النثر الفني في
العصر الاسلامي واثر الاسلام فيه
النثر الفني في العصر الاسلامي :
تدل كلمة الاسلام باشتقاقها
اللغوي على معنى الخضوع والانقياد , وقد ترددت في القران الكريم بهذا البمعنى في
مثل : ( وانيبوا الى ربكم واسلموا ) (وامرت ان اسلم لرب العالمين ) , ومن ثم اطلقت
– لفظة الاسلام – على ديننا الحنيف في قوله تبارك وتعالى (اليوم اكملت لكم دينكم
واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) وهو دين لسعادة الناس كافة , دين
يكمل الديانات السماوية السابقة بوصفه الشريعة الالهية الاخيرة التي تفرض سلطانها
على كل ما سبقها من شرائع سماوية . وهو يقوم على عقيدتين : العقيدة والعمل .
وجاء الاسلام فايقظ العرب واثار
ماسكن من نشاطهم وحياتهم وحبب اليهم القوة والجاه في الدنيا وحسن الجزاء في الاخرة
, فانطلقت السنتهم , وظهر فيهم الخطباء والكتاب والشعراء . وكان من دواعي ذيوع البلاغة
عندهم حاجتهم الى الدفاع عن صدق النبوة واشتجار الفتن بينهم : فتن التحزب
والاختلاف والانقسام التي كانت اهم باعث
على شيوع الخطابة والكتابة في تلك الامة التي توارت في الصحراء زمنا غير قليل .
واول مظهر لقوة الخطابة والكتابة هو التنافس الشديد الذي قام بسبب الخلافة , فقد
كان كل حزب من المهاجرين والانصار يدعو لنفسه سرا وعلانية عن طريق الخطب والرسائل
والمجادلات التي كانت تثور في المجالس والمساجد والاسواق . ثم كانت فتنة معاوية بن
ابي سفيان مع الخليفة علي بن ابي طالب (ع).
وظهرت حاجة الفريقين الى
البلاغة واشتدت الرغبة في نشر الدعوة في الامصار الاسلامية . واستمر الخلاف بعد
زمن الخلفاء الاربعة , أي حين تولى بني امية الخلافة لمدة اتدت زهاء قرنا من الزمن
,اذ اشتجر الخلاف بين السلطة الحاكمة والاحزاب المناهضة لها اهمها حزب الشيعة
والزبيريين وحزب الخوارج .
وكل تلك الصراعات والخلافات قد اسهمت بشكل فاعل في انعاش الحركة الادبية
ولا سيما النثر بوصفه لغة العقل والمنطق والحجج والمجادلة , فالنثر لا تحكمه قوالب
معينة كالشعر , وبذا يكون النثر اكثر طواعية واستجابة لرياح التغيير في المجتمع من
الشعر , واقل ممانعة امام التجديد والابتكار والمدنية التي يبتغيها التطور البشري.
اثر القران الكريم والحديث النبوي الشريف في النثر
الاسلامي :
القران الكريم مفخرة العرب في
لغتهم , اذ لم يتح لامة من الامم كتاب مثله لا ديني ولا دنيوي من حيث البلغة
والتاثير في النفوس والقلوب , سواء حين يتحدث عن عبادة الله الواحد الاحد وعظمته
وجلاله , او عن خلقه للسموات والارض , او
عن البعث والنشور , او حين يشرع للناس حياتهم ويقيمها على نهج سديد يحقق لهم
السعادة في الدارين : الاولى والاخرة .
وكان رسول الله (ص) لا يكاد
يمضي في تلاوته حتى يروع سامعيه وياخذ بمجامع قلوبهم , سواء كانوا من انصاره ام
كانوا من اعدائه , فقد روى الرواة ان الوليد بن المغيرة الذي كان من الد خصومه
سمعه يتلو بعض أي لبذكر الحكيم , فتوجه الى نفر من قريش يقول لهم : ((والله لقد
سمعت من محمد كلاما ماهو من كلام الانس ولا من كلام الجن , وان له لحلاوة وان عليه
لطلاوة , وان اعلاه لمثمر وان اسفله لمغدق )). وواضحانه شعر بدقة تلك الايات
القرانية وبمدى تباينها عن كلام الانس من فصحائهم كما تباين كلام الجن الذي كان
ينطق به كهانهم .انه ليس شعرا موزونا , مما كان يدور على السنة شعرائهم , ولا سجعا
مقفى مما يدور على السنة كهانهم وغيرهم من خطبائهم .انما هم نمط وحدة فصلت اياته
بفواصل تطمئن عندها النفس , وتجد فيها وفي كل ما يتصل بها من الفاظ روحا وعذبة .
انه نمط باهر , بل هو نمط معجز ببيانه وبلاغته .
يقول جل ذكره : (قل لئن اجتمعت الانس والجن على
ان ياتوا بمثل هذا القران لاياتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ).
وهكذا كان القران من اقوى
البواعث على النشاط الادبي في العصر الاسلامي وما تلاه من العصور الاخر . اذ تراه
مصدر الدراسات الادبية واللغوية والنحوية التي ازدهرت في الحواضر الاسلامية , وحسب
القارىء ان يذكر ان عمل علماء اللغة والبيان كان دعوة الى غاية : هي الايمان
باعجاز القران , ولم يقف اثر القران الكريم عند احياء العلوم الادبية , وانما اثر
تاثيرا بينا في اساليب الخطباء والكتاب , حتى دون التقدمون ان الروح القراني كان
يظهر على لسان الصابي وعلى سنان قلمه البليغ.
واذا كنا قد عرضنا في غير هذا
الموضع لاثر القران الكريم في النثر الاسلامي فان للحديث هو الاخر لثرا فيه , وان
كان لابليغ اثر القران العظيم , لانه دونه في البلاغة , حوان كان قائله ابلغ العرب
قاطبة وافصحهم . ويمكن ان نلاحظ اثره في انه اعان القران في انتشار العربية , وفي
حفظها وبقائها فضلا عن اثره في رقي الخطابة ونشاة الكتابة التاريخية لا في السيرة
النبوية , بل ايضا في كتب التراجم وكتب التاريخ .
لقد كان الادب النبوي –ومازال –
يجسد حلقة وصل بين افادته من القران الكريم وبين افادة الشعراء والخطباء من الادب
النبوي (والادب القراني بطبيعة الحال ) . لذلك جاءت (الخطابة ) و(الرسالة ) اوضح
نموذجين يجسدان افادتهما من الادب النبوي الذي سن قواعد خاصة في الخطابة والرسالة
من حيث افتتاحهما بالتحميدات مثلا , وبالاقتباسات القرانية ونحو ذلك , مضافا الى
الشعر الذي افاد بدوره منهما : لغة ومضمونا .
ويمكن القول ان الافادة من
القران الكريم تمثلت في الاقتباس والتضمين فكريا , وفنيا , كما تمثلت – بالنسبة
للادب النبوي – في وضوح اللغة والبناء الفني للخطبة او الرسالة وغيرها .
ان القران الكريم والحديث
النبوي الشريف قد اسهما في اثر النصوص النثرية والاسلامية من بلاغة ومعان وتراكيب
فنية وتعاليم اسلامية , فالقران الكريم كان يذكر اصول الدين الاسلامي من صلاة وصوم
وزكاة وغير ذلك , يذكرها مجملة والحديث النبوي يتكفل بتفصيلها على الناس .
والى جانب ان الحديث النبوي
الشريف قد شرع بنية اسلامية في الخطابة والكتابة , ففي الخطابة يبدا الرسول
بالبسملة والحمدلة ثم الموضوع ويختمها بالدعاء والحمد وقد اختار للخطابة ملبس
وهيئة تجذب قلوب السامعين وهذة امور لاعهد للجاهلية بها , كذلك الكتابة (الرسائل
),فقد كان الجاهلية تكتب في اول كتبها ((باسمك اللهم )) ثم تكتب من فلان الى فلان
, ويمضون في الغرض , وكان النبي (ص) يفتتح كتبه بالبسملة ثم يقول : - من محمد رسول
الله الى فلان, ويبتدىء صدورها غالبا بالسلام عليكم , او السلام على من اتبع الهدى
ويثني بالتحميد بعد السلام فيقول : اني احمد الله اليك الذي لااله الا هو , ويتخلص
من صدور الكتاب تارة ب(اما بعد ) واخرى بغيرها , وكان يختمها غالبا بالسلام عليكم
ورحمة الله.