انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

صور انسانية شعر الشيوخ المقعدين

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة فاتن فاضل كاظم العبيدي       07/01/2016 06:59:50
شعر المقعدين والشيوخ صور انسانية في شعر الفتوح

اننا نجد في الشعر الذي قيل في عصر الفتوحات الاسلامية اسمى العواطف الانسانية في علاقة الافراد بعضهم ببعض وفي انفعالاتهم وهواجسهم وتصوير ما يخالج نفوسهم من مشاعر الشوق والفرح والانفعال السريع بالانتصار او ربما ما يخالج نفوس بعضهم من خوف يعتريهم او قلق على الاهل والاحبة .
صور انسانية رائعة لم ترد على لسان المجاهدين وانما قالها الشعراء المقعدون الذين قعدت بهم شيخوختهم عن الجهاد والمشاركة فيه ولم يكتفوا بهذا بل تجاوزوه الى المطالبة بالتشثبت بابنائهم ومنعهم من الجهاد .. هذا الشعر وان كان في حقيقته لا يمثل ادب العقيدة مباشرة ولكنه يصوره خير تصوير ويصور الثبات على العقيدة من وجهة نظر اخرى قد تكون سلبية الا انها طبيعة لان اصحابها وقد شعروا بدبيب الشيخوخة والضعف يهد اركانهم حاولوا التشبث بابنائهم لان ضعفهم الجسدي ادى الى ضعف ارادتهم وعدم قدرتهم على الصبر وتحمل الفراق كما انه يصور من جانب اخر ثبات الابناء على عقيدتهم واندفاعهم الى الجهاد مع علمهم برغبة ابائهم و امهاتهم .
واذا كانت هذه الحالة غير شاملة لايمكن ان تعم على جميع الشيوخ الا انها طبيعة وموجودة في المجتمعات الانسانية على اختلاف الظروف والازمان .
يقول المخبل السعدي مخاطبا ابنه الذي شارك في الفتوح الاسلامية واصفا شيخوخته وخوفه وقلقله عليه الى درجة تجعله يتصور بانه يعاني الموت والهلاك كل ليلة وكانه يطبق المثل العربي المشهور ( ان الشفيق بسوء ظن مولع ) , فهذا الشيخ يدفعه حبه لابنه الى القلق عليه الى درجة تقض عليه المضاجع وكانه يشرف على الموت شفقا وخوفا :
ايهلكني شيبان في كل ليلة لقلبي من خوف الفراق وجيب
ويخبرني شيبان ان لم يعقني تعق اذا فارقتني وتحوب
فان يكن غصني اصبح اليوم باليا وغصنك من ماء الشباب رطيب
فاني حنت ظهري خطوب تتابعت فمشيي ضعيف في الرجال دبيب
اذا قال صحبي ياربيع الا ترى ارى الشيء كالشيئين وهو قريب
فالشاعر هنا يرسم لنا صورة رائعة للابوة المحبة الحانية وكانه يستعطف ابنه حين يذكره في البيت الثاني بان انخراطه في جيش المجاهدين وابتعاده عنه انما هو العقوق بعينه وكاني ارى الابن وقد اعطى العهد لوالده ان يكون ملتزما بالتعاليم الاسلامية التي وضحتها الاية الكريمة : ( وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ) ....
اقول يخيل الي بان الابن قطع عهدا على نفسه ان يكون بارا بابيه والا يعقه قيؤكد الاب بان تصرفه هذا هو العقوق بعينه مادام يجد الاذى و الالم والعذاب لنفسه ثم اكمل الصورة برسم معالم جسده المتعب الفاني الذي انهكته الخطوب المتتابعة وانحنى ظهره وصار مشية في الرجال دبيبا ضعيفا , فان ساله اصحابه عن نظره اجابهم بانه ضعيف يرى الشخص كالشخصين وهو قريب منه.

انها صورة رائعة لملامح شيخوخة متعبة حاول الشاعر ان يستعطف قلب ابنه فيرده عن عزمه في الجهاد والمشاركة في الفتح .
و امية بن الاسكر رسم لنا صورة انسانية مماثلة لصورة المخبل السعدي ولكنه اضاف اليها صورة الزوجة فاذاباللوحة متكاملة العناصر شيخان كبيران يناشدان ابنهما البقاء ويذكرانه بكتاب الله وكان الابن وهو يطيع داعي الله لم يقرا القران والشاعر يشير الى اية واحدة بالذات من القران الكريم وهي التي اشرنا اليها من قبل والتي تامر بالبر بالوالدين :
لمن شيخان قد نشدا كلابا كتاب الله ان حفظ الكتابا
اناديه فولاني قفاه فلا و ابي كلاب ما اصابا
اذا سجعت حمامة بطن وج على بيضاتها ادعو كلابا
اتاه مهاجران تكنفاه عباد الله قد عقا وخابا
والشاعر هنا يشير الى ماذكر عن ابنه من انه سال مهاجرين من المسلمين عن افضل الاعمال فاجيب بانه الجهاد في سبيل الله فالتحق بصفوف المهاجرين غير ابه لرجاء والديه .
والشاعر هنا حين رسم صورة ابنه الذي ولاه قفاه والتحق بالمهاجرين يعد التحاقه هذا مجانبا للصواب ويبالغ اكثربسبب الانفعال الشديد والحزن على فراقه فيصف المهاجرين الفاضلين اللذين دلا ابنه على افضل الاعمال يعدهما عاقين ايضا وقد خابا في نصيحتهما وما ذلك الا بسبب عاطفة الابوة التي ملكت نفس الشاعر فلم يعد ينظر الا بهام يستمر برسم معالم الصورة بان الابن ذهب وارتحل تاركا اباه مرتعشة يداه بسبب الشيخوخة والكبر و امه منغصة العيش حزينة لا يكاد يسيغ لهما شراب ثم تصل عواطفه ذروتها فيخيل اليه بان ابنه الذي التحق بصفوف المجاهدين طلبا للاجر والثواب لن ينال هذا الاجر فهو مثل باغي الماء يرى السراب امامه فيخيل اليه انه ماء :
تركت اباك مرعشة يداه وامك ما يسيغ لها شرابا
فانك والتماس الاجر بعدي كباغي الماء يتبع السرابا
وحين لايحفل كلاب برغبة ابيه في رده عن الجهاد يذهب الشيخ الضعيف الذي هده فراق ولده الى الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ويستعطفه ان يرد عليه ابنه بابيات يخاطب فيها زوجته , يظهر من خلالها حنينه الى ولده ويختم ابياته بمخاطبة الخليفة الراشد بانه يشكو امره الى الله ان لم يردد اليه ابنه :
اعاذل قد عذلت بغير قدري ولاتدري اعاذل ما الاقي
فاما كنت عاذلتي فردي كلابا اذ توجه للعراق
فتى الفتيان في عسر و يسر شديد الركن في يوم التلاقي
فلا وابيك ما باليت وجدي ولاشغفي عليك ولا اشتياقي
ساستعدي على الفاروق ربا له عمد الحجيج الى بساق
وادعو الله محتسبا عليه ببطن الاخشبين الى دفاق
ان الفاروق لم يردد كلابا على شيخين هامهما زواق
و يامر الخليفة عمر ( رضي الله عنه ) باقفال كلاب واعادته الى ابيه وهكذا يكمل الشاعر معالم لوحة الابوة والامومة الحانية وتبقى صورة الابن المجاهد الثابت على عقيدته ومبدئه تتراى من خلالها لانه لم يؤثر فيه كل هذه النداءات الموجهة ولان نداء الله في وجوب الجهاد ورفع كلمة الله اقوى من نداء الاباء والامهات وقد ذكر ان خراش بن ابي خراش الهذلي هاجر ايام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) مع الجيوش المجاهدة , فقدم ابوه وكان شاعرا الى المدينة وشكا الى الخليفة شوقه الى ولده , وحاجته اليه لكونه شيخا عاجزا , لا اهل له ولا اخوة يعينونه على قضاء حوائجه والاخذ بيده وانشده قوله :
الامن مبلغ عني خراشا وقد ياتيك بالخبر البعيد
وقد ياتيك بالاخبار من لا تجهز بالحداء ولا تزيد
يناديه ليغبقه كليب ولا ياتي لقد سفه الوليد
فرد اناءه لاشي فيه كان دموع عينيه الفريد
واصبح دون غابقه وامسى جبال من حرار الشام سود
الا فاعلم خراش بان خير المهاجر بعد هجرته زهيد
رايتك وابتغاء البر دوني كمحصور اللبان ولا يعيد
ويلاحظ ان هجرة الابن وانخراطه مع المجاهدين بصدق عقيدة وايمان قد هزعواطف ابيه الشيخ الفاني , ولكنها عواطف نفس متعبة ضعيفة بسبب السن لافساد العقيدة فهو ما يزال يتخيل ابنه صغيرا لانه لم يستجب لندائه وكانه نداه حقا ليرعاه ويسقيه اللبن كعادته معه حين كان وليدا , ولما لم يجبه عده سفيها , ولكنه سرعان ما تذكر ان ابنه صار رجلا فيتالم لفراقه لانه يعرف المسافة التي تبعده عنه وهي مابين المدينة والشام فتغرق عيناه بالدموع ويذكر ابنه بان جهاده الحقيق يكون في رعايته لابيه الضعيف ,كانه في هذا متاثر ببعض اقوال الرسول الكريم ( صلى الله عليهواله وسلم ) التي اوصى فيها الابناء بلزمالوالدين وعدهذا اللزوم جهادا ان لم يكن لهمامن يرعى حقوقهما .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .