مسرحية (( الضفادع )) لارستوفانيس
وصفها النقاد الغربيون : (( بأنها تفوق اعمال دريدن دقة ومقالات كولروج عمقا وأبحاث ارنولد وسان بيف اصالة )) . ولقد لاقت الضفادع بالفعل نجاحا كبيرا حين قدمها اريستوفانيس على المسرح الاثيني لاول مرة عام ( 405) ق . م ولا ادل على اعجاب اليونان بها من انهم طالبوا بعرضها مرة ثانية ، وهذا تقدير لم تنله الى الالياذه . ما السبب اذا ان هذه المسرحة احتلت هذه المنزلة السامية ؟ ايرجع ذلك الى ما تتضمنه من فكاهات مضحكة وطرائق شيقة ؟ ام الى ماعالجته من مشاكل وطنية وموضوعات سياسية ؟ ام الى ما تناولته من دراسات دقيقة في النقد ونظريات هامه في طبيعة الشعر ووظيفته ؟ ويبدو انها نالت اعجاب الاثينيين لأهميتها السياسية وان لم تشتهر في العالم الحديث من اجل ذلك انما اثارت اهتمام الباحثين لأنها اقدم نص ادبي يتضمن دراسة متصلة للمأساة اليونانية وتحليلا دقيقا لمسرحيات اسيخولوس ويوربيدس وشرحا واضحا لرأي كل منهما في وظيفة الشعر وطبيعته . لذا وصفها سانتسيري بأنها تفوق المؤلفات الحديثة دقة وعمقا وأصالة . ولقد عرض اريستوفانيس هذه الملهاة بعد ان كان زعماء المأساة الثلاثة قد انتقلوا الى عالم الموتى وضلت اثينا من شعرائها الكبار وأصبحت تعج كما قال ريونوسوس بمئات من المتشاعرين الذين حطوا من قدر الفن فلم يوجد بينهم شاعر اصيل بارع ينضم شعرا ساميا بل كانوا جميعا يؤلون بالفشل وتختفي اسمائهم من عالم الادب بعد عرض اول مسرحية يقدمونها . لذلك رأى هذا الاله انه لابد من التوجه الى هاويس لارجاع يوربيدس الى عالم الاحياء ، لان اثينا كانت في حاجة الى شاعر مبتكر مثله ، وما ان وصل هناك حتى سمع بخلاف شديد قد احتدم قبل مجيئه بلحظات ، بين أسخيولوس الذي تربع على عرش المأساة وبين يوربيدس الذي يريد ان يختصب العرش منه ويحتل مكانه ، ويقترب ديونوسوس من الشاعرين المتخاصمين ليقف على تفاصيل الموضوع فيطلبان اليه ان يحكم بينهما فيقبل التحكيم ثم تبدأ المباراة فينتقد كل منهما الاخر في لغته وأسلوبه وفلسفته الخلقية وفي مقدمة مأسية وفي تركيبها ووظيفتها وفي أوزانه وأشعاره الغنائية ورغم ذلك كله يصعب على الاله ان يفضل شاعرا على الاخر فيلجأ الى وسيلة جديدة فيسأل كل منهما رأيه في سياسة القائد الكيبياديس فيقول يوربيدس (( أنه يكره الرجل الذي يتلكأ في خدمة وطنه ويسارع الى اللحاق الضرر به ، الرجل الذي يسعى الى تحقيق مأربه الشخصية ولا يؤدي واجباته القومية )) ويرد اسخيولوس قائلا : (( لاينبغي ان نربي اشبالا في المدينة اما أذا اربينا واحدا وكبر بيننا فيجب ان نرضى عن تصرفاته )) . لكن الحكم لا يرضى عن اجابة الشاعرين ويطلب الى كل منهما ان يوجد النصح السديد الى اثينا في محنتها الشديدة ، فيعبر يوربيدس عن رأيه قائلا : يجب علينا ان نرتاب في هؤلاء الذين نثق فيهم اليوم ، وتعتمد على الذين لم نثق فيهم من قبل وان نلجأ الى وسائل غير تلك التي اتبعناها فيما مضى )) . أما اسخيولوس فينادي بدفع الضرائب والاستمرار في الحرب . وعندئذ يقترب بلوتون اله الموتى من ديونوسوس ويطلب اليه ان يختار الشاعر الذي يفضله فيقرر الحكم فجأة ارجاع اسخيولوس الى اثينا . تلك هي الفكرة الرئيسية للملهاة التي خصص اريستوفانيس الجزء الاكبر منها لدراسة الشعر التمثيلي في عصره . فما ان يصل ديونوسوس الى العالم الاخر حتى نسمع خادم هذا العالم يمتدح منطق يوربيدس القوي ، وحججه البراقة ويشير الى تمسكه بوزن الشعر بيتا بيتا وكلمة كلمة وقياس الابيات قياسا دقيقا بوضعها في الموازين والقوالب المربعة ثم نرى سخيلوس غاضبا ثائرا على هذه الفكرة التي تحط من قدر المأساة . . . ومع ذلك تبدأ المباراة ويعيب يوربيدس على زميله الطريقة التي كانت يستهيل بها مسرحيته ، وذلك بأن يظهر شخصية تجلس صامته ، وقد أضفت وجهها لا تلفظ بيت فيه رغبة في خلق جو رهيب ، ثم ينتقد لغته التي يحشوها بالفاظ ضخمة كالثيران وكلمات غريبة لايعرفها المتفرجون مما دفع يوربيدس الى تخليص المأساة من كل نادر رنان وتجنب الغموض والابهام فجعل شخصية تشرح بمجرد ضهورها الفكرة الجوهرية للمسرحية ولم يسمح للمثل ان يقف خاملا بلا حراك بل اشرك الجميع في الحوار ، السيد والسيدة الصبية والعجوز والعبد ايضا كما علم الاثينيين كيف يقيسون الشعر وكيف يخضعونه لقواعد دقيقة وكيف يقلبون كل شيئ على كافة الوجوه وجب اليهم البحث والتحليل . فرد اسخيلوس على هذه الاتهامات قائلا : (( يحتم على شاعر المأساة ان يبتكر عبارات سامية تناسب الافكار النبيلة والحكم الرائعة التي تضنها )) . وهذا ما نادى به ارسطو بعد ذلك في كتابة فن الشعر عندما قال : (( ان المأساة محاكاة فعل نبيل تام بلغة ملائمة )) ثم يفتخر اسيخولوس بأنه ملأ المأساة بالحرب والجنود البواسل والشباب القوي الذين يعيشون بين الحراب والرماح والقبعات والخوذات لانه كان يعتقد ان وظيفة الشاعر هي معالجة الموضوعات الهامة النافعة ويدلل على ذلك بأن أشهر منشدي اليونان وشعرائهم هم (( الذين علموهم اسرار الدين والنبؤات والطب وفلاحة الارض واعمال الزراعة وتنظيم المعارك والشجاعة في الحرب )) . ويتضح من ذلك ان خالق المأساة كان يرى ان رسالة الشاعر في المجتمع هي تلقين الشباب مبادئ الفضيلة وتعليمهم الامور النافعة والغريب ان اريستوفانيس ينطق اسيخيولوس بمثل هذه العبارات ثم ينساها او يتناساها في نهاية الملهاة حيث يترك للحكم حرية مطلقة في تفضيل الشاعر الذي تميل اليه نفسه ويتوق الى سماعه فيختار اسخيلوس ولكن لماذا ؟ وهذا ما لم يوضحه لنا كأنه اراد ان يفرض علينا حكما معين مع انه يعترف اكثر من مرة براعة يوربيدس الفنية التي تظهر بوضوح في تركيب مأسيه وصياغتها في اسلوب فياض متدفق بلغة مبتكرة تمتاز بالفاظها السهلة وأنغامها العذبة كما اعترف ببراعته في تصوير شخصياته تصويرا حيا صادقا . فلماذا اذن فضل اسخيولوس عليه ؟ الا أنه كان يملأ مأسيه بالحروب التي يضعها ويتغنى بها ويشيد بمن يخوضون غمارها ام لانه كان في رأي اريستوفانيس يعالج موضوعات اجمل من تلك التي تناولها يوربيدس ؟ ان روح الملهاة وأفكار الناقد في مسرحياته الاخرى تدفعنا الى هذه النتيجة وتبين بوضوح ان ارستوفانيس ادرك تماما ان عظمة الشاعر تتوقف على امرين : الموضوع الذي يعالجه . والبراعة الفنية في بناء المسرحية وأمن ان اسخيولوس ويوربيدس يستحقان التمجيد لانه احدهما موهوب في أختيار موضوعاته والاخر بارع في فنه ، فاذا لم يشأ ارستوفانيس الافصاح عن هذه الحقيقة فذلك لان الظروف السياسية انذاك فرضت عليه الا يمدح يوربيدس الذي كان يهاجم الحرب ودعاتها . والا ينسى انتصار الاثينيين في ماراثون وسلاميس وان يشيد بالاخلاق والتقاليد التي أدت الى احرازه . يجب اذا ان نفهم موقف ارستوفانيس على حقيقته . . لقد عبر عن رأيه في تحفظ شديد فلم يشأ ان يغضب الساسة والمحافظين ، اعداء يوربيدس ، ولم يشأ ايضا ان يرضهم على حساب شاعر كان يقدر فنه ويعجب ببراعته ، ودليلنا على ذلك ان كثيرا من الاراء التي اصدرها ضد يوربيدس لاتزيد على فكاهات اوردها في ملهاته بقصد التسلية والترويح فمثلا قوله على لسان اسخيولوس : (( انني ارفض المباراة مع يوربيدس لان شعري لم يمت في حين ان شعر زميلي قد مات وأتى معه الى عالم الموتى )) . ليس إلا دعابة طريفة وكذلك وضع الشعر بالميزان وتقيمه بالمقياس ليس إلا فكاهة مثيرة اراد بها ان يضحك المتفرجين ويبين لهم ان تحليل الشعر تحليلا دقيقا كان من ابتكار يوربيدس ..، يضاف الى ذلك ان ارستوفانس يشعرنا بالمسرحيات الثلاث التي تناول فيها دراسة الشعر بأنه كان معجبا بيوربيدس (( الذي كان يتمتع بشهرة فائقة وأصبحت أشعاره على كل لسان . . كما يتضح من عشرات الابيات الرقيقة التي استشهد بها ارستوفانس في ملهاة ( النساء في عيد تسمو فوريا ) )) . حيث صور يوبيدس في صورة رجل ملخص لصديقه بارع في صلته عميق في تفكيره . وقد بلغ اعجاب الناقد بشاعر المأسي حدا بعيدا فأصبح لا يحلو له إلا تلاوة أشعاره وتحليلها ودراستها والاقتباس منها وترديدها في مسرحياته . حتى ان كراتينوس اتهمه بتقليد يوربيدس ، كما اشتق النقاد من اسم الشاعرين مصدرا يدل على هذه المحاكاة كيف يقال اذا ان ارستوفانس نظم الضفادع ليهاجم يوربيدس وكيف يفسر رجوع اسخيولوس مع ديونوسوس الى اثينا بأنه تفضل لذلك الشاعر على منافسة يوربيدس ؟ ان الناقد لم يعترف بذلك ابدا بعد المباراة الادبية بين الشاعرين بل اكد انه لايستطيع الحكم بينهما لانه يريد الاحتفاظ بصداقتهما لان احدهما بارع مبدع والثاني بارع ممتع فكيف نتجاهل هذا الرأي الصريح ؟ وهل كان في مقدور ارستوفانس ان يقلل من شأن يوربيدس بعد ان اعترف ببراعته الفنية ان يتخلى فيما ادخله على المأساة من تجديد وابتكار ؟ الم يقرر يوربيدس اغنى المسرحية بعدد من الشخصيات . التي لم تعرفها من قبل وانطقها كل ما يدور بخلدها ، وجعلها تتكلم في شتى الموضوعات التي حرمها عليها اسخيلوس وسوفوكلس . كما ادخل على دور الجوقة تغيرا شاملا فبعد ان كانت تسرف في المناقشات الدنية التي لاتضر ولا تنفع اصبحت تعنى بالموسيقى والرقص وتردد مقطوعات غنائية تشهد ببراعة في التعبير والدقة في تصوير الاحساسات العميقة كذلك ابرز اهمية المقدمة في المأساة وضرورة الاعتماد عليها في اول المسرحية لتخليصها من الغموض الذي اصابها على يد اسخيولوس ومع ذلك فنحن لاننكر ان ارستوفانس قد عاب على يوربيدس ومقالاته في فهم الحرية الفكرية والحرية الدنية واهتمامه بتعليم الشباب كيف يناقشون كافة الموضوعات ويخرجون عن التقاليد وبها جمدت العبارات القديمة وهذا نقد لايقلل من شأن يوربيدس كشاعر فنان مبدع ، انما يبين ان الناقد لم يرض فقد عن تأثره بالفسطائين . ويظهر انه نسى ان فريقا من الباحثين عابوا عليه نفسه ما عابه على يوربيدس وأعتبروه هو الاخر سئولآ عن نبذ القديم ، ونشر المبادئ الحديثة . ولكن مهما يكن من امر هذه الخلافات فنحن نرى ان ارستوفانس كان صادقا في حكمه عندما ارسل يوربيدس الى عالم الموتى ليبعث يوربيدس حيا ، ويعود الى اثينا لانها كانت في حاجة ماسة الى هذا الشاعر البارع المجدد ، وكان صادقا ايضا حين وافق ديونوسوس على ارجاع اسخيولوس لانه ممتع مفيد . وبذلك يكون قد اعترف بعضمة يوربيدس الفنية ويبين لنا كيف كان هذا الشاعر لا يهتم بالموضوع قدر اهتمامه بتركيب المأساة تركيبا فنينا يشهد ببراعته اللغوية والموسيقية والغنائية وعبر ايضا عن اعجابه باسخيلوس الذي كرس جهده لتناول موضوعات جدية نبيلة تهدف الى تلقين الفضائل وتعليم الافكار النافعة . . . وهذا دليل قاطع على ان ارستوفانس لم ينظم ملهاة الضفادع ليهاجم يوربيدس ولم يكن ناقدا محيزا بل كان دقيقا بدراسته للشعراء وتحليله لقصائدهم قوي الملاحظة اعتمد في نقده على عدة نقاط اساسية : الابتعاد عن المبالغة والتهويل ، البعد عن التكلف والتصنع ، ضرورة ربط الادب بالحياة ، اهتمام الاديب بالجانب الفني في قصائده ، واعتبار الذوق السليم والرأي السديد مقياسين هامين في تقيم العمل الادبي والحكم عليه . ولهذا سماه العلاقة اتكينز (( خالق النقد القديم وأول ناقد بالمعنى الصحيح )) بنى احكامه في النقد على اسس جمالية ، وأخرى نفعية ، وأتبع في نقده منهجا علميا سليما فأعتمد على دراسته النص الادبي دراسة متصلة وتحليله تحليلا دقيقا والإحاطة التامة بظروف الاديب وحياته وأثر ذلك على عمله الادبي وجدير بالذكر ان ارستوفانس هو أول ناقد ابدى اهنمامه بالجانب الفني في نظم القصيدة لايقل عن اهتمامه بموضوعها لا شك انه لم يغفل الاهداف الدنية والخلقية التي يرمي اليها الاديب ولكن هذا لايعني انه لم يتأثر بالنزعة الواقعية التي تميزت بها الفنون والاداب اليونانية في القرنيين ( 4 – 5 ) ق . م حين تحررت من قيود العصور السابقة واصبحت لا تبغي من الفن شيئا اكثر من الصورة الفنية . وكان ارستوفانس ايضا أول من تبع الاسلوب العقلي في النقد وهو نفس الاسلوب الذي اتبعه يوربيدس في تناول الاساطير والمعتقدات الدينية حين جردها من جلالها وروعتها وأفقدها قدسيتها . وهكذا اتجه النقد اليوناني في مسرحيات ارستوفانس اتجاها علميا دقيقا لا تنقصه الا القوانين التي سيفكر افلاطون في وضعها فلا تنجح ثم يخلفه تلميذ ارسطو الذي يفيدمن بحوث ارستوفانس ويجعل النقد الادبي علما دقيقا رصينا .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|