وحين يتكلم السكاكي على اقسام المعاني يبدؤها باسلوبي الخبر والانشاء ((وكلامه فيها لاتحدث عن حدود النحو بل يزداد تعقيداً وغموضاً، يدور بك في قضايا منطقية حول الصدق والكذب في الخبر والانكار وغيره في الطلب، كما يحدثك عن الاسناد واركانه وتأثره بعبد القاهر الجرجاني في دلائل الاعجاز واضح( ). لقد قسم المعاني حسب ركني الجملة، المسند اليه والمسند وعلى هذا الاساس نجد السكاكي عند ذكر التقديم مثلاً في المسند اليه مرّة، وفي المسند مرّة اخرى، واتبع النهج نفسه في الموضوعات الاخرى كالتأخير والحذف والذكر، والتعريف والتنكير، وكان من الممكن ان يكون السكاكي اكثر دقة لو بحث كل موضوع من موضوعات علم المعاني في باب مستقل فتكلم على التقديم والتأخير في فصل خاص به، وانتقل للحديث عن3الذكر والحذف في باب ثانٍ، والتعريف والتنكير في ثالث، وبذلك يعطي كل موضوع حقه من البحث في اجزائه. عند المقارنة بين ماكتبه السكاكي وماكتبه عبد القاهر أو اين الاثير يتضح لنا دور السكاكي في افساد هذه المباحث وجوره عليها، ففي دلائل الاعجاز للجرجاني والمثل السائرة لابن الاثير نقرأ موضوعات فيها عرض وتحليل، مع جمع الاطراف للموضوع الواحد جمعاً يخرج الدراس منه بفكرة واضحة، فإننا في مفتاح العلوم نقرأ موضوعات تناثرت هنا وهناك في ابواب متعددة، ولا يخرج الدارس بفكرة واضحة، بل بصورة حائلة، وقواعد جامدة، ويحاول الدارس جاهداً ان يلم شتات الموضوع الواحد من هنا وهناك، هذا مايؤدي الى اضاعة للجهد وافساد للبلاغة والذوق الرفيع، وهكذا لجأ السكاكي الى بعثرة الموضوعات وافقدها رونقها وجمالها.
ابن الاثير 558-637 وكان ابن الاثير فيما ارى من اكبر المتأثرين بعيد القاهر الجرجاني في قضية اللفظ والمعنى. ومع اهتمامه بالمعاني فإننا نجده يدعو الى الاهتمام بالالفاظ فالاهتمام بالمعاني يدعو الى الاهتمام بالالفاظ، الاهتمام بهما هو الذي كان يدعو اليه الجرجاني، ودعا الى التلاؤم بين الالفاظ والمعاني، فلايكون الاهتمام بالمعاني ولا بالالفاظ وانما بالنظم، وفي هذا المعنى يشبه ابن الاثير المعاني بالروح والالفاظ بالجسد. فصاحة الالفاظ كان الجرجاني يرجع الفصاحة الى النظم لا الى الالفاظ ولا الى المعاني، ولكننا نجد ابن الاثير يدافع عن الخصائص المستقلة والمنفصلة لكل من الالفاظ والمعاني، ويذكر خصائص متعددة اذت توفرت في الكلمة اصبحت فصيحة، ومنها ان تكون متناسبة المخارج وعدم الغرابة او الحوشية، وان تكون مألوفة سهلة، وان تتفق معاني الالفاظ مع اصواتها وتراكيبها، يقول ابن الاثير: ((وقد رأيت جماعة من مدعي هذه الصناعة يعتقدون ان الكلام الفصيح هو الذي يعر فهمه ويبعد مناله. فاذا رأوا كلاماً وحشياً غامض الالفاظ يعجبون به ويصفونه بالفصاحة وهو بالضد من ذلك، لان الفصاحة الظهور والبيان لا الغموض والخفاء)) ( ). ويظهر من هذا ان ابن الاثير يرى ان الفصاحة تكون في الالفاظ المفردة اذا تحققت الشروط التي ذكرها، وكأن ابن الاثير لجأ الى هذا الرأي عندما رد على من قال: ((ان في القرآن الكريم آيات لاتفهم الا بالتفسير، فقال: هو ان مفرداتها فصيحة، وعدم الفهم جاء من تراكيبها فاحتاجت الى التفسير، وبهذا يخالف الجرجاني الذي تحدث عن فساد الذوق بالكلام فمن قالوا إن الفصاحة للفظ بدليل ان لفظة تكون فصيحة في موضع غير فصيحة في غيره كلفظ (تؤذي) القبيح في قول الشاعر: تلذ له المروءة وهي تؤذي ومن يعشق يلذ له الغرام والمسند في موضعه من الآية الكريمة ((ان ذكلم كان يؤذي النبي فيستحي منكم)). وقال الجرجاني ان فصاحة اللفظ بحسب معناه لا لحروفه)) ( ). فكأن ابن الاثير اراد ان يبعد الشبهة عن فصاحة بعض الآيات فاثبتها للمفردات، ولكنه بتعليله هذا هرب من شيء ووقع في شيء آخر ولايصح ان يكون ذلك سبباً ليغير ابن الاثير حقائق الاشياء فصف الالفاظ المفردة بالفصاحة وهي لاقيمة لها الا مركبة في عبارات( ).
حازم القرطاجني (ت684هـ) اما حازم القرطاجني فيتحدث عن نظم الشعر، وحاجته الى الطبع والدربة ويعد وجود المهيئات والادوات والبواعث). ومع حديث حازم عن النظم والاسلوب والمترع فلم ينس ان الالفاظ ترتبط بالمعاني وفي هذا يقول: ((وان يكون اللفظ طبقاً للمعنى لكن جارية للعبارة من جميع انحائها على اوضح مناهج البيان والفصاحة)) ( ). لقد تجاوز حازم في نظريته الشعرية مشكلة (النظم) الت اطال الجرجاني الوقوف عندها، فتحدث عن النظم بمعناه الواسع، ولم يقصره على صورة السياق التأليفي الا حين تخطاه الى مراحل اخرى فهو قد اقر أن النظم يتناول سياق الالفاظ، ولكنه اوجد الى جانبه الاسلوب ليتناول سياق المعاني، وفي توفر النظم والاسلوب والمترع لدى حازم يتم تخطيه لنظرية الجرجاني( ).
يحيى بن حمزة العلوي (ت725هـ) صاحب كتاب الطراز المتضمن لاسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز والرجل عالم من علماء القرن الثامن الهجري اذ وقف على مجموعة ما كتب البلاغة والادب السابقة مثل كتاب الصناعتين لابي هلال العسكري ومانقل من دلائل الاعجاز و (اسرار البلاغة) لعبد القاهر الجرجاني في تصانيف المؤلفين وغيره كثير. وكما اوضحنا سابقاً قيام نظرية عبد القاهر على التكرار التام بين اللفظ والمعنى وهذا لايتأتى الا بتبعية الالفاظ للمعاني، فأن العلوي يطالعنا بتأثره بعبد القاهر والقول بتبعية الالفاظ للمعاني وهو لايعني الترجيح لان احد الامرين لايقوم بالآخر، وهكذا فقد نسج العلوي على منوال الجرجاني الذي اصر اصراراً شديداً على تبعية الالفاظ للمعاني وراح يعلل رأيه تعليلاً فلسفياً منطقياً في ضوء فهمه لمهب عبد القاهر وانه لم يشر الى هذا صراحة.
الفصاحة في الالفاظ والمعاني، ولا انفصال بين اللفظ والمعنى وان كان لايذهب كثير من المصريين في اختصاص الفصاحة باللفظ والبلاغة بالمعنى ، بل يرى ان الفصاحة مشتركة بين الالفاظ والمعاني وانه لا انفصال اصلاً بين اللفظ والمعنى، ولايتصور هذا الانفصال، اذ يقول ((يخطئ من قصر الفصاحة على اللفظ ويخطئ من قصرها على المعنى، ويخطئ من فصل اللفظ والمعنى)) ( ).
اعجاز القرآن ونجد العلوي يقف عند قضية كبيرة من اجلها وضع الجرجاني نظريات في النظم الا وهي اعجاز القرآن الكريم، ويحاول العلوي ان يستعرض الاراء والمذاهب في هذه القضية فيقول ((واعلم ان الكلام في الوجه الذي لاجله كان القرآن معجزاً دقيقاً ومن ثم كثرت فيه الاقاويل واضطربت فيه المذاهب)) ( )، ومن هذه الاقوال من يقول بالصرفة وهو رأي النظام ومن تبعه، وقول من زعم ان الوجه في اعجازه انما هو الاسلوب وتقريره ان اسلوبه مخالف لسائر الاساليب الواقعة في الكلام، وقول من زعم ان وجه اعجازه انما هو خلوه عن المناقضة، وقول من زعم ان الوجه في الاعجاز انما هو اشتماله على الحقائق وتضمنه للاسرار والدقائق التي لاتزال غضية طرية على وجه الدهر، ماتزال له غاية بخلاف غيره من الكلام، وهناك من زعم ان الوجه في اعجازه هو البلاغة، وهناك من يقول بنظمه الذي تميز به من سائر الكلام، ومذهب من قال: ان وجه اعجازه هو مجموع هذه الامور كلها، فلا قول من هذه الاقاويل الا هو مختص به( ). وبعد ان يتناول العلوي هذه الآراء والمذاهب ويناقشها ويبين رأيه فيها نجده يختار وجه الاعجاز يقول: ((والذي نختاره في ذلك ما عول عليه الجهابذة من اهل هذه الصناعة الذين ضربوا فيها بالنصيب لوافر، واختصوا بالقدح المعلى، والسهم القامر، فإنهم عوّلوا على ذلك على خواص هي الوجه في الاعجاز:- الخاصة الاولى: الفصاحة في الفاظه على معنى انها بريئة عن التعضيد والثقل، خفيفة على الالسنة تجري عليها كأنها السلسال دقة وصفاء وعذوبة وحلاوة. الخاصية الثانية: البلاغة في المعاني بالاضافة الى مضرب كل مثل، ومساقاً كل قصة، وخبر وفي الاوامر والنواهي، وانواع الوعيد، ومحاسن المواعظ وغير ذلك مما اشتملت عليه العلوم القرآنية، فإنها مسوقة على ابلغ سياق. الخاصية الثالثة: جودة النظم وحسن السياق، فإنك تراه فيما ذكرناه من هذه العلوم منظوماً على اتم نظام واحسنه واكمله، فهذه هي الوجوه في الاعجاز))( ). وهكذا يرجع العلوي اعجاز القرآن اكريم الى الفصاحة في الالفاظ والبلاغة في المعاني وجودة النظم وحن السياق، وبهذا اخرج العلوي برأيه هذا وخالف الجرجاني الذي يرى ان اعجاز القرآن الكريم بنظمه، ولكننا نرى العلوي يضيف الى النظم الذي يعتقد الجرجاني الفصاحة والبلاغة.
ويرى العلوي كما رأى الجرجاني من قبله ان ((على النظم والناثر فيما يقصد من اساليب الكلام مراعاة مايقتضيه علم النحو، وهنا يلخص ماجاء في كتاب (التبيان) للزملكاني تقريباً خاصاً بالموضوع، وقد لخص فيه آراء عبد القهر كما يرى انه يجب على الاديب مراعاة مايقتضيه اللفظ من الحقيقة والمجاز)) ( ).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|