اقترنت نشأة الشعر منذ أقدم العصور برحلة العمل الجماعي، سواء أكان في رحلة للصيد، أم لجني الثمار، أو بتأدية عمل لا يمكن أن يؤديه فرد واحد . ان العمل الجماعي يوحد الأفراد ويقلل من تعبها ويقرب من تحقيق هدفها ، وقد قاد هذا إلى« التحام حركة الفرد بحركة زميله فكانت قوة إنجاز عملي، لذلك كانت أغنيات البدائيين نداءات، وكان إيقاعهم تنظيماً لحركات الأداء العملي . و تولد من العمل الجماعي محاولات إيقاعية تنتظم بها الكلمات بطريقة معينة لأنَّ هذه الحركات الإيقاعية »تساعد العمل، وتنسق الجهد، وتربط الفرد بفئة اجتماعية . وكل انقطاع في الإيقاع إنماهو ممجوج، لأنه يحدث خللا في عمليات الحياة والعمل وهكذا نجد الإيقاع متمثلاً في الفنون، بوصفه تكراراً لعنصر ثابت، وبوصفه تناسباً وتناظراً إذن كان الإنسان بحكم طبيعته الفردية، وبحكم طبيعته الجماعية، يميل إلى التغني مع أداء أفعاله الجماعية بخاصة، سواء أكان نقل حجر كبير، أم جذع شجرة، أم حفر بئر، أم بناء سور، أم في شروعه في الحروب والغارات، فالفعل الجماعي يقتضي إيقاعا معيناً وأصواتاً وكلاماً ينظم وحدة العمل، ويدفع إلى تساوق الفعل وانتظامه . ومن هنا يمكننا القول » إنَّ عملية العمل الجماعي تتطلب إيقاع عمل ينسقها ويساعد هذا الإيقاع ترتيل جماعي ملفوظ إلى حد ما وبمثل هذه الإيقاعات التي ترافق العمل » يساند الفرد الروح الجماعي حتى وإنْ كان خارج الجماعة. ان الإنسان في مراحل تطور المجتمع الأولى كان جزءاً من كيان جماعي، وليس بقادر على الخروج عن الجماعة، أو التعبير عما يضادها، لأن الخروج عليها وعلى روابطها يعني نفياً للإنسان عن الجماعة، ومن ثم فناء لوجوده وكيانه، ولابد له أخيراً من التكيف مع الجماعة، والتحرك في ضوء أساطيرها وعقائدها وأفكارها فلقد » كان الساحر في المجتمع القبلي البدائي، ممثلا للجماعة وخادما لها بكل ما في الكلمة من معنى وكانت قدرته السحرية تدفعه إلى مجازفة التعرض للمــوت، إذا لـم يستجب مراراً عديدة لتحقيق ما تتوق إليه الجماعة [ وقد نشأت الفنون في هذه المرحلة تعبيراً عن حاجات الجماعة، وتلبية لرغباتها وأساطيرها وعقائدها، وكان التعبير الفني يؤدى جماعياً، ولم تعرف الفنون الاستقلال الذي تميز بالعصور اللاحقة، فالمسرحية الإغريقية مثلا نشأت أول أمرها نشأة غنائية جماعية، وتقترن بأبعاد دينية، فهي من ناحية تعبر عن الروح الجماعية التي يؤديها أفرادها جميعا، وتعبر من ناحية أخـرى عن طقـوس دينـية وبقيت آثار الوظيفة السحرية مرافقة للشعر في مراحل لاحقة، ويتجلى ذلك في أثر المدح والهجاء في الإنسان، ولقد كان المدح والهجاء يلعبان دوراً خطيراً في حياة العرب منذ مراحل سحيقة والى يومنا هذا، وهذا يدل على أنَّ ثمة صلة وثيقة بين الشعر والسحر، سواء أكانت هذه الصلة في مراحل نشأة الشعر، أم في الكيفية التي يتضمنها الشعر من التأثير في الناس لدرجة تشبه أثر السحر . ولذلك فليس غريباً أنْ نجد من يؤكد » أنَّ الشعر هو فن من الفنون التي كان يمارسها السحرة في التأثير في مشاعر الناس وكانوا يتخذونه وسيلة من وسائل التأثير في النفوس، لما يستعملونه فيه من كلام مؤثر ساحر يترك أثراً خطيراً في نفس سامعه ]. ويؤكد بروكلمان أنَّ الهجاء قبل أنْ يتحول إلى شعر السخرية والاستهزاء الشاعر سحراً يقصد به تعطيل قوى الخصم بتأثير شعري. ومن ثم كان الشاعر إذا تهيأ لإطلاق مثل ذلك اللعن، يلبس زياً خاصاً شبيهاً بزي الكاهن ويؤكد هذا ما يذكره الشريف المرتضى في أنَّ الشاعر إذا أراد الهجاء » دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة ، ويعلق أحد الباحثين بأن » حلق الرأس كان من سننهم في الحج، وكأن شاعر الهجاء يتخذ نفس الشعائر التي يصنعها في حجه، وأثناء دعائه لربه أو لأربابه، حتى تصيب لعنات هجائـه بكل ما يمكن من ألوان الأذى وضروب النحس المستمر ، وهذه الطقوس تدل على أنَّ فعل الهجاء لا بد أن ترافقه حركات وأفعال تؤدي إلى تأثير الفعل . إنَّ الهجاء في هذه الحالة يشبه تماماً الرقية التي يصنعها الساحر، ولابد للساحر من أداء طقوس ترافق الرقية، وبذا يتداخل الأداء الصوتي والحركة الجسمية، تماماً كما لو كان الشاعر الجاهلي يدهن أحد شقي رأسه ويرخي إزاره وينتعل نعلاً واحدة، فالساحر من أجل ان تحدث الرقية مفعولها» يقلد سلفاً الاحتضار من المرض الذي ابتلي به الشخص المعني، فيتمرغ على الأرض، ويصيح متشنجا بشدة، وبذلك وحده، وعقب تقليد دقيق لنتائجه تستطيع الرقية أنْ تفعل فعلها ]. ولم يكن الرثاء بعيداً عن أجواء السحر، بل لعله يتنفس في أجواء السحر أكثرمن الهجاء، لأنَّ الغاية من المرثية » انْ تطفئ غضب المقتول، وتنهاه أن يرجع إلى الحياة فيلحق الأضرار بالأحياء الباقين« وقد أسهمت المرأة في النواح والبكاء مع طقوس ترافق ذلك، ويقال » إنهن كن يحلقن شعورهن ويلطمن خدودهن بأيديهن والنعال والجلود وكن يصنعن ذلك على القبر وفي مجالس القبيلة والمواسم العظام، ولعل في حلق رءوسهن ما يجمع بينهن وبين الهجائين ... وما يشهد بأن هذا الرثاء إنماتطور عن تعويذات كانت تقال للميت وعلى قبره حتى يطمئن في لحده« ]. إنَّ هذه التقاليد التي رافقت أداء الهجاء أو المرثية إنماتدل على تداخل السحر بالأسطورة بالشعر، ولذلك ليس غريباً أن تجد من يؤكد » أنَّ الشعراء إنماأخذوا تقليدهم هذا من السحرة : الشعراء الأوائل، ومن الكهنة، لأن السحرة والكهنة كانوا ينظمون الشعر وينشدونهعلى هيأة خاصة، يلبسون فيه أردية خاصة ويقفون في وضع خاص حين إنشاد الشعر « ]. ولقد تطور الشعر العربي من أشكال إيقاعية قديمة، لا نمتلك دليلاً يحدد كيفيتها غير أنَّحكماً ظنياً يعتمد قاعدة التطور من البسيط إلى المركب يمكنه أن يرجح الإشارة إلى الأشكال الإيقاعية التي تطور عنها الشعر. ويبدو أنَّالإنسان العربي القديم قد لجأ إلى بعض عبارات موقعة ـ قد تكـون ذات طبيعة سجعيـة أو لا تكـون ـ استجابة للحظات انفعالية، ربما تكون مرتبطة بطقوس دينية أو سحرية، أو بكليهما معا، حين كان السحر والفن والدين تلتقي في الخصائص والوظائف، وقد تكون هذه الأشكال الإيقاعية مرتبطة بحالة هياج انفعالي لحادثة، أو موقف قتالي، أو انفعال بفجيعة ميت، أو أداء طقوس هجائية، أو جنائزية، او نحو ذلك. ويذهب عدد من الباحثين إلى تأكيد أنَّ السجع هو الشكل التعبيري الذي تطور عنه الشعر، فالسجع فيما يرى ـ بروكلمان ـ قد ترقى » إلى بحر الرجز المتألف من تكرار سببين ووتد يسهل على السمع ويبلغ أثره في النفس، وبعض علماء العروض ينكرون عد الرجز من الشعر، وفي الواقع يبدو أنَّ الرجز في الجاهلية كان يلبي حاجة الارتجال فحسب، ولم يستخدمه بعض الشعراء في منافسة الأوزان العروضية الكاملة الا في زمن الأمويين، ومن الرجز نشأ بناء أبحر العروض على مصراعين وقافية في الثاني، أما الأوزان العروضية فلا ريب أنَّ بناءها تم بتأثير فن غنائي وإنْ كان بدائيا ً . والحق انَّ هذه التصورات للمستشرقين والعرب إنماهي فروض ظنية، لأننا لا نملك دليلا يؤكد أنَّ العربي قد بدأ بالسجع أولاً، ثم بالسجع الموزون ثانياً، أو أنَّ الرجز قد تطور عن السجع الموزون، ومن ثم تفرعت عنه البحور الشعرية، فقد يكون ما حصل خلاف ذلك، اذ يذهب أحد الباحثين إلى القول بأن بعض القدماء والمحدثين قد زعموا «أنَّ الرجز أقدم أوزان الشعر العربي، وأنه تولد من السجع، مرتبطا بالحداء ووقع أخفاف الإبل في أثناء سيرها وسراها في الصحراء، وقد تولدت منه الأوزان الأخرى غير أنَّ هذا مجرد فرض . وكل ما يمكن أنْ يقال هو أنَّ الرجز كان أكثر أوزان الشعر شيوعاً في الجاهلية، إذ كانوا يرتجلونه في كل حركة من حركاتهم وكل عمل من أعمالهم في السلم والحرب، ولكن شيوعه لا يعني قدمه ولا سبقه للأوزان الأخرى إذن يمكننا القول أخيرا إنَّ الشعر قد بدأ » بداية متحررة فلم يكن الإنسان في بادئ أمره بالشعر يتقيد بالوزن والقافية، وإنماكان يميز بينه وبين النثر بالنغم الذي يجعله فيه وبالنبـرات التي يخـرجها مخارج الغناء، ولهـذا تجد المقطوعات الشعرية القديمة التي وصلت إلينا مدونة في كتابات مختلف الشعوب لا تشبه الشعر المعروف، إذ فيه تحرر، وفيه اعتماد على الترنم والإنشاد وعلى فن الإلقاء، أما الاعتبارات الفنية المعروفة، فهي من عمل الشعراء المتأخرين الذين أحلوا الوزن محل الإلقاء، ووضعوا قواعد معينة في نظم الشعر . فلم تكن الأبيات الشعرية في الشعر القديم متساوية، ولم تكن هناك قواف بالضرورة، حتى انك لا تستطيع تمييز القطعة الشعرية عن غيرها إلا بالإنشاد.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|