شفوية الشعر الجاهلي أن القصيدة العربية الجاهلية مرّت بمراحل من النمو والتطور حتى وصلت إلى الشكل الذي وصلت به إلينا، وقد ينطبق عليها ما ينطبق على الطفل منذ أن يكون جنيناً في بطن أمه إلى أن يبلغ مرحلة الولادة. وهكذا فإن مطولات امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وغيرها لا تمثل –بأي حال من الأحوال- بدايات الشعر الجاهلي، ولكنها تمثل ذروة ما وصل إليه هذا الشعر في زمنه. ومما يلفت الانتباه هنا أن الشاعر الجاهلي الذي عبّر –بشعره- تعبيراً ذاتياً عن وجوده وأحلامه وحبّه ومختلف مناحي حياته، لم يكن –رغم ذلك- يتصور الشعر عملاً فردياً، يعبر من خلاله عن ذاته الفردية، بل كان يتصوره نوعاً من النبوغ في التعبير عن أحلام القبيلة وأمالها ومخاوفها. فمثل هذه الذاتية الفردية وظفت للتعبير عن الذات الجماعية في ظل علاقة التلاحم بين الشاعر وقومه ليكون –بذلك- صدىً للنفس الفردية التي تنقل ذلك الصدى إلى الجماعة، وكأنها مجرّد وسيط لتبليغ رسالة أو خطاب. ومثل هذا الحكم يجرنا إلى قضية أهمّ، وهي المتمثلة في نوعية هذا الشاعر وماهية شعره، فهل صحيح –مثلاً- أنه ينظم الشعر اعتماداً على فطرته؟ وهل امتلك نصيباً وافراً من الثقافة مكّنته من أن يتفرد ويتميز عن باقي قومه؟. ولئن كنا لا نجحد حق الشاعر الجاهلي من تلك الموهبة الفطرية التي تميز بها عن بقية أبناء قبيلته، حيث أن المواهب تتفاوت بين الأفراد والجماعات إلا أن الشاعر الجاهلي، فضلاً عن موهبته فقد امتلك شيئاً من الثقافة، -ثقافة الرؤية- وقد تكتسب هذه الثقافة من المثاقفة بإطلاعه على منتوج غيره من المعارف الإنسانية المختلفة، وقد تكتسب من التجارب والعبر الحياتية التي يفيد منها في حياته، وفي تجاربه وسلوكاته، ومن ثمة فحين يقول شعراً فهو لا يقول شيئاً غامضاً، ولكنه يعبر عما يحس به بقية أبناء قبيلته، بيد أنهم لا يستطيعون قولـه، وهذا ما نوافق فيه "أدونيس" الذي يرى أن ((الشاعر قبل الإسلام كان يقول ما يعرفه الذين يصغون إليه، لأنه يقول عاداتهم وتقاليدهم، مآثرهم وحروبهم انتصاراتهم وهزائمهم)) .غير أن هذه الثقافة التي امتلكها الشاعر، ظلت ثقافة شفوية، حيث أن الأصل الشعري العربي ((نشأ شفوياً ضمن ثقافة صوتية سماعية، وإلى أنه من جهة ثانية لم يصل إلينا مخطوطاً في كتاب جاهلي، بل وصل مدوّناً في الذاكرة عبر الرواية)) . فالعنصر الثقافي موجود لدى هذا الشاعر، لكنه لم يعتمد تدوين تلك الثقافة على الكتابة، ولكنه استمدها سماعياً، ومن ثمة فحين نقلها إلى غيره تمت بالوسيلة نفسها لتظل في مرحلة العطاء أيضاً صوتية- سماعية. وإن كنا لا نستطيع الجزم أن جميع هؤلاء الشعراء لم يعرفوا الكتابة فهذا أمر آخر ليس هنا مجال الإفاضة في مناقشته، ولكننا نقرّ بأن شعره الذي نقله إلى غيره جاء عن طريق الرواية والمشافهة. ولد الشعر العربي الجاهلي نشيداً –إذن- فقد نشأ مسموعاً لا مقروءاً، غُني ولم يكتب، كان بمنزلة الموسيقى الجسدية، فهو لم يقتصر على كونه كلاماً، بل كلام وشيء آخر، قد يتجاوز الكلام، وما يعجز عن نقله الكلام، وبخاصة المكتوب، وفي هذا ما يدلّ على عمق العلاقة وغناها وتعقدها بين الصوت والكلام، وبين الشاعر وصوته، إنها علاقة بين فردية الذات التي يتعذر الكشف عن أعماقها، وحضور الصوت الذي يتعذر تحديده حين نسمع الكلام نشيداً لا نسمع الحروف وحدها، وإنما نسمع كذلك الكيان الذي ينطق بها)) . ولعل ذلك يضطرنا للحديث عن الكلمة في الشعر الجاهلي من حيث وظيفتها ودلالاتها، فهي مقترنة لا محالة، أي أنها ليست معزولة عنه، ففي الكلمة –الموسيقى- النشيد، حيث أن هناك تلاحماً وانسجاماً بين الكلمة من حيث الدلالة المعنوية التي تؤديها وبين الصوت الذي تحدثه هذه الكلمة إن الشفوية تفترض السماع لأن الصوت يستدعي الأذن، ولهذا تميزت الشفوية في الشعر الجاهلي بفن خاص في القول الشعري ((لا يقوم في المعبر عنه، بل في طريقة التعبير، خصوصاً أن الشاعر الجاهلي كان يقول –إجمالاً- ما يعرفه السامع مسبقاً. كان يقول عاداته وتقاليده، حروبه ومآثره، انتصاراته وانهزاماته، وفي هذا ما يوضح كيف أن قراءة الشاعر لم تكن فيما يفصح عنه، بل في طريقة إفصاحه)) . إذن، هناك علاقة حميمة بين الشفوية الشعرية في العصر الجاهلي وبين السماع، ولعل ذلك يرتد –بناء على اعتقاد أدونيس- إلى أن النقد الشعري الجاهلي أُسس على مبدأ السماع، وعلى مستوى الصلة بين الشعر وسامعه، ولم يكن الشاعر الجاهلي -إذن –ينشئ الشعر لنفسه، بل لغيره، لمن يسمعه ويتأثر به، ومن هنا كانت قدرة الشاعر على الابتكار الذي يؤثر في نفس السامع .
أن أي شاعر في أي زمان أو مكان لا نتصوره حين ينظم شعراً إلا منطلقاً من ذاته، ومن رؤاه الخاصة ليخرج هذا الشعر بعد ذلك إلى العالم الخارجي، أي إلى الغير، هذا الغير المنفصل عن ذات الشاعر، ولكنه قد ينسجم مع ما تنتجه هذه الذات من رؤى ومشاعر، ومن ثمة فقد يؤثر بشعره في هذا الغير الذي هو السامع أو المتلقي، لا لأن الشاعر قد ألف شعره خصيصاً لذلك الآخر، على الرغم من ارتباط الشاعر بمفاهيم مجتمعه، ولكن لأن هذا الآخر قد وجد في ذلك الشعر الذي هو منتوج فردي –أصلاً- صدى مؤثراً في نفسه، لأن الشاعر الجاهلي ليس فرداً منعزلاً بل إنه يعيش ضمن مجتمع قبلي يؤثر فيه ويتأثر به. ولا شك أن الشاعر الجاهلي قد تميز بقدرة خاصة على الابتكار الذي أهله لأنه يؤثر في سامعه الذي يتلقى منه الشعر، لا سيما أن هذا الشاعر، كان عليه أن ينشئ شعراً مطابقاً لما في نفس سامعه، حيث أن المسألة الجوهرية تكمن في مدى نجاح شعر الشاعر، هذا النجاح الذي يظلّ مرتبطاً بمدى فهم السامع وتأثيره بما يقوله الشاعر، ومن ثمة فإن هناك قاسماً مشتركاً بين الشاعر ومتلقي شعره، يمثله الذوق العام المشترك الذي يجعل أحدهما قادراً على التصوير والآخر قادراً على فهم هذا التصوير وتذوقه.
وقد سبق أن أشرنا من قبل إلى أن الشعر الجاهلي ارتبط –في بداية مراحل نموه- بالغناء ارتباطاً وثيقاً، حتى إن الشعر والغناء أصبحا يمثلان شيئاً واحداً عند العرب في تلك المرحلة المتقدمة، وكان الشاعر مغنياً وقاصاً في الوقت نفسه، ومن الأدلة القاطعة على ذلك الارتباط أن العرب القدماء كانوا يلقبون عدداً من الشعراء الذين ذاع صيتهم بألقاب تنم عن مدى ذلك التلاحم بين الشعر والغناء، فقد لقب عدّي بن ربيعة التغلبي أخي كليب وائل بالمهلهل، من الغناء بالشعر أو التهليل به، وهو عند العرب من قصّد القصائد وذكر الوقائع ، وقيل سمى كذلك لأنه أول من هلهل الشعر أي رققّه وغناه. كما لقّب الأعشى بصنّاجة العرب انطلاقاً من أنه كان يغني شعره وفي ضوء ما سبق، فإن فهم الشعر الجاهلي فهماً صحيحاً يتوقف على ضرورة النظر إليه على أنه كان ينظم مشافهة، ويؤلف جلّه من مواد تقليدية، فقد يعاد تركيبه ويخضع للتعديل باستمرار، ثم إن الرواة تناقلوه جيلاً بعد جيل مع إعادة مستمرة لصياغته فضلاً عن أن راوي هذا الشعر ((لم يكن مجرد ناقل لنصٍّ سابق غريب عليه، وإنما كان –في الوقت نفسه- شاعراً مؤلفاً وفناناً محترفاً يعيد بقدر غير قليل من الحرية نظم ما ينقله من نصوص ومواد شعرية قديمة)) . ولا شك أن الشعر الجاهلي مرّ بمراحل انحصرت في مرحلتين بارزتين هما مرحلة الإنشاء وصولاً إلى مرحلة التجميع والتدوين. وجملة القول إن الشعر الجاهلي الذي يمثل المدوّنة العربية الأصيلة في تراثنا الشعري نشأ سماعياً، قياساً إلى عدم توفر الإمكانيات التي تمكن من تدوينه وكتابته في زمنه، ومن ثمة كان من الصعوبة بمكان تحديد المدة الزمنية التي تؤرخ لظهور هذا الشعر في أول نشأة له، مما جعل المؤرخين والمهتمين بهذا الموروث يحددون فترة زمنية تعود إلى قرن ونصف قبل ظهور شعر امرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية البارزين، مما يعني أن القصيدة الجاهلية التي مثلها الشعراء الجاهليون الذين وصل إلينا شعرهم لا تمثل بدايات الشعر الجاهلي، ولكنها تمثل القصيدة الجاهلية في مرحلة نضجها واكتمالها الفني.
وفي ضوء المعطيات السابقة يبدو طبيعياً جداً أن يختلف الرواة في تحديد نسبة بعض الشعر الجاهلي، فقد ينسب بيت أو أكثر إلى غير قائله، وقد يضيع شعر كثير لأسباب سياسية أو اجتماعية أو لعدم حفظه والاحتفال به كأن يهمل بعض شعر الصعاليك الذين خلعتهم قبائلهم، فراحوا يعيشون حياة التشرد في أعماق الصحراء وضاعت أشعارهم بصرف النظر عن قيمتها الجمالية أو الموضوعية، كما أن هناك أسباباً أخرى لا محالة –أدت إلى ضياع شعر غزير- ولئن كنا على يقين من أن الدراسات القديمة والحديثة التي أنشئت حول قضية النحل والوضع في الأدب العربي عامة قد أعطت هذا الموضوع ما يستحقه
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|