الباقلاني والنظم * ابو بكر الباقلاني (ت403هـ) هو ادرك سر اعجاز القرآن الكريم عن طريق القدرة الفائقة في نظم جزيئات الاداء في اللفظ والتركيب والصورة وهو يذكر النظر بطريقة اقرب الى الدقة في قوله ان قال قائل: بيّنوا لنما مال الذي وقع التحدي به، أهو الحروف المنظومة؟ او الكلام القائم بالذات، او غير ذلك؟ وقيل: الذي تحداهم به ان يأتوا بمثل الحروف التي هي نظم القرآن، منظومة كنظمها، متتابعة كتتابعها، مطردة كاطرادها... لان الاعجاز وقع في نظم الحروف التي هي دلالات وعيارات كلامه، والى مثل هذا النظم وقع التحدي)). * وقد بحث (المعتزلة) وهم خرقة من المتكلمين يخالفون اهل السنة في بعض المعتقدات وعللا رأسهم واصل بن عطاء الذي اعتزل باصحابه حلقة الحسن البصري، وقد بحث المعتزلة في مسألة اعجاز القرآن، فيقول بعضهم ان معجز بالصرفة، وبعض منهم بالنظم، والبعض الآخر بالغيبيات، ومع العلم جاء القرآن في وقت وصلت اللغة ذروتها في الشعر والادب. *والقاضي الجرجاني (ت 415هـ) يرد على الجاحظ وامثاله الذين يرجعون اعجاز القرآن الكريم الى لفظه، ونجده يربط الفصاحة بالنظم فيقول ((ولذلك لايصح عندنا ان يكون اختصاص القرآن بطريقة في النظم ومن الفصاحة التي هي جزالة اللفظ وحسن المعنى، ومتى قال القائل: إني وان اعتبرت طريقة النظم فلابد من اعتبار المزيّة في الفصاحة فقد عاد الى ما أردنا)). اذن فهذه طائفة من النقاد والبلاغيين فيمن تعرضوا لفكرة النظم من العرب وغيرهم قبل مجهود عبد القاهر الجرجاني، الا ان فكرة النظم فقد عرفت منذ القرن لثاني الهجري وعلى وفق ما اوردنا من آراء للعلماء، ولكن مفهوم هذه النظرية لم يكن واضحاً كل الوضوح، فكان كل من هؤلاء يعرض لها دون ان يوضحها، ويبين اسسها فجاء الجرجاني واستفاد من هؤلاء واطاع على آرائهم وميز الحسن من الرديء وكون نظرية عرفت بأسمه وتأثر بمن جاء قبله من النقاد والبلاغيين من العرب وغيرهم وهذا يدل على ان نظرية النظم جهد انساني متواصل ولكن الجرجاني اكمله. * النظم عند الجرجاني (471هـ) فالنظم عنده في كتابه دلائل الاعجاز لايخرج بعيداً عما ذكرناه فهو في رأيه تعليق الكلم بعضها فوق بعض وجعل بعضها بسبب من بعض، ويذهب الى ابعد من ذلك، فيرى ان البلاغة والفصاحة لاترجع الى اللفظ وانما الى النظم، ومنهج الصياغة، اذ يقول: (ومعلوم ان ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، والكلم ثلاث: اسم وفعل وحرف، وللتعليق فيما بينها طرق معلومة، وهو لايعدو ثلاثة اقسام: تعلق اسم باسم، وتعلق اسم بفعل، وتعليق حرف بها، فالاسم يتعلق بالاسم بان يكون خبراً عنه او حالاً منه، او تابعاً له صفة، او تأكيداً، او عطف بين او بدلاً، او عطف بحرف او بان يكون الاول مضافاً الى الثاني، وبأن يكون الاول يعمل في الثاني عمل الفعل، ويكون الثاني في حكم عمل الفاعل له او المفعول، وذلك في اسم الفاعل كقولنا: زيد ضارب ابوه عمراً، وكقوله تعالى: (اخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها) وقوله تعالى: (وهم يلعبون لاهية قلوبهم) واسم المفعول كقولنا: زيد مضروب غلمانه، وكقوله تعالى: (ذلك يوم مجموع له الناس) والصفة المشبهة كقولنا: زيد حسن وجهه، وكريم اصله. وقد اكد الجرجاني ان ضم الالفاظ يتبع نسقاً قرره النحو فاذا ضمت الالفاظ الى بعضها من دون ان تتوخى فيها معاني النحو لم يكن ذلك نظماً، وفي هذا يقول ((وعلم ان ليس النظم الا ان تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه واصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلاتزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها، وذلك انا لانعلم شيئاً يبتغيه الناظم ينظمه غير ان ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر الى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق... وينظر في الجمل التي تسترد، فيعرف موضع الفصل فيها والى موضع الوصل... ويتصرف في التعرف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام محله، وفي الحف والتكرار....)). ويقول ((فلا ترى كلاماً قد وصف بصحة نظم او فساده او وصف بمزية وفضل فيه الا وانت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد، وتلك المزية، وذلك الفضل الى معاني النحو واحكامه، ووجدته يدخل في اصل من اصوله ويتصل بباب من ابوابه)).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|