انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

محمد مهدي الجواهري

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة شيماء محمد كاظم الزبيدي       16/12/2017 17:38:30
محمد مهدي الجواهري
ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري في 26 تموز 1899 في مدينة النجف في العراق وينتمي الى أسرة عريقة عرفت باهتمامها بالشعر والأدب والعلوم الدينية وارتبطت شهرتها بجدها الفقيه الشيخ محمد حسن وهو أحد أعلام الفقه في عصره ‘ وقد بلغ أن يكون في القرن الثالث عشر الهجري مرجعآ دينيآ أعلى ‘ وقد ألف كتابآ سماه " جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام " ومن اسم هذا الكتاب لحق با لعائلة هذا اللقب " الجواهري" فكان يطلق على أولاده من بعده اسم أولاد صاحب " جواهر الكلام ثم أولاد صاحب الجواهر ثم بعد ذلك بال الجواهري (1)
نشا محمد مهدي الجواهري في ظل أسرة شغفت بالأدب ‘ فقد نبغ كثير من أفرادها في قول الشعر ‘ فقد كان أبوه الشيخ الحسين شاعرآ ‘ وكان أخوه الأكبر عبد العزيز شاعرآ وكان الأخر الهادي شاعرآ ‘ ولكن لم يبلغ أحد من أهل بيته موهبته الشعرية ‘ ولم ينصرف أحد منهم انصرافه إلى الشعر (2)لهذه الأسرة الكبيرة في النجف مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار لشخصيات الأدبية وكان الشاعر يحضر وقائع هذه المنتديات الأدبية وينتفع بما يسمعه من شعر ينشد فيهاوبخاصة شعر فحول الشعراء مثل المتنبي وأبي تمام وأبي العلاء والشريف الرضي و غيرهم ‘ فضلآ عما يذكر فيها من موضوعات أدبيه أخرى
أما تعليمه فقد درس على عدد من شيوخ العلم في مدينته وأخذ عنهم النحو والصرف والبلاغة والفقه وما إلى ذلك مما هو معرف في منهج الدراسة آنذاك

______________
(1)ينظر الجواهري دراسة ووثائق‘ محمد حسين الأعرجي ‘ المدى ‘ دمشق ‘ 2002 ‘171 والجواهري من المولد حتى
النشر ‘ علي جواد الطاهر ‘ نشر في مقدمه ديوان الجواهري ‘ دار الحرية للنشر 2008:11 الجواهري وسيمفونيه
الرحيل ‘ د‘ خيال محمد مهدي الجواهري ‘ منشورات وزاره الثقافة ‘دمشق ‘ 1999‘
ص5
(2) الجواهري دراسة ووثائق :17 _18
(3) مقدمه الديوان:6






وكان التعليم يقوم على التلقين والحفظ وفي ذلك يقول الجواهري درست النحو والصرف وعلم البلاغه والبيان وطول مراحل الدراسه هذه كنت اقضي النهار بكامله احفظ واحفظ واواصل بانتظار ساعه الامتحان الرهيبه التي قال عنها نابليون خضت جميع الحروب فوجدت الامتحان اصعب فكيف واذا كان الممتحن والدي الغضوب(1)
ويبدو انه تلميذ في اول حياته على والده ويظهر ان الجواهري لم يكن راضيا عن ذلك لانه دفع طفولته ثمنا لذالك اذا حرم ان يعيش طفلا ويلهو مع اترابه ويستمتع بحياه طفوله وفي ذلك يقول الجواهري "دفعت الثمن غاليا فقد شاء والدي لسوء الحظ ان يدفعني الى عالم الكبار ووجاتهم المتزمته مختزلا طفولتي فوق ماتتحمل بل لاغيا لها احيانا والاشد مرارة هو ان ذلك بدافع الحب"(2)
وبعد اكمال دراسته ادر النجف وعمل معلما للفه العربيه في احدى مدارس الكاظميه ثم بعد ذلك عين موظفا في التشريفات الملكيه في البلاط وكان برفقه الملك فيصل من عام 1927_1930 ثم عمل بعد ذلك في الصحف منها الفرات عام 1930 ثم جريده الانقلاب 1936 ثم جريده الراي العام 1937 وظل يعمل بالصحافه مده طويله من الزمن واعترضت سبيله الكثير من المصاعب والمنغصات في هذ الميدان اذ كانت الكثير من مقلات هذه الصحف تتعرض لسياسه الحكومه انذاك فبادر الحكومه الى اغلاق تلك الصحف وماان تغلق صحيفه حتى يبادر الجواهري الى فتح صحيفه اخرى بعد مدة من الزمن وفي خريف عام 1947 اصبح نائبا عن محافظه كربلاء في المجلس النيابي ولم تمض اسابيع حتى استقال اثر اندلاع وثبه كانون عام 1948 التي استشهد فيها شقيقه جعفر

(1)رحله في ذاكرة الجواهري .ماهر عزام بحث منشور في كتاب الجواهري وسيمفونيه الرحيل ص219_220
(2)المصدر نفسه .ص 219








يكشف لنا ديوان الجواهري الاول عن اعتماده على مخزون ثقافي تجمع من قراءاته الشعر
القديم واطلاعه الواسع على كتب اللغه والنحو والبلاغه وماحفظه من شعراء عصرة المشهورين. كشوقي. وحافظ. والزهاوي .والرصافي (1)
ويبدو ذلك جليا في قبول الجواهري وهو يسدي النصائح للشعراء الشباب في مقاله نشرها بعنوان "المفرده حياه حافله وليست حروفا "في مجله الاديب العراقي العدد الاول عام 1961 قال فيها" احفظو ايها الشباب في اتحاد الادباء شعرا كثيرا وكثيرا وادبا قبل ان تقولو شعرا كثيرا او قليلا انكم تحفظون فلا بد لكم ان تفهمو ماتحفظون ثم لابد لكم شىتم ام ابيتم ان تهضمو مافهم ثم لابد لكم ان تبدلو كثيرا من مفاهيم الامور والاشياء والاشخاص والجماعات على ضوء من هذا الهضم الواسع العميق ....) (2) هكذا راى شاعرنا الكيفيه التي يتم من خلالها قول الشعر وتجري قصائد الجواهري _ في هذه المرحله _ على هذ النحو مع الموروث فالمحاكاه كثيرا ماتجى مماثله في المناسبه مع بعض التغيير . ولايوجد قارئه كثير ا من العناء في ارجاع معظم قصائده في ديوانه الاول الى مصادر من التراث واعاده صورة الى الشعراء القدامى وقد لايسعف الشاعر نموذج واحد من القديم بل يعتمد الى مجموعه النماذج المشابهه في القافيه والوزن والموظوعات يلقط تشبيهاته واستعاراته ليكون صورة ويمكننا ان نجد كثيرا من قصائد تقع تحت هذ النوع من محاكاه القصائد الشعريه القديمه ومنها هذه القصيده (الثورة العراقيه) التي كتبها الشاعر (1921)

ط

(1)تطور الشعر العربي الحديث,د.علي عباس علوان ,دار الشؤؤن الثقافيه بغداد ,ص259
(2) الجواهري دراسات نقديه ,اعدها فريق من الكتاب العراقيين ,اشرف على اصدارها هادي العلوي بغداد 1969 واخذ النص من بحث بعنوان ((الجواهري والتراث)) هاشم الطعان ,ص134
(3) تطوير الشعر العربي الحديث259






سافر الى عدد من البلدان العربيه وغير العربيه في عام 1948 فقد زار باريس ومنها بولونيا للمشاركه في مؤتمر المثقفين وفي عام 1950سافر الى مصر وحل ضيفا على الحكومه المصريه كان الدكتور يومها طه حسين يشغل منصب وزير في عام 1951 وذهب الى بيروت لتابين الشخصيه المعروفه عبد الحمد كرامي واشتهرت قصيدته الرائيه واذيعت بين الناس وبخاصه مطلعها الذي يقول فيه
باق واعمار الطغاه قصار من سفر مجدك عاطر موار
اقام بدمشق وكتب العديد من القصائد الجميله فضلا عن اشرافه على القسم الثقافي في مجله الجندي
وفي عام 1961 رجع الى العراق وتعرض الى مضايقات واسفزازات انتهز فرصه حضورة حفل تكريم الاخطل الصغير في بيروت ومنها اتجه الى براغ حيث حل ضيفا على اتحاد ادباء الجيكوسلوفاكيين ومكث هناك سنوات عديده كتب خلالها رائعته"يادجله الخير".
حييت سفحك عن بعد فحييني يادجله الخير ياام البساتين
عاد الى العراق عام 1969 وففي عام 1971 ارأس الوفد العراقي لحظور مؤتمر الادباء العرب في دمشق وفي عام 1973 شارك مؤتمر الادباء التاسع الذي عقد في تونس وبقي يتنقل مابين براغ وبغداد حتى عام 1980 حيث غادر العراق واتخذ براغ مقرا له.
وفي عام 1992 فجع بوفاة زوجته ام نجاح امونه الجواهري وقد رثاها بقصيده جميله مطلعها
هانحن امونه نناى ونفترق والليل يمكث والتنهيد والحرق
خمسا وخمسون عشناها مراوحه نبز من سعدوا فيها ومن شقوا
وفي صبيحه السابع والعشرين من توز 1997 غادرنا الى دار الخلود وتم تشييعه ودفن في مقبرة الغرباء في السيده زينب (ع) وبجوار زوجته امونه.







ووصفت بانها من قصائد الحرب الجميله الفريده التي قيلت انذاك(1)
لعل الذي ولى من الدهر راجع فلا عيش ان لم تبق الا المطامع
غرور يمنينا الحياه وصفوها سراب وجنات الاماني بلاقع
نسر بزهو من حياه كذوبه كما افتر عن ثغر المصافي مخادع
الام التواني في الحياه وقد قضى على المتواني الموت هذ التنازع
الم تر ان الدهر صنفان اهله اخو بطنه مما يعد وجائع
اذا انت لم تاكل اكلت وذله عليك بان تنسى وغيرك شائع
تحدث اوضاع العراق بنهضه ترددها اسواقه والشوارع
وصرخه غيران لانهاض شعبه وانعاشه تستك منها المسامع
يبدا الشاعر قصيدته بالابيات الاربعه التي تتضمن حكمه لاتخص بموضوع هذه القصيده وقد تصلح هذه الحكمه لكثير من القضايا كما ان هذه القصيده تظهر بشكل واظح تاثير الشاعر بقراءته الشعريه السابقه , فهي تزخر بالالفاظ التي استقاها من الشعر القديم فمطلع القصيده يذكرنا بما قاله الفرزدق في قصائد العينيه (3) ويقول الفرزدق:
ولكن هما عماي من ال مالك فاقع فقد سدت عليك المطالع
ويكرر الفرزدق صورة (المطالع المسدوده) في القصيده نفسها:
غداه اتت خيل الهذيل وراءكم وسدت عليكم من اراب المطالع
وللفرزدق عينيه مطلعها:
اني الى خير البريه كلها رحلت وما ضاقت علي المطالع
ونكتشف من مطلع القصيده ان (الحدث) ليس هو المحرك لاحاسيس الشاعر وانفعلاته فليس في هذه الابيات شي من المعاناه او الانفعال العفوي بالحديث
(1)لغه الشعر بين جيلين,د ابراهيم السامرائي ص118
(2)الديوان:ص186 _187
(3)تطور الشعر العربي الحديث:ص259




وانما نحن امام ارتداد الى مخزون ثقافي عامر يتزود منه الشاعر كلما تقدم في القصيده
ان من سمات الشاعر الكلاسيكي عنايته التامه بالجزيئات ومحاولته الاحاطه بكافه تفاصيل الفكرة او الحدث ,او الصورة,فها هو يعود الى فكرة (الدهر) ومتناقضاته وهي ذات الفكرة ولكن بصورة تكرر وتتراكم ففي المرة الاولى (ذهاب الدهر ورجوعه) وفي الثانيه(الدهر المقارع)وفي الثالثه (الدهر المخادع )وتاتي التراكيب والثور التقليديه (اخو بطنه) (لم تاكل اكلت)التي نجدها صدى لقول زهير ابن سلمىى (1)
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لايظلم الناس ظلم
و(تستل منه المسامه)ترديد لبيت النابغه في اعتذارة المعروف:
اتاني ابيت اللعن انك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع
وكذالك نجد مثل هذه الابيات الشعريه التي تذكرنا بابيات قالعا شعراء جلهليون كقول
الجواهري:
هبو ان هذ الشرق كان وديعه ولابد يوما ان ترد الودائع
ويشبه ماقاله الشاعر لبيد في رثاء اخيه اربد:
وما المال والاهلون الا ودائع ولابد يوما ان ترد الودائع
اضافه ان صور الجواهري الاخرى(الدهر راجع) تبقى (المطالع) (غرور يمنينا) (صفوها سراب) (افتر الثغر) (مقارعه الدهر) (مصاحبه الايام) استخدم الطباق (ولى راجع) وفي البيت الثاني (جنات بلاقع) (المصافي والمخادع) قد اخذها من مخزونه الثقافي مما جعل هذه القصيده لاتعبر بشكل فاعل عن الحدث الذي كتبت من اجله القصيده (2) ولا عن مشاعر الشاعر تجاه الثوار والثورة ولم يلامس حدث الا ملامسه بسيطه تجلت في قوله:
تحدث اوضاع العراق بنهضة ترددها اسواقه والشوارع
(1)تطور الشعر العربي الحديث:ص259
(2)تطور الشعر العربي الحديث ص261



واذا كان الجواهري في مرحلته الاولى يتعامل مع المروث الشعري القديم بطريقه الاتكاء والتقليد والاحتذاء فنجده في مرحله الثانيه والمتمثله في شعرة الذي قاله في اربعينيات القرن الماضي الذي يمثل مرحله نظجه الشعري فقد تعامل مع موروثه الشعري القديم تعاملا جيدا اذ اجاد فهمه (1)وتوظيفه في شعرة بحيث يبدو ملتحما مع تجربته الشعريه الجديده وعلى الرغم من تشربه بالتراث القديم الا انه افلح في اغناء شعرة بميزات شعريه تخصه هو دون غيرة والمثال البديع الاتي يبين مااعني فهو شبيه الشبه بالقديم من حيث الشكل واللغه وقوة الحبك لاكنه فريد لايذكر المرء باي شعر قديم(2)"
اطبق دجى,اطبق ضباب اطبق جهاما ياسحاب
اطبق دخان من الضمير محرقا اطبق عذاب
اطبق دمارا على حما دمارهم اطبق ثباب
اطبق جزاء على بناة قبورهم اطبق عقاب
اطبق نعيب يجب صدا ك البوم اطبق ياخراب
اطبق على متبلد بين شكا خمولهم الذباب
لم بعرفو لون السما لفرط ماانحنت الرقاب
ولفرط ماديست رؤو سهم كما ديس التراب
اطبق على المعزى يرا دبها على الجوع احتلاب
اطبق على هذي المسوخ تعاف عيشتها الكلاب
في كل جارحه يلوح لجارح ظفر وناب
اطبق على متفرقين يزيد فرقتهم مصاب
يتبجحون بان اخو تهم يحل بهم عذاب
ندمو بان طلبو اقل حقوقهم يوما فتابو
(1)تطوير الشعر العربي الحيث:ص283
(2)الاتجاهات والحركات من الشعر العربي الحديث ,دسلمى الخضراء الجيوسي:ص264,تباب:هلاك
(3)ديوان الجواهري,المكتبه العصريه,صيدا,1967 ص507





فقد يشير معنى البيت الى ان الاوظاع العامه تنبئ بتغير لاحوال العراق وهذا واظح كما يقول الشاعر بما يسمعه من الناس الذين على مايبدو ضاقو ذرعا باوظاعهم الجائرة
ان مشكله الشاعر في هذه المرحله من حياته الشعريه لم يستطيع صهر الصور القديمه واعادة تشكيلها من جديد وادخالها في نسيجه الشعري اذ تبدو الصور القديمه وكانها ملصقه في شعرة وغير منصهرة فيه.
فالشاعر يحتفظ بمخزون تتكدس فيه الصور فيقوم باقتطاعها من ابيات الشعر القديم ليظيفها الى ابياته ولعل ذالك يرجع الى ان الشاعر الحديث الذي ينتمي الى جماعة الاحباء كان يقدس التراث ويرى التمسك به تعبيرا عن عدم الخروج عن حدود صورة التي حازت في نفسه القداسه والاجلال(1)











(1)تطوير الشعر العربي الحديث:ص 261






ففي هذه القصيده يكشف الجواهري عن اسلوب شديد التفرد ذي ثيمه شعريه عاليه وفيها كما في اغلب قصائد الجيده الاخرى نرى مامن شاعر عربي حديث اخر استطاع بلوغ هذه الذرى الكلاسيكيه البليغه(1)
اذ يهيمن على هذه المقطع عنف لغوي ونفسي كاسحان فالشاعر يواجهنا بدفق من الجمل العنيفه والمقطع تخيم عليه طبقه من التجهم والظلمة والخراب وقد اسهم في خلق هذا الجو الحاح الشاعر على الجمل الفعليه التي شكلت بدايات الابيات جميعا تقريبا وكان لفعل الامر بما فيه من حسم اثر واظح في اغناء هذه اللوحه بالعنف والضبابيه ولابد من الاشاره هنا الى تكرر الفعل (اطبق) اشاع جوا شديدا من التوتر وكذالك الامر بالنسبه لصيغه التضاد والتعارض المتمثله ب(حماهم دمارهم) و(بناة قبورهم) والتعارض الكامن بين لون السماء والرقاب المنحنيه (2) ويرجع تطور شعر الجواهري الى مجموعه من المتغيرات في الحياه السياسيه والفكريه في العراق منها نشوء الحركات السياسيه ذات الافكار جديده تدعو الى التحرر والاستقلال من النفوذ الاستعماري وكذالك الدعوة الى الاخذ بناصيه العلم والمعرفه من خلال بناء مدارس والجامعات فضلا عن الدعوات التي تدعو الى تحرير المرأه واعطاء الطبقات الفقيرة حقها كل هذه الافكار كانت رائجه في الساحه العراقيه كما شهدت السياسه في العراق اظطرابا ودثت انقلابات سياسيه مهمه نبهت العراقيين الى مساؤئ واقعهم وكان ابرز تلك الاحداث انقلاب بكر صدقي 1936 وحركه مايس 1941.
وقد تركت هذه المتغيرات اثارها في فكر الشاعر فاغنت رؤيته في مستقبل الوطن ووسعت من افقه وربطت الشاعر بقضايا وطنيه وشعبه لكن ذالك كله لم يصرف الشاعر من معاودة النظر في الشعر العربي المورؤث القديم كله لكنه اساغ فهم المورؤث وهضمه حتى تمثله ويمكنا ان نلمس ذالك في قصيدته التي القاها في
(1) الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث:ص265








مؤتمر دمشق 1944 في الذكرى الالفيه لابي العلاء المعري جاعلا من ابي العلاء ومارسخ من الضمير العرابي عنه منطلقا من قضايا عصرة
قِفْ بالمعَرَّةِ وامسَحْ خَدَّها التَّرِبا واستَوحِ مَنْ طَوَّقَ الدُّنيا بما وَهَبا
واستَوحِ مَنْ طبَّب الدُّنيا بحكْمَتَهِ ومَنْ على جُرحها مِن روُحه سَكَبا
وسائلِ الحُفْرةَ المرموقَ جانِبُها هل تبتَغي مَطْمَعاً أو ترتجي طلَبا ؟
يا بُرجَ مفْخَرةِ الأجداث لا تهِني أنْ لم تكُوني لأبراج السَّما قُطُبا
فكلُّ نجمٍ تمنَّى في قَرارته لو أنَّه بشُعاعٍ منكِ قد جُذبا
***
أبا العلاءِ ، وحتى اليومِ ما بَرِحتْ صَنَّاجهُ الشَعر تُهدي المترفَ الطَّربا
يَستنزلُ الفكرَ من عَليا مَنازلهِ رأسٌ ليمسحَ من ذي نعمةٍ ذنَبا
***

أقامَ بالضَّجَّةِ الدُّنيا وأقعدَها شيخٌ أطلَّ عليها مُشفقاً حَدِبا
بَكى لأوجاعِ ماضيها وحاضرِها وشامَ مُستقْبَلاً منها ومرتقبَا
وللكآبةِ ألوانٌ ، وأفجعُها أنْ تُبصرَ الفيلسوفَ الحُرَّ مكتئِبا
***
لِثورةِ الفكرِ تأريخٌ يحدّثُنا بأنَّ ألفَ مسيحٍ دونَها صُلِبا
إنَّ الذي ألهبَ الأفلاكَ مِقولُه والدَّهرَ .. لا رَغَباً يرجو ولا رهَبا
***
لكنَّ بي جنَفَاً عنِ وعي فلسفةٍ تقضي بأنَّ البرايا صُنِّفتْ رُتَبا
وأنَّ مِن حِكمةٍ أنْ يجتني الرُّطَبا فردٌ بجَهد ألوفٍ تعلكُ الكَرَبا
وان كلمه(قف) هنا في اول بيت من القصيده لها اهميه خاصه ان الشاعر يختار
(1)الديوان ص422




هذا الفعل بذكاء ودقه لان الوقوف ليس طلبا تقليديا كالوقوف (استيحاء)معينا و(مساءله) والواقع ان الفعلين (قف .واستوح) في اول ابيات القصيده جاء باختيار الشاعر لاحداث التوتر المطلوب في ذهن المتلقي فهما الى جانب هذه الشدات الخمس وما تحدثه من التوتر في الكلمات (المعرة)..(حدها..التربا..طوق..الدنيا) فانهما يقلقان ذهن المتلقي ويفصلانه عن جوة الاعتيادي ليدخل دوا خاصا يخلقه الشاعر ويفرضه منذ اول بيت عليه(1)
ثم تجى هذه الصورة الجميله (المعرة..تلك الفتاه المحزونه) جاءت من خلال النفاذ السريع المركز بهذه الملحمه الدقيه (خدها التربا) التي رسمت في مطلع القصيده جوا ماساويا سيظل مرافقا لكل ابيات القصيده الطويله وسرعان مايترك الشاعر المدنيه المرزوءه بفقد عظيمها ليتقدم الى المعري من خلال ثلاث صور سريعه لماجة?طوف الدنيا بما وهبا) (طبب الدنيا بحكمته) و(على جرحها من روحه سكبا) حتى يمسي ابو العلاء في شعر الجواهري نموذجا خالدا لحريه الفكر والتمرد على القيم الباليه(2)
كان الجواهري في حياته كما كان شعرة عميق الانشغال بالحياه السياسيه في العراق والجواهري سيد شعر المناسبات وقد برهن في امثله الافضل ان قصيده المناسبه يمكن ان توجه تجربه خارجيه وتحتفظ على الرغم من ذالك بقيمتها الشعريه الخاصه.
والتعبير عن العاطفه لديه في غايه الوظوح كما ان استيعابه للروح الجماعيه عميق الى درجه انعدام الخط الفاصل بين عذابه الشخصي وفرحه وبين عذاب






(1) تطور الشعر العربي الحديث:ص285
(2) تطور الشعر العربي الحديث:ص285





الجمهور وفرحه (1) وان اندماج الخاص بالعام, احدى خصائص الشعر العظيم في كل لغه وعصر ولعل ذالك ابرز مايميز شعر الجواهري (2) فقصيدته في رثاء اخيه جعفر من اشعار الطبفه الاولى التي يندر وجود مثلها في نبرتها وتدفقها وتناوب الحوار والمناجاه الذاتيه مما يجعلها في النهايه صورة حيه عن عمليه اغتيال ومرثيه لكل شهيد شاب لانها تبلغ درجه من التجريد يرفعها الى درجه التفجع الانساني من دون ان يجعلنا الشاعر ننسى للحظه واحده ان حوار الموت هذا يجري بينه وبين شقيقه والمشكله ان السهوله التي ينزلق فيها الخطاب الشعري من الخاص الى العام يخلق في نفس القارئ توترا يعمق الاحساس يبالفجيعه ويوسع مداها لتمس وترا من الشعور بالظلم لدى كل منا ثم يحضر المظلومين كلهم على مسرح القصيده(3)
أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ
فَمٌّ ليس كالمَدعي قولةً وليس كآخَرَ يَسترحِم
يصيحُ على المُدْقِعينَ الجياع أريقوا دماءكُمُ تُطعَموا
ويهْتِفُ بالنَّفَر المُهطِعين أهينِوا لِئامكمُ تُكْرمَوا
أتعلَمُ أنَّ رِقابَ الطُغاة أثقَلَها الغُنْمُ والمأثَم
وأنّ بطونَ العُتاةِ التي مِن السُحتِ تَهضِمُ ما تهضم
أتعلمُ أنّ جِراحَ الشهيد تظَلُّ عن الثأر تستفهِم
أتعلمُ أنّ جِراحَ الشهيد مِن الجُوعِ تَهضِمُ ما تَلهم
فقُلْ للمُقيمِ على ذُلّهِ هجيناً يُسخَّرُ أو يُلجَم
تَقَحَّمْ ، لُعِنْتَ ، أزيزَ الرَّصاص وَجرِّبْ من الحظّ ما يُقسَم



(1)الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث,سلمى الخضراء الجيوسي
(2)محمد مهدي الجواهري,محي الدين صبحي. بحث منشور في كتاب الجواهري وسيمفونيه الرحيل :ص337
(3)المصدر نفسه




وخُضْها كما خاضَها الأسبقون وَثنِّ بما افتتحَ الأقدم
فإِمَّا إلى حيثُ تبدو الحياة لِعينيْكَ مَكْرُمةً تُغْنَم
وإمَّا إلى جَدَثٍ لم يكُن ليفضُلَه بيتُكَ المُظلِم


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .