذن بهذا النبر المتميز، إنما تبعث على الإضحاك حتى برغم قلة المعرفة بحقيقة معانيها ودقة مدلولاتها، ويكفي أنها تثير في النفس ظلالاً لهذه المعاني وتوحي بمعانيها إيحاء.. ومثل هذا كافٍ لأن يبسط النفس ويبعث على الضحك.
على أنه بوجه عام، وفي مقابل ذلك يشيع أسلوب الترسل في نثر أبي حيان في معظم كتبه ومقالاته، حيث يؤثر الانطلاق في الكتابة والتحرر في التعبير. وهذا طبيعي لدى كاتب كالتوحيدي يجعل المعنى نصب عينيه، فيرسل العبارات إرسالاً بحيث تأخذ مداها لتغطيّ المعنى المراد وتجلوه في الذهن، ما دام اللفظ لديه وسيلة والمعنى غاية. ومن هذا القبيل قوله:
"وليس كل من قاده عقله إلى العلم بمراشد الأمور انقادت له نفسه إلى العمل بها. فقد رأينا كثيراً من أهل المعرفة يأمرون ولا يأتمرون، ويزجرون ولا يزدجرون. ويعرف من المتطببين من كان ينهي عن يسير التخطيط في المآكل، وينهمك في كثيره. ومن المتفلسفين الذين هم أطباء النفوس من كان يذم مقابح الأخلاق ومفاحش الأفعال فيرتكبها في خلواته.
وتارك العمل مع الجهل أعذر من تاركه مع العلم"
وهذا أسلوب مرسل يتسم بالتدفق واليسر والسهولة ويترقرق في النفس رهواً ويلامس السمع بانسياب ورفق. وما ذلك إلا لغلبة الطبع عليه وانحسار مظاهر التصنع عنه. وإذا كان أبو حيان يعمد إلى الأسلوب المقيد حيناً وإلى الأسلوب المرسل أحياناً فما ذلك إلا لدواع فنية، ولكل مقام مقال.
والصورة الحسية أو التعبير المجسّم سبيل التوحيدي في أحيان كثيرة إلى بلوغ غايته وهي دائماً الفكرة أو المعنى. وهذه الخاصية الأسلوبية هي التي تسهم في وسم أبي حيان بسمة الأديب وتنأى به عن سمة الفيلسوف. يقول أبو حيان بصدد كلامه على فائدة التعلم: "إنما يخرج الزبد من اللبن بالمخض، وإنما تظهر النار من الحجر بالقدح، وإنما تستبان النجابة من الإنسان بالتعليم. والمعدن لا يعطيك ما فيه إلا بالكدح، والغاية لا تبلغها إلا بالقصد.." كما يقول قاصداً إلى التعبير عن طريق التصوير: "إن الإنسان الذي لا يعمل بعمله كالشجرة المورقة لا ثمر لها، أو يقول: ".. ليس بين العلم والعمل سور. وإن كان سور فليس من حديد، وإن كان من حديد فالحديد أيضاً يعالج بما يلين به ويستجيب".
وعندما يطيب لأبي حيان أن يسبر أغوار نفسه، ويستبطن حقيقة منازعه، ويرتاح لما فيه تفريج كربه وتنفيس هواجسه، تتوارى في أسلوبه معالم المفكر وسمات المتفلسف لتتألق بدلاً منها موهبة الأديب وبراعة الكاتب، ها هو ذا يناجي الخالق في ساعة ضيق وقلق وشك:
"إلهنا إن ذكرناك أنسيتنا، وإن أشرنا إليك أبعدتنا، وإن اعترفنا بك حيرتنا، وإن جحدناك أحرقتنا، وإن توجهنا إليك أتعبتنا، وإن ولينا عنك دعوتنا، وإن تركناك أزعجتنا، وإن توكلنا عليك أكلفتنا، وإن فكرنا فيك أضللتنا، وإن انتسبنا إليك نفيتنا، وإن أطعناك ابتليتنا، وإن عصيناك عذبتنا.. فالسوانح فيك لا تملك، والغايات منك لا تدرك، والحنين إليك لا يسكن، والسلو عنك لا يمكن..".
هذه النبرة الشجية تشيع في معظم ابتهالات أبي حيان ومناجياته، "إنها أشبه بنبرة داوود النبي في مزاميره، خصوصاً حينما يتغنى برحمة الله ولطفه ونعمته، أو حينما نراه يعمد إلى معاتبة الذات الإلهية بخشوع ومذلة وانسحاق"
وإذا كانت الكتابة صناعة، أي فناً، فلا غنى لهذه الصناعة عند التوحيدي عن طبع مؤات وموهبة عقلية، فهما إذا رفدتهما عناصر أخر، كالخبرة وهوى الصنعة وسعة الاطلاع أمكن صاحبهما أن يكون في عداد الكتَّاب المجيدين. وإذا كان لكل صنعة آفة، فآفة الكتابة أن يفقد صاحبها الطبع وهو العمود
***
*الأداء الفني بين الجاحظ وأبي حيان:
يحلو للنقاد والدارسين أن ينعتوا أبا حيان التوحيدي بالجاحظ الثاني، ويطيب لهم من حين إلى آخر أن يعقدوا الفصول لهما يقارنون بينهما ويوازنون، ويبرزون معالم الشبه والاتفاق، أو يظهرون أوجه الخلاف والافتراق. والحق أن هذا مجال طريف ينطوي على كثير من بواعث القول.
وليس الأمر في هذا بدعاً إذا عرفنا أن أعلام النثر الفنيّ كانوا يقرون للجاحظ بالريادة، وفي ذلك يقول القاضي عبارته المأثورة: "وأما الجاحظ، فما منا معشر الكتاب إلا من دخل داره، أو شنّ على كلامه الغارة".
وأبو حيان نفسه اتخذ من أبي عثمان إماماً ومن طريقته قدوة، وأحله من التبجيل والتعظيم أسمى منزلة وأرفع مكان. حتى لقد بلغ ذلك منه أن دبج في الثناء عليه رسالة خصه بها واسماها "تقريظ الجاحظ"، ومما قاله فيها:
"والذي أقول وأعتقد أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر ثلاثة، لو اجتمع الثقلان على تقريظهم ومدحهم، ونثر فضائلهم، في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم مدى الدنيا إلى أن يأذن الله بزوالها، لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، أحدهم هذا الشيخ الذي أنشأنا له هذه الرسالة، وبسببه جشمنا هذه الكلفة، أعني أبا عثمان عمرو بن بحر.
وأشاد أبو حيان في كتاب آخر له بأسلوب سلفه الجاحظ فقال:
"ومتى رأيت ديباجة كلامه، رأيت حولها كثير الوشي، قليل الصنعة، بعيد التكلف، حلو الحلي.. له سلاسة كسلاسة الماء، ورقة كرقة الهواء.. فسبحان من سخّر له البيان وعلَّمه، وسلّم في يديه قصب الرهان قدّمه.. إن جد لم يسبق، وإن هزل لم يلحق.." كما نعته بأنه لا نظير له في البلاغة والإنشاء.. وإن كتبه "الدر النثير، واللؤلؤ المطير" ورسائله "الأفنان المثمرة، والرياض الزاهرة، وكلامه "الخمر الصرف، والسحر الحلال"، فهو "واحد الدنيا" و"شيخ الأدب وحجة العرب..".
ولئن كان أبو حيان – وهو من هو بين الكتَّاب – قد أحل أستاذه أبا عثمان في نفسه هذه المنزلة السامية، ومحضه كل هذا الإعجاب، فإن في ذلك لمغزى بعيداً. من ذلك أن التوحيدي ممن لا يمارون في نسبة الفضل إلى أهله، ولم يذهب به الغرور إلى المدى الذي يذهب بصاحبه إلى الانتقاص من الآخرين، في مجال هو مجاله، وصناعة هي صناعته.
والذي يعنينا من هذا الإعجاب أثره الماضي في تكوين شخصية أبي حيان ودفع أسلوبه في المجرى الذي آثره وارتضاه، والذي كان الجاحظ رائداً فيه، فقد بات من نافلة القول ألا يغيب عن ذهننا أن أبا حيان كان في أول عهده يغترف من بحر الجاحظ، وينحو منحاه في أسلوبه، وينسج على منواله في كتبه، بعد أن انكبّ على ملفاته في سنٍّ مبكرة وعاش في عالمه. "وكل من يدرس أبا حيان في طريقته الفنية يراه محتذياً طريقة الجاحظ. وقد أصبحت هذه الحقيقة إحدى القضايا المسلمة التي لا تحتاج برهاناً جديداً، ولكنه يجب ألا تحجب عن أنظارنا تفرد أبي حيان في أسلوبه، وإن أبا حيان هو الذي كان في عصره يحمل لواء الجاحظية.
"ونحن إذا سلمنا بوقوع التوحيدي ضمن دائرة النفوذ الجاحظي فإننا لن نسلم بفناء شخصيته في شخصية أستاذه القوية، بل تفردّت آثاره وأسلوبه الإنشائيّ بمميزاتها وطابعها الخاص والحق أن أبا حيان لم يقف بمدرسة الجاحظ حيث تركها مؤسسها، وإنما أمدها بنباهته ونبوغه بما رفع من قواعدها وبما أثبته من صلاحها لنقل ما جدّ في عصره الحافل وبيئته الموارة من أفكار ومنازع. وتبعاً لذلك كله فإن المقارنة تبدو مجدية بين الكاتبين:
*أوجه التشابه:
أ-كلا الرجلين، الجاحظ وأبي حيان، كان وثيق الصلة بالوارقَة التي كانت المدرسة الأولى التي تخرّجا فيها، على حين امتهن أبو حيان هذا العمل حتى برع فيه، وعرف بحسن الخط وتجويده، وضبط النسخ وتزويقه.
ب-كلاهما طوع النثر العربي للتعبير عن العقل المتفتح والثقافة المتمازجة مع معطيات الأمم الأخرى، بعد أن كان الشعر وحده ديوان العرب والمعبِّر عن منازعهم التي كانت تتسم بغلبة العاطفة على العقل.
ج-كلاهما غلب عليه الأدب، أو كان أديباً يعنى بشؤون العقل ويتعاطى الفلسفة.
د-تجلّت النزعة العروبية لدى الجاحظ وأبي حيان. مع ملاحظة حدتها عند الجاحظ تجاه الشعوبية وخفتها بعدئذ لدى التوحيدي. وما ذلك إلا لاختلاف العهدين وتضامن النزعتين المتقابلتين من جهة، ولأن أكثر حكّام العصر وعدداً من شيوخ أبي حيان كانوا فرساً أو ينحدرون من أصل فارسي. ونستدل على ذلك من خلال المناظرة الهامة التي انفرد أبو حيان بتسجيلها بين متى بن يونس وبين أبي سعيد السيرافي حول منطق اليونان ونحو العرب، وكيف أن عاطفة أبي حيان كانت إلى جانب قومه ومع أستاذه. فضلاً عن مواقف أخرى يمكن أن تعد أبزرها إعجاب أبي حيان بأبي عثمان.
هـ-برغم الصلات الوثيقة التي ربطت بين كل من الرجلين وبين كبراء العصر، فقد بقيا بعيدين – طوعاً أو كرهاً – عن أسر المناصب وقيود الرسميات، خلافاً لما كان عليه حال الكثيرين من كتَّاب العصر العباسي، وذلك ما عاد بالفضل العميم على نتاجهما الأدبي والفكري وطبعه بطوابع الجرأة والانطلاق والتحرر، وجعله منزّهاً عن روح المداجاة والمجاملة والنفاق.
و-كلا الرجلين عاش عمراً مديداً امتد زهاء قرن من الزمان وكان ذلك باعثاً على غزارة نتاجهما، وإن لم يبلغ أبو حيان شأو الجاحظ في كثرة كتبه ورسائله.
ز-انطوى الكاتبان على ثقافة موسوعية زخرت بها شخصيتاهما، وكان عمادها علوم العربية والإسلام من لغة ونحو وتصريف وحفظ المنظوم والمنثور، ومن فقه وتفسير وحديث وتشريع، ثم المعارف الدخيلة أو الوافدة التي تجلّت بنحو خاص في المنطق والفلسفة.
ح-كلاهما عرف بالاستطراد في كتبه وحرص على أن يجعله بمثابة قاعدة مرغوبة في التأليف، يصدر عنها الكاتب في أكثر مؤلفاته.
ط-جنح أبو حيان إلى الهزء والسخرية في جانب من آثاره، وإن لم يشع ذلك لديه شيوعه لدى الجاحظ. ويبدو أن الموقف كان يقتضيه ذلك فيجنح إليه، ولكل مقام مقال. فمما يورده في الصاحب بن عبَّاد قوله:
"أحسب أن عينيه ركبتا من زئبق، وعنقه عمل بلولب.. ظريف التثني والتلوي، شديد التفكك والتفتل، كثير التعوج والتموج، في شكل المرأة المومسة الفاجرة الماجنة والمخنث الأشمط
وكثيراً ما يتلاقى الكاتبان في مجال الهزء والتصوير الساخر الكاريكاتوري على صعيد رسالة التربيع والتدوير لأبي عثمان ومثالب الوزيرين لأبي حيان.
ي-كلاهما كان ينتمي إلى مدرسة بيانية واحدة ويصدر عن خصائص أسلوبية متشابهة، قوامها إجلال المعنى والعناية باللفظ. والحرص على الطبع، والنأي عن التصنع، والميل إلى الازدواج، وإيثار الإطناب..
*أوجه التمايز:
أ-كان مزاج الجاحظ طبيعياً معتدلاً، وأدبه، تبعاً لذلك، منسقاً مطرداً، يتفاعل فيه العقل مع العاطفة بمقدار. على حين كان مزاج التوحيدي ثائراً فائراً، تستبد به سورة الغضب فتعشي عينيه عما أمامه، فإذا هو يحطّم بقلمه الصرح الذي سبق أن شاده. فلكم أثنى على الصاحب بن عبَّاد وابن العميد ونسب إليهما كل فضل، ثم لم يلبث بعد أمد أن انقلب عليهما وتنكر لهما، وجردهما من كل محمدة، وألصق بهما كل نقيصة. ومن هنا غلبت على الجانب الإنشائي من كتاباته حرارة العاطفة ووقدة الانفعال. سواء في ذلك ما كان حصيلة علاقاته مع الناس مثل كتابه مثالب الوزيرين، وما كان من نتيجة صلته بالخالق خلال أدعيته ومناجياته.
ب-كان الجاحظ أميل إلى المرح والتفاؤل وأكثر إقبالاً على الحياة. يسعى إلى التهكم، ويؤثر الطرفة، ويطلب الفكاهة، ويجنح إلى الإضحاك، ويتسم بالانبساط، وينطوي على خفة الروح.. ولم يكن أبو حيان من هذا المشرب.. ومن هنا غلب الجد على مؤلفاته، على حين تعانق الهزل والجد في شخصية الجاحظ وانعكس ذلك بالتالي في كتبه.
وإذا لم يفارق الهزل نفس الجاحظ حتى في أواخر أيامه، فكان متفائلاً في أحلك ساعات مرضه، لم تكد الشكوى والمرارة وترديد مشاعر السخط على الآخرين تفارق نفس أبي حيان وقلمه، وهو نفسه يصوّر ما آلت إليه حاله فيقول:
"فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرافق ومشفق. والله لربما صلَّيت في الجامع، فلا أرى إلى جنبي من يصلي معي.. فقد أمسيت غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق. مستأنساً بالوحشة، قانعاً بالوحدة، معتاداً للصمت، ملازماً للحيرة، محتملاً للأذى، يائساً من جميع من ترى". وهكذا غلب عليه التشاؤم المفرط، وآل به الأمر إلى فقد ثقته بنفسه وبجميع الناس من حوله، وبجدوى ما صنفه من كتب وما دبجه من رسائل طوال حياته، فأهوى عليها يغرقها بالماء ويحرقها بالنار، ويمعن فيها إتلافاً وتمزيقاً.
ج-بلغ الجاحظ أوج الشهرة، ولم ينعم التوحيدي ببعض ذلك، برغم أن مواهبه كانت جديرة بأن ترفعه إلى منازل رفيعة. ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى ما كان فيه أبو حيان من صراع مع كبراء العصر، من حكّام ووزراء ومن إليهم، ممن كان بأيديهم زمام الأمور، فأعرض الناس عنه. ولا يبعد أن يكون لهيئته الزرية، من رداءة مظهره وقذارة ملبسه ما زاد الناس إعراضاً عنه. أما استمرار غمط الناس لأبي حيان حقه في الشهرة والفضل بعد مماته، فيغلب على الظن أن مرد ذلك إلى أنه كان في نظر بعضهم معدوداً من كبار الزنادقة. بل ذهب أحدهم إلى أن زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء المعري، وأن أشدهم على الإسلام أبو حيان لأنه مجمج ولم يصرح. يضاف إلى ذلك صعوبة مؤلفاته نسبياً، لغلبة الطابع العقلي عليها وزهد العلماء في تفسيرها وشرحها، خلافاً لما كان منهم تجاه الآثار الأدبية واللغوية. ولا شك أخيراً في أن إحراق كتبه وضياع جانب منها كان عاملاً آخر من عوامل خفوت شهرته.
د-كان أبو حيان أبعد باعاً من الجاحظ في حقل الفلسفة، وأعمق فكراً في شؤون العقل وقضايا الكون والنفس، كما كان أوغل من أبي عثمان ثقافة وأغزر معارف. وهذا طبيعي بسبب فارق العصر واختلاف الزمان، إذ أن مائة وخمسين سنة تفصل بين عهدين وتباعد بين رجلين جديرة بأن تؤدي إلى هذا الفارق. لقد أهرقت قطرات غزيرة من المداد خلال هذه المدة، حين ظهرت كتب وصدرت مؤلفات وعرّبت مصنفات، وهل ثمّة أحفل علماً وأغنى حضارة من القرن الرابع الهجري.
هـ-كان أبو حيان أكثر إخلاصاً لموضوعه من الجاحظ، لأنه لم يكن يكتب إلا عن معاناة. ولعلّ في هذا بعض ما يفسّر تضارب أقواله وتناقض أحكامه، وبخاصة في مجال الكلام على كبار معاصريه. فأدَّبه وليد الرضى والسخط والأمل واليأس، فلا يكتب في كل حال إلا تحت وطأة الانفعال. وكم رأينا الجاحظ، "يتناول الأفكار بروح خال من حرارة الإيمان، وأنه يأتي الفنّ بقصد العبث والتلاعب، وإظهار المقدرة البيانية.. لذلك لا يحس قارئ الجاحظ إلا بالنشوة تخامره، وباللغة تساوره، وبالإعجاب بقدرة هذا الفنان إذ أخرج من الحق باطلاً. ومن الباطل حقاً.. على حين يبدو أبو حيان كاتب فكرة يؤمن بها، ويصدّق فيها، ويحسّ بحرارتها، فلا يفتأ قارئه يحسّ بالحرارة قد انتقلت إليه ومشت في أوصاله".
ألم يكتب الجاحظ في الشيء ونقيضه، والرأي وخلافه كأن يؤلف رسالة في مدح النبيذ ورسالة في ذم النبيذ، ورسالة في مدح أخلاق الكتَّاب ورسالة في ذم أخلاق الكتَّاب، ورسالة في مدح الورّاق ورسالة في ذم الورّاق..؟
و-أهمية أبي حيان إنما تتجلى في المدرسة الأسلوبية التي كان أبرز ممثل لها في عصره، وهي امتداد للمدرسة الجاحظية وقوامها التعبير المنطلق والأسلوب المرسل. ففي عهد الجاحظ لم تكن ثمّة أنماط أسلوبية مغايرة في طبيعتها لطبيعة الأسلوب الجاحظي، ومن ثم لم يكن هناك مجال واسع للمجابهة والصراع على الصعيد الفني. على حين غدا عصر أبي حيان حافلاً بالمدارس الأسلوبية المقابلة التي تعتمد على الأسلوب المقيّد والتعبير المسجوع. وهذا المنحى الفنيّ المقيّد المواجه للمنحى المنطلق المرسل كان يتجلى في كثير من الرسائل المدبجة والكتابات الإخوانية وأخيراً في المقامات. ولا ننسى أن هذا النمط المنمق أخذ يستهوي الكثيرين من المنشئين والمثقفين من جهة، كما كان يتبناه العديدون من الحكّام وذوي النفوذ وبخاصة الوزراء الكتَّاب من جهة أخرى.. كل ذلك جعل لأبي حيان بمذهبه البياني ومنحاه الأسلوبيّ أهمية بالغة من حيث الاحتفاظ بالأصالة والتحرر الفني في عصر تكاثرت خلاله الأساليب المقيدة.
ومهما يكن من أمر المقارنة بين الجاحظ والتوحيدي، من حيث أوجه الاتفاق أو الافتراق، فالحقيقة الباقية، نتيجة لكل ما تقدم، أن الكاتبين الموهوبين هما من مشرب واحد، وينتميان إلى مدرسة بيانية واحدة. وإذا كانت أوجه التمايز أو الاختلاف بينهما كبيرة فإن أوجه التشابه والتلاقي تبقى أكبر. ومن هنا فإن نعت أبي حيان بالجاحظ الثاني حكم ينطوي على عين الحقيقة والصواب. إنه يتبوأ مكانة رفيعة في تاريخ النثر العربي، ويقرن مع الجاحظ، أكبر كاتب عرفته العربية، مشكلاً إلى جانبه قمة أخرى من قمم البيان في أدب العرب.
***
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|