2-الهجـاء: وهو ضد المدح، وكلما كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى؛ وعندما أتحدث عن الهجاء كفن فلا أقصد به ذلك السباب والشتم الذي لا يتعدى أن يكون ركيكاً منحطاً بل أقصد به " هجاء الأشراف " وذلك بسلب فضائلهم دون الغوص في أمور اخرى.
وقد تولّد الهجاء في الشعر نظراً لطبيعة البشر فهناك الصالح والطالح منهم والإنسان مبني على الفطرة وهو أن ينظر للناس أول الأمر على أنهم مكتملوا الأخلاق من كرم وشجاعة وفصاحة وغيرها حتى إذا ما تعرف على الرجل أو القوم وصدم بالضد من ذلك سنَّ سلاح اللسان إما ناصحاً أو هاجياً من أجل النصيحة أو هاجياً ليشفي غليله منهم خاصة عند توفر مواقف لهم عنده؛ وإذا نظرنا لمن عاش متكسباً على المديح فإننا نجده غالباً يهجو من لا يجد منه أعطيه، ولعل هذا يذكرنا بأشهر الهجائين في هذا العصر وهو طرفة بن العبد الذي قُتل بسبب هجائه الملك عمرو بن هند بحجة أنه لم يجد منه الخير والمال كما كان ينتظر. وغير طرفة كثير أبرزهم الأعشى الذي يكرمه الناس خوفاً من هجائه ولم يكن زهير بن أبي سلمى بأقل شأناً من الأعشى في هذا الفن وإن كنت أرجح زهير على الأعشى في فن الهجاء لأن هجاء الأعشى صريحاً قبيحاً أما هجاء زهير بليغ خطير. سبيل الشاعر إلى غرض الهجاء وهدفه منه: تجريد المهجو من المُثًل العليا التي تتحلى بها القبيلة، فيجرد المهجو من الشجاعة فيجعله جباناً، ومن الكرم فيصفه بالبخل، ويلحق به كل صفة ذميمة من غدر وقعود عن الأخذ بالثأر بل إن الشاعر يسعى إلى أن يكون مهجوه ذليلاً بسبب هجائه، ويؤثر الهجاء في الأشخاص وفي القبائل على حد سواء فقبيلة باهلة ليست أقل من غيرها في الجاهلية ولكن الهجاء الذي تناقله الناس فيها كان له أثر عظيم وهذا هو السر الذي يجعل كرام القوم يخافون من الهجاء ويدفعون الأموال الطائلة للشعراء اتقاء لشرهم وممن خاف من الهجاء الحارث بن ورقاء الأسدي؛ فقد أخذ إبلاً لزهير ابن أبي سلمى الشاعر المشهور، وأسر راعي الإبل أيضاً فقال فيه زهير أبياتاً منها:
لَيَأتِيَنّـكَ منِّي مَنْـطِقٌ قَـذعٌ باقٍ كما دَنَّسَ القَبْـطِيَّة الوَدكُ فاردُدْ يَسَاراً ولا تَعْنُفْ عَلَيْهِ وَلاَتَمْعَكْ بِعِرْضِكَ إن الغَادِرَ المعِكُ فلما سمع الحارث بن ورقاء الأبيات رد على زهير ما أخذ منه.
ويعد الهجاء من انواع الشعر التي يعبر فيها الشاعر عن سخطه و اشمئزازه من انسان أخر هو عكس شعر المدح الذي يمتدح فيه الشاعر شخص اخر و يعبر عن عاكفته و تقديره له و يكون الهدف من الهجاء هو إلحاق العار بالشخص الذي يتم هجاءه و للهجاء أنواع منها الهجاء الفردي يكون مقدم لشخص واحد و الهجاء الجماعي تجاه قبيلة ما أو مجتمع بعينه و الهجاء الخلقي الذي يتناول العيوب الجسدية و العاهات البارزة من ابرز ذلك هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي و هناك ايضًا الهجاء الفاحش و الهجاء الكاريكاتوري و الهجاء العفيف و الهجاء السياسي أخذ الهجاء اشكالًا كثيرة خلال التاريخ الطويل للشعر إلى أن جاء الإسلام و هذب الشعراء ، وكان الهجاء شائعاً بين الأعداء والأضداد من الناس وبين الشعراء وبعضهم البعض حيث يذكرون مساوئ بعض ومحاسن أنفسهم ومن ابلغ شعراء الهجاء جرير والفرزدق والطرماح بن الحكيم الذي قال أقذع ما قيل في الهجاء يوما وجهه إلى تميم الجزيرة. أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى خلال المخازي عن تميم تجلت أقرت تميم لابن دحمـة حكمه و كانت إذا سيمت هوانا أقرت تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا فان سلكت سبل المكارم ضلت فلو أن برغوثا على ظهر قملة يشد على جموع تميم لوت و لو أن عصفورا يمد جناحه لجاءت تميم تحته واستظلت
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|