الفن للحياة والفن للفن
تقديم
للأدب تعريفات شتى ،إذ تخضع تلك التحديدات لثقافة الناقد واتجاهه وأفكاره التي يستند إليها . ومن تلك التحديدات ترى الأدب بأنه إنتاج شخصي لأشخاص في مجموعة . وبإزاء جانبي الشخصي واللاشخصي يتمثل (الخاص) و (العام) في الأدب . وإذن فكل عمل أدبي خاص وعام معا، أو بمعنى آخر انه فردي وجماعي معا.
في لحظة الابداع لايستحضر فيها الفنان اي شيء خارج دائرة التجربة ، ومع ذلك فالفنان هو ابن بيئته ، فهو إنسان عادي ، لكنه أكثر قدرة على تحسس الأشياء ، لأنه يمتلك قوى استثنائية تجعله يرى الأشياء بعين أخرى ، والأشياء التي يراها الفنان بعينه الثالثة قد لايراها الناس ولكنه يريهم إياها . فهو –الفنان – كما يراه أرسطو يعبر عن أشياء غير منظورة ، أو منظورة ولكن الناس العاديين قد مروا عليها سريعا . فالعمل الفني –إذا – تحريض للطاقات التي يمتلكها الإنسان العادي وهنا نقطة التحول التي يحققها الفن من الخاص إلى العام ، اي ان الفن ينقل الأشياء من الخصوصية (الخاص) الى العمومية (العام) .
ان العمل الأدبي شأنه شأن الكائن الحي ، له خصائصه الفردية ، ولكنه يشارك الأعمال الفنية الأخرى في الصفات العامة . وفردية الاسلوب الأدبي تتأتى من انه صادر عن فرد ، وعموميته تأتي من انه موجه الى الجماعة . يتضح مما سبق ان الأدب بوجه عام ينبثق منه جانبان يتمثلا في العلاقة بين الأدب والمجتمع . اما الجانب الأول فيبحث فيه عن موقف الأديب من المجتمع ، وعن المضمون الاجتماعي لأعماله الادبية ذاتها ، وأخيرا عن اثر هذا الادب في المجتمع . واما الجانب الثاني فيدرس فيه ظاهرة العبقريه المبدعة الخاصة بالاديب ، واستقلال هذه العقبرية عن مجتمع بذاته.
الفن للمجتمع
انطلاقا من الفرضية التي تسلم بوجود علاقة بين الفن والمجتمع وكونه لخدمة الاخير ، يمكن القول ، ان الفرد عند انتقائه من اللغة ما يسعفه في التعبير عن فكرة ما ، فانه يتأثر بالحساسية اللغوية لجماعته وعصره ، وهو بمقدار ما يعكس من هذه الحساسية يساعد على توطيد الصور الاسلوبية ، ولكن حساسيته الشخصية تقوم كذلك بدور فعال ، فهو ذاته يستطيع في هذه الحال ان يؤثر في جماعته التي ستؤثر بدورها في مجالات واسعة . معنى هذا ان هناك تبادلا في التأثير والتأثر بين الاديب ومجتمعه في انتاجه الادبي . فالاديب يتأثر بالحياة الخارجية السائدة في بيئته القائمة في مجتمعه ، وهو يستمد أدبه من حياة هذا المجتمع . وهو – الاديب – حينما يتأثر بالمجتمع إنما يعكس فهمه هو على هذا المجتمع ، والادب تصوير لهذا الفهم ونقل له . أما أن ينقل الاديب حياة المجتمع او ان يكون المرآة التي تعكس حياة هذا المجتمع ليتلقاها او يراها المجتمع ذاته فعبث ليس من الادب في شيء ، فالاديب يتخذ لنفسه دائما موقفا فكريا من مجتمعه .
ومن هنا يمكن القول ان الاديب يؤثر في مجتمعه ، انه يعيش في مجتمع ولكنه لاينتج ادبه الا في الحالة التي تستقل فيها ذاته عن هذا المجتمع ، متخذة موقفا فكريا خاصا به .
ثمة عوامل تؤثر تأثيرا واضحا في انتاج الاديب مرجعها الى المجتمع . ولكن فعل هذه العوامل لايكون قويا ذا أثر بعيد في العمل الادبي الأصيل . من ذلك ان الاديب يكتب لجماعة دائما ، وهو –فضلا عن انه يحقق ذاته في الجماعة بهذا العمل – يريد ان يؤثر فيهم وان يكسب رضاهم . ووسيلته الى هذا التأثير وهذا الكسب ان يحدثهم فيما يعنيهم . والادب الجيد هو الذي يستطيع ان يؤثر في مجتمعه وان يكسب رضاه دون ان يخضع لارادة هذا المجتمع ، بل ربما استطاع تحقيق ذلك وهو يقف معارضا للمجتمع . اذ يتأثر بالمجتمع – سلبا او ايجابا – ثم يحاول التأثير فيه ، وهو تأثير له خطورته لانه مسكون بآيديولوجيا الكاتب وأهدافه وغاياته وآماله.
والمضمون الاجتماعي للعمل الادبي – بهذا المعنى – لا يستمد في الحقيقة من واقع الحياة في المجتمع ، بل من موقف الاديب الفكري من الحياة في هذا المجتمع ، والمضمون في ذاته قيمة .وهو قيمة تتولد عن موقف الاديب الفكري من القيم الاخرى السائدة في المجتمع ، فالعمل الادبي ذو المضمون الاجتماعي هو الذي يضيف الى مجموعة القيم الحاصلة قيمة جديدة قد تلغيها او تعدل منها .
من هنا يتضح أثر الادب في المجتمع ، فهو بما يقدم اليه من قيم جديدة يساعد على تغييره وتشكيله ، فأبطال القصص والمسرحيات – على سبيل الاستشهاد ليست سوى قيم مجسمة ، وكثير من الناس قد غيروا او عدلوا من اتجاههم في الحياة ، وفهمهم لها ، وموقفهم منها ، متأثرين بشخصية بذاتها في قصة او مسرحية ، او بمعنى اصح متأثرين بقيمة جديدة او بمضمون ما . وابرز من نادى لهذا الاتجاه : سقراط ، وافلاطون ، وارسطو ، والروائي الروسي تولستوي ، والمدرسة الاشتراكيه ( الاتجاه الاجتماعي الهادف للفن ) ، والتيارات الفلسفية (الوجوديه) سارتر .
الجانب الثاني : الفن للفن
ابرز من نادى لهذا الاتجاه الفيلسوف (كانت) الذي يرى الفن لعب ولهو . والشاعر الفرنسي تيوفيل جوتييه ، اذ نادى بهذا الاتجاه في اواخر القرن التاسع عشر . يتسم هذا الاتجاه بالفردية والفن الخالص ، ويؤمن بان الفنان ينتج لنفسه دون ان يفكر بالاخرين ، وربما يكون لهذا الاديب نفع للآخرين اوضرر عليهم ، ولكن دون ان يقصد الاديب لذلك النفع او الضرر .
يرى اصحاب هذا الاتجاه ان الموهبة والالهام تمثلان قوة خفية تدب في الانسان (المبدع ) مستقلة عن مجهوداته الخاصة . فمثلا نجد (موزار) يؤلف في سن السادسة ،و (كيتس ) يستوي شاعرا عظيما في سن العشرين ، ويكتب (هيوم) عملا فلسفيا في الثانية والعشرين ، فهل الموهبة او العبقرية ابداع ام مجرد منفذ يعبر روح العالم وعقله عن نفسيهما بواسطته ؟.
اذا سلمنا بكون الموهبة يتحدد فيها الابداع اسقطنا أثر البيئة في انتاج الفنان والاديب ، لان موزار في سن السادسة لايمكن ان يقال انه حين الف اعمالا موسيقية كان قد اتخذ لنفسه ( موقفا فكريا) خاصا من مجتمعه ، وان تأليفه كان متأثرا بهذا الموقف . واذا سلمنا بكون العبقرية (الموهبة) لاتعدو ان تكون منفذا او معبرا يمرر من خلاله ، الغينا كيان الاديب وفرديته وقربنا من القول بالآلية.
من ذلك يمكننا القول إن للأديب فرديته ولا شك ، ولكنها الفردية المتحققة بوجود المجموعة وفيها . وهو كذلك له عبقريته المبدعة ، ولكن ما يبدعه لا تكون له قيمة إلا بما يحدث من أثر في المجموعة .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|