(المضارعُ) سمّي به لمشابهته الاسمَ في قبول الإبهام والتّخصيصِ؛ لاحتماله الحال والاستقبال, وجوازِ تخصيصه بأحدهما( ), والجريانِ على حركات اسم الفاعل وسكناته, في نحو: ضَارِبٍ, ويَضْرِبُ, ونَاصِرٍ, ويَنْصُرُ, فكأنّهما متواخيان ارتضَعا من ضَرْعٍ واحدٍ, وهو يحصل (بزيادة حروف المضارعة على الماضي) في أوّله . ثمّ إنّ الماضي والمضارع لمّا تخالفا معنًى راموا تخالُـفَهما لفظًا أيضًا في حركة العين, التي عُهد( ) اختلافُها باختلاف الأغراض في الماضي الثلاثيّ المجرّد, الّذي هو أوّل أبنية الأفعال . ]مضارع فَـعَــلَ[
(فإن كان) الماضي ثُلاثيًّا (مجرّدًا على فَعَلَ) بفتح العين, (كُسرت عينُه) في المضارع, (أو ضُمَّت), والكسرُ أوفق بغرض الاختلاف؛ لأنّ مخالفته للفتحة أتمُّ من مخالفة الضمَّ له( ), إذ الضمّة عُلْويّة كالفتحة, بخلاف الكسرة, فإنّها سُفْلِيّة . (أُو فُتِحَت) عينُ المضارع (إن كانت العين أو اللام حرفَ حلق غير ألف), بل أحدُ السِتة الباقية, وهي: الهمزة, والهاء, والعين, والحاء, والغين, والخاء, ليُعارِضَ خفّةُ الحركة ثِقْلَ الحرف( ) الحلقي . ولم يفتحوا العين إذا كانت الفاء حرفَ حلق؛ لأنّ فاء المضارع المجرّد الثلاثيّ ساكنة, فهي ضعيفة بالسكون, فلا حاجة إلى تخفيف العين . وأمّا الألف فهي مع خفّتها ليست متأصّلةً, بل منقلبة عن الواو والياء, فلم يَعتدوا بها في مخالفة الأصل, الذي هو مخالفة حركة عين المضارع للماضي, فضُمّت في الواويّ الأصل, وكُسِرَت في اليائيّ على القياس, وأدّى ذلك إلى ظهور الواو والياء, كصَانَ يَصُوْنُ, وبَاعَ يَبِيْعُ, ودَعَا يَدْعُوْ, ورَمَى يَرْمِيْ . والفتحُ في عين المضارع في ما ذُكر على وجه الرخصة, لا ]على[( ) وجه اللزوم؛ لجواز الضّمِ نحو: دَخَلَ يَدْخُلُ, وصَرَخَ يَصْرُخُ, والكسرِ نحو: نَبَحَ يَنْبِحُ؛ لأنّه جاء على الكسر أيضًا . (وشذّ أَبَى يَأْبَى( )), حيث فُتحت عين مضارعه, وليس عينه أو لامه حرفَ حلقٍ غيرَ ألف, فهو مخالف القياس, وإن كان كثيرًا شائعًا( ), كاسْتَحْوَذَ بترك الإعلال( ), ومثل هذا فصيح في حكم المستثنى عن القياس, ]الّذي[( ) هو على خلافه, على ما تـقــرّر في موضعه . ولعلّ السرّ في فتح العين فيه على ما قيل( ): إنّه بمعنى امْتَنَعَ الذي هو فرع على مَنَعَ, فحُمِلَ على أصل مرادفه في فتح عين المضارع . (وأمّا قَلَى يَقْلَى) بفتح العين في الماضي والمضارع على ما حكاه سيبويه( ), (فعامرِيَّة), أي: لغة بني عامرٍ, والفصيحُ المشهور قَلَى يَقْلِي بالكسر في المضارع، والقَلَى البغض الشديد . (ورَكَنَ يَرْكَنُ) رُكونًا بفتح العين في الماضي والمضارع على ما حكاه أبو عمرو, (من التداخل)؛ لأنّه ورد بضمّ العين في المضارع, مثل: نَصَرَ يَنْصُرُ لغة مشهورة, وحُكِيَ عن قوم رَكِنَ يَركَنُ, مثل: عَلِمَ يَعْلَمُ, فالماضي من الأوّل, والمضارعُ من الثاني، فتداخلت اللغتان الواردتان فيه، والركونُ الميلُ، وجعل الأخفشُ قَنَطَ يقْنَطُ مثله في التداخل . ثمّ إنَّ الضمّ أو الكسرَ في مضارع الفتح قد يكون سماعيًّا موقوفًا على السماع, كنَصَرَ يَنْصُرُ، وضَرَبَ يَضْرِبُ، وقد يكون قياسيًّا غيرَ موقوف على السماع في آحاد الأبنية الواردة على أحدهما . (و) من القياس أنّهم (لزموا الضمّ), ولم يُفارقوه (في) مضارع (الأجوف]30[ بالواو), مع نقله إلى ما قبلها لثقلها عليها, نحو: صَانَ يَصُونُ، ولزموا الضمَّ أيضًا في (المنقوص بها), أي: بالواو مع إسكانها رفعًا, نحو: دَعَا يَدْعُوْ . (و) لزموا (الكسرَ فيهما), أي: الاجوف, والمنقوص (بالياء), نحو: بَاعَ يَبِيْعُ، ورَمَى يَرْمِيْ؛ لمناسبة الضمّ للواو، والكسرِ للياء، ولئلّا يؤدّي الكسرُ في الواويّ إلى انقلابها ياءً، والضمُّ في الياء إلى انقلابها واوًا . (ومن قال) في بناء التفعيل, وبناء اسم التفضيل من طَاحَ بمعنى: هلك، وتَاهَ بذلك المعنى، أو بمعنى ضلّ: (طَوَّحْتُ, وأَطْوَحُ، وَتَوَّهْتُ، وَأَتْوَهُ) بالواو, فذلك يدلّ على أنّهما واويّان؛ لأنّ الواو والياء تبقيان من غير تغيير في البنائين من الأجوف . وعلى هذا (فَطَاحَ يَطِيحُ, وتَاهَ يَتِيْهُ شاذٌّ عنده), إن زعم أنّ الأصل في مضارع كلٍّ منهما الواوُ المكسورةُ, ونقلت كسرتها إلى ما قبلها، وقلبت ياءً، فيكون مخالفًا للقياس, الذي ذُكر من ضمّ عين المضارع في الأجوف الواويَ، وإن كان مطّردًا في الاستعمال . وكَسْرُ فاءِ الماضي المتصل بالضمير المرفوع ـــ وإن لم يكن من بنات الياء ــ للمناسبة, مع الصورة الطارئة للمضارع، أو لتوهّم أصالة الياء فيه, (أو) ذلك عنده (من التداخل) على ما في بعض النسخ، وذلك إن زعم في كلِّ منهما ثبوتَ الواويّ, كصَانَ يَصُونُ، واليائيّ كبَاعَ يَبِيْعُ . وزعم مع ذلك أنّ المتداول في الاستعمال الطارئ هو المضارع اليائيّ, مع الضمّ في أوّل ماضيهما عند اتّصال الضمير المرفوع المتحرّك على قاعدة الأجوف الواويّ، بأن يقال: طُحْتُ, وتُهْتُ مثل: صُنْتُ, فيكون ماضيهما من الواويّ، ومضارعهما من اليائيّ, على سبيل التّداخل، وهو ضعيف؛ لتصريح الثقات بأنّ الضمّ في أوّل ماضيهما عند اتصال الضمير لم يُسمع قطّ، بل المسموع هو الكسر . وزعم الخليل( ): أنّهما واويان على هذه اللغة وَرَدَا من الأجوف على فَعِلَ يَفْعِلُ بكسر العين في الماضي والمضارع, كحَسِبَ يَحْسِبُ من الصحيح . وأمّا في لغة من قال( ) في التفعيل, والتفضيل: طَيّحْتُ, وتَيّهْتُ، وأَطْيَحُ, وأَتْيَهُ, فالأمر ظاهرٌ . (و) من القياس أنّهم (لم يضمّوا) عينَ المضارع (في المثال), واويًّا كان أو يائيًّا؛ استـثـقالًا للجمع بين ياء المضارعة والياء والواو مع الضمّة بعدها, ولا طريق إلى التخفيف بالحذف, فإنّ علّة الحذف في ]نحو[( ): يَعِدُ إنّما هو الوقوع بين الكسرة والياء كذا قيل( ), فهذا هو القياس . (و) أمّا (وَجَدَ يَجُدُ) بضمّ العين في المضارع, فهو (ضعيفٌ) مخالفٌ للقياس, وتفرّد به بَنُو عَاِمرٍ( ), قال شاعرهم لبيد بن ربيعة( ): ]من الكامل[ لو شِئْتِ قد نَقَعَ الفؤادُ بشَرْبَةٍ تَدَعُ الصَّوادِيَ لا يَجُدْنَ غَلِيلًا وحذف الواو إمّا لكون الوقوع بين الياء والضمّة أيضًا موجبًا للحذف عندهم, أو لأنّ( ) الأصل عندهم فيه الكسرُ( ), والضمُّ طَرَأَ بعد حذف الواو عوضًا عنها . (و) من القياس أيضًا أنّهم (لزموا الضمَّ) في عين المضارع (المضاعف المتعدّي)؛ لأنّه كثيرًا ما يلحقه هاءُ الضمير المضمومُ المُشْبَعُ إلى الواو, مع أنّ لامه مضمومة أيضًا, (نحو: يَشُدُّه, وَيَمُدُّهُ), فلو كسروا لزم الانتقال من الكسرة ــ المنقولةِ( ) إلى الفاء للإدغام ــ إلى الضمّة بعدها ضمّة أخرى، والحرف المُدْغَمُ واسطة ضعيفة لا تُجْدِي في معارضة مثل ذلك الثقل، لكنّها تكفي مع وحدة الضمّة, كما في اللازم؛ لعدم لحوق الضمير, و]31[ من ثمّ كان الأكثر فيه( ) الكسرَ الأوفقَ؛ لتخالف الماضي والمضارع, نحو: يَفِرُّ, ويَكِلُّ، وربّما جاء الفتح قليلًا, نحو: عَضَّ يَعَضُّ، وكَعَّ يَكَعُّ كعوعًا إذا جبن على لغةٍ حكاها يونس( ) . ولم يُسمع الكسر في المتعدّي الاّ في قليل( ), نحو: نمَّ الحديثَ رفعه إشاعةً وإفسادًا يَنِمُّهُ، ومنه النَمَّام، وعَلَّهُ يَعِلُّه من العلِّ, وهو الشرب، وهَدَّهُ يَهِدُّهُ, أي: كسره، وصَرَّهُ يَصِرُّهُ إذا جمعه، وحَبَّهُ يَحِبُّهُ بمعنى( ) أحبّهُ, ومنه المحبوب .
وهذه المباحث كلُّها في مضارع( ) الماضي المجرّد المفتوح .
]مضارع فَــعِـــلَ[
(وإن كان) الماضي المجرّدُ (على فَعِلَ) بكسر العين, (فُتحت عينه) في المضارع, ليتخالفا, نحو: عَلِمَ يَعْلَمُ، وخَافَ يَخَافُ، ورَضِيَ يَرْضَى، وكأنّهم لم يَضمّوا مع حصول التخالف ]به[( )؛ كراهةَ الجمع بين الكسر الثقيل في الماضي، والضمّ الثقيل في المضارع . (أو كُسِرَت إن كان مثالًا) واويًّا؛ ليتوسّل به إلى حذف الواو, حيث تقع بين كسرة لازمة وياء المضارعة, فيحصل التخفيف, نحو: وثِقَ يَثِقُ, ووَمِقَ يَمِقُ . بخلاف اليائيّ, فإنّه جاء الفتح فيه مجيئًا شائعًا, نحو: يَئِسَ يَيْئَسُ, ويَمِنَ يَيْمَنُ, ويَــقِــنَ الأمرَ, أي: عَلِمَهُ يَــيْـقَـنُـهُ؛ لأنّ الياء ليست مستـثـقلةً بين الكسرة والياء حتّى يُتوسل( ) بالكسرة إلى حذفها, وربّما جاء الفتح في الواويّ أيضًا, نحو: وَجِلَ يَوْجَلُ . (وطَيِّءٌ( )) يَقْلِب كلّ ياء مفتوحة قبلها كسرة ألفًا, ولذلك (يقول: في باب بَقِيَ يَبْقَى), كعَلِمَ يَعْلَمُ, (بَقَى يَبْقَى) بقلب الياء ]المفتوحة[( ) المكسورِ( ) ما قبلها في الماضي ألفًا, ومنه قول الحماسيّ( ): ]من المنسرح[ نَسْــتَـــوْقِـــدُ الـنَّـــبْـــلَ بِـالحَـضِـيْضِ ونَصْـ طَــادُ نُفُوْسًــا بُـــــنَــــتْ عَــــلَــــى الـــكَــرَمِ
فقوله: بُنَتْ ماضٍ مجهولٌ, أصله: بُنِيَتْ, قُلبت ياؤه بعد نقل الفتحة إلى ما قبلها الفًا, أي: نَرْمِي سهامنا المصقولةَ الشبيهةَ بِشُعَلِ النِّيران من أعلى الجبل, وتَصِلُ إلى الحضيض, فيقع( ) على الأحجار, فَتَخْرُجُ( ) منه( ) النَّار, فكأنّنا نستوقد النَّبل بها في الحضيض, ونَصيد نفوسًا مَبْنيَّةَ على الكَرَم, أي: الرُؤَساء( ) . (وأمّا فَضِلَ يَفْضُلَ) من الفُضَالَة بمعنى البقية, (ونَعِمَ يَنْعُمُ), ودِمْتُ تَدُومُ, ومِتُّ تَمُوْتُ كلُّها بكسر العين في الماضي, وضمّها في المضارع, (فمن التداخل)؛ لأنّ الأوّل جاء مثل: نَصَرَ يَنْصُرُ, وعَلِمَ يَعْلَمُ, والثاني جاء مثل: كرُمَ يَكْرُمُ ]بضمّها[( ), وعَلِمَ يَعْلَمُ, وجاء دَامَ يَدُومُ, كصَانَ يَصُونُ, ودَامَ يَدَامَ, كخَافَ يَخَافُ, وكذا مَاتَ يَمُوتُ ويَمَاتُ, ]كما[( ) قال الشاعر( ): ]من الرجز[ بُــنَــــيَّـــــتِــي¬¬¬ سَـــــيِّــــــدَةَ البَــــنَـــــاتِ عِيْشِـي وَلاَ نَأْمَـــنُ أَنْ تَـمَـــاتِي فأخذ الماضيَ من بابٍ, والمضارعَ من آخرَ . وأمّا الفَضْلُ ضدّ النقص, فالفعـلُ منه كنَصَرَ يَنْصُرُ, لا غيرُ على ما قيل( ) . وجاء في نَعِمَ يَنْعِمُ الكسرُ في الماضي والمضارعِ كِلَيْهِمَا, وكأنّه حُمل في المضارع على مرادفه من المثال, وهو وَعِـمَ يَـعِــمُ, يقال: عِــمْ صَباحًا, وأَنْـعِـمْ صباحًا, أي: ليكن صباحُك ذا نُعومةٍ ولَيِّنٍ . وجاء حَسِبَ يَحْسِبُ, ويَئِسَ يَـيْـئِسُ كلاهما على الكسر في الماضي والمضارع. ]مـضــارع فَـــعُــــــلَ[
(وإن كان) الماضي المجرّد (على فَـعُـلَ) بضمّ العين, (ضُمَّت عينُه) في المضارع لا غيرُ, وذلك قياسٌ لم يُخَالَف إلا في كلمة واحدة شاذّة( ) هي كُدْتُ بضمّ الكاف أَكَادُ, والمشهورُ( ) كِدْتُ بكسر الكاف .]32[ وذلك لأنّ وَضْعَ هذا الباب لمّا كان للصفات القويّة اللازمة, أُخْتِيرَت حركةٌ قويّة للماضي والمضارع فيه؛ للتناسب بين المعاني والألفاظ . ولم يجئ من هذا الباب اليائيُّ من الأجوف والناقص إلاّ واحدٌ في كلّ منهما, أعنى: هَـيُـؤَ( ) الرَّجلُ يَهْـيُـؤُ من غير قلب الياء ألفًا, أي: صار ذا هَـيْـئَةٍ, وبَـهُــوَ( ) يَـبْـهُــوْ, في بَهَى يَبْهَى, أي: صار بَهِيًّا, قلبت الياءُ واوًا للضمّة قبلها, ويحتمل كونه واويَّ الأصل مرادفًا لبَهَى يَبْهَى . والمضاعفُ فيه قليلٌ, نحو: لَبُبْتُ أَلُبُّ على ما حكاه يونسُ( ). فهذه أحكام المضارع الذي ماضيه مجرّدٌ ثُلاثيٌّ .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|