الاسلوب الخطابي
تختلف اساليب الكلام اختلافا كبيرا , فاسلوب قوي واسلوب ضعيف , واسلوب جميل واسلوب ردىء , واسلوب ايجاز واسلوب اطناب , واسلوب واضح , واسلوب غامض , الى غير ذلك من انواع الاساليب . ويكاد يكون لكل انسان اسلوب خاص به في التعبير عن ارائه يخالف فيه اساليب غيره في التعبير عن ارائهم , وخير لكل انسان ان يرقى في اسلوبه مع محافظته على شخصيته , لا بتقليد غيره وضياع شخصيته . ثم ان الاسلوب يخالف اسلوب كتابة المقالات , لان الخطيب يجب ان يعرض اراه في اسلوب يجذب نفوس السامعين و يسترعي انتباههم و يهيج مشاعرهم ويجعلهم يعتنقون اراءه و يستصوبون افكاره . وقد سبق ان ذكرنا ان الخطابة تعتمد على اساسين : الاقناع والاستمالة , فللوصول الى الاقناع يجب ان يكون الاسلوب واضحا . واذا كان الوضوح واجبا في كل نوع من انواع الادب فهو في الخطابة اوجب , لان الكلام المكتوب اذا غمض استطاع القارىء ان يعيد قراءته ويطيل التفكير فيه حتى يتبينه , اما سامع الخطبة فانه اذا لم يفهم ما سمع لغموضه ضاع على الخطيب ما يرجوه من اقناعه واستمالته . ومن وسائل الوضوح للوصول الى اقناعهم :-
(1) استعمال الجمل القصيرة , والالفاظ المالوفة ,والمعاني القريبة . (2) الترتيب المنطقي في التفكير , فيجب في الخطبة ان تبنى بناء محكما بحيث يكون الجزء التالي مبنيا على سابقه , فالمقدمة تخدم عرض الموضوع ,و التدليل عليه يسلم الى النتيجة , ويجب في الخطابة ان يكون هذا التسلسل جليا واضحا يمكن السامع من ان يتبع الخطيب في تدرجه واستنتاجه .
( 3 ) ان تكون هناك وحدة لموضوع الخطبة , بان يكون للخطيب غرض محدود يوجه كل خطبته اليه ويرتبها بحسبه , ويكون غرض الخطبة هو مركزها الذي تنبعث منه الافكار , ومن اجله تؤسس المقدمة ويعرض الموضوع وتستنتج النتائج , وكثير من الخطب تضعف قيمتها برغم طلاقة لسان الخطيب وحسن بيانه وجودة القائه , لانه لم يحدد في خطبته الغرض الذي يرمى اليه , ولم تكن لكلامه وحدة تربط اجزاءه .
( 4 ) تقدير القيمة لاجزاء الموضوع , فيكون للخطيب من الذوق ما يعرف به ان هذا الجزء قليل القيمة في الاقناع , فيمر عليه مرا سريعا , وهذا الجزء عظيم الاهمية , فيعطيه من قوله ما يتفق وقيمته . وبعبارة اخرى يجب على الخطيب ان يوزع اهتمامه بالكلام على حسب قيم الاجزاء عظما وصغرا . والخطيب الماهر من هداه اختياره وهداه ذوقه وهداه اتصاله بالسامعين واسترشاده باعينهم وانتباههم الى مايجب ان يقال وما يجب الا يقال , وما يجب ان يطنب فيه وما يجب ان يوجز , وما يجب ان يصرح به وما يجب ان يومى اليه ايماء .
اما الاستمالة فيجب ان يعتمد فيها على مشاعر السامعين واستفزاز عواطفهم , لان الاقناع يعتمد اكثر ما يعتمد على مخاطبة العقل , والاستمالة اكثر ما تعتمد على العاطفة , والاستمالة شيء وراء الاقناع , فقد يقتنع السامع بما يقول الخطيب ولكنه لايندفع الى العمل وفق اعتقاده , بل قد يعمل على عكس اعتقاده كالعضو الذي يصوت على خلاف رايه تبعا لراى حزبه او نحو ذلك . فالاستمالة هي ايجاد الباعث عند السامع ليعمل وفق قول الخطيب . ولا يعد الخطيب ناجحا تمام النجاح الا اذا حمل السامع على العمل وفق ما يخطب , ولا يكون ذلك الا باثارة مشاعره . ويعين على الوصول الى هذه الاستمالة امور عدة : -
( 1 ) جودة الالقاء , فحسن صوت الخطيب ولطف اشارته وجمال القائه قد تؤثر في استمالة السامعين اكثر مما تؤثر كلمات الخطبة ومعانيها , ولذلك ترى بعض الخطب يسمع ولا يقرا , اعنى انها اذا سمعت اثرت في سامعيها اثرا بليغا , واذا قرئت لم تكن لها روعة , لان الخطيب اثر بحسن الالقاء وقد عدم هذا عند القراءة , ولكن مما لاشك فيه ان الخطبة اذا حسنت مسموعة ومقروءة , كانت خيرا من الخطبة التي تحسن مسموعة فقط . ولاشك ان من عيوب الخطيب الا يكون موفقا في الالقاء , لقبح صوته او سوء اشارته , او اطراد صوته على نغمة واحدة , او شدة سرعته او بطئه .
(2 ) تعرف الخطيب لنفسية السامعين ووقوفه على نوع عواطفهم ووجود اثارتها , فالعواطف تختلف باختلاف الموضوعات من حب وكره , وغضب وحلم , وخوف وطمانينة , واثرة وايثار الخ . وتختلف باختلاف السامعين , فقد يكون بعضهم شديد الحساسية في نوع من انواع العواطف كالحب , ضعيف الحساسية في نوع اخر . كالاثرة والناس يختلفون في الحركات التي تحرك عواطفهم . فعواطف الجاهل يثيرها مالا يثير عواطف العالم , وعواطف الفقير يثيرها مالا يثير عواطف الغني . والخطيب الماهر من منح فراسة صادقة يستكشف بها عواطف السامعين واساليب استمالتها , ويصل من كل ذلك الى ما يريد , يلمح من اعين السامعين ومنظرهم مبلغ اهتمامهم ونواحي تاثرهم , فيستغل ذلك احسن استغلال في استمالتهم .
( 3 ) مراعاة الاسلوب الذي يقتضيه حال المخاطبين , فيجد حين يحسن الجد , ويمزح حين يحسن المزح , ويستعمل الحقيقة الواضحة في مواضعها والتشبيهات والاستعارات في اماكنها , والايجاز والاطناب والمساواة في الاحوال اللائقة بها , وقد فصل ذلك في علوم البلاغة .
0
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|