اسم المادة: النقد الأدبي القديم مدرس المادة : د. محمد عبد الحسن حسين عنوان المحاضرة : مسائل مهمة رصدها ابن جني من خلال شرحه لديوان المتنبي
أثار ابن جني موضوعاً كان المتنبي يستعمله في شعره وهو الهجاء المبطن في مدائحه ، ويبدو جلياً هذا في مدائحه لكافور الإخشيدي، إذ نجد أن الازدواج فيهما موجوداً ، وقد استمر ذلك من خلال قراءته لقول المتنبي : وشعر مدحت به الكركدن بين القريض وبين القرى واستمد أيضا من خلال إقرار المتنبي عندما قرأ عليه قوله : وما طربي لما رأيتك بدعة لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب فابن جني قال للمتنبي : أجعلت الرجل ابن زنة (يعني قردا) فضحك المتنبي ، وفهم ابن جني من هذا الضحك إن الشاعر كان يرمي الى ما وراء المدح في المعنى ، ولهذا اخرج بهذا الاستنتاج : (وهذا مذهبه في أكثر شعره لأنه يطوي المديح على هجاء حذقا منه بصنعة الشعر وتداهياً في القول) . وزيادة على تنبه ابن جني الى هذه الناحية في شعر المتنبي فأنه تنبه الى ناحية أخرى يمكن ان نسميها ظاهرة نفسية هامة تفسّر شيئاً كثيراً مما أنكره خصوم المتنبي ولو درس شعر المتنبي على مستواه لكشف الدرس عن مظاهر متميزة فيه، فقد وقف عند قوله: يعلن حين تحيا حسن مبسمها وليس يعلم إلا الله بالشب فقال معلقاً : (وكان المتنبي يتجاسر في ألفاظه جداً ، ألا تراه يقول لفاتك يمدحه : وقال يلقبه المجنون حسده اذا اختلطن وبعض العقل عقالُ أفلا ترى كيف ذكر لقبه على قبحه وتلقاه وسلم أحسن سلامة ، ولولا جودة طبعه وصحته وصنعته لما تعرض لمثل هذا ، وكذلك ذكر جسمها وحسنه وشبنه ، ومفرقها في البيت الذي يتلوه . ومن ذا الذي كان يجسر على تلقي سيف الدولة بذكر مثل هذا من اخته ؟ وآل حمدان أهل الأنفة والاباء وذوو الحمية والامتعاض واكثر شعره يجري هذا المجرى منه إقدامه وتعاطيه ، فاذا تفطنت له وجدته على ما ذكرت لك . فهذا ملمح يعز نظيره ، وهو احرى ان يتخذ مفاتحاً لنقد جانب من شعر المتنبي الا ما علل النقاد وبه أنفسهم من بحث عن الأخطاء والسرقات . وايضاً نجد ابن جني بالاضافة الى تلك النواحي التي رصدها في شعر المتنبي نجده يشير الى قضية هي ليست بالجديدة انما هي في الحقيقة متوارثة فمثلاً ان موقفه من قضية العلاقة بين الشعر والدين نجده بقوله (ان الآراء والانتقادات في الدين لا تقدح في جودة الشعر) وايضاً اشار الى ان شعر الشاعر يجب ان لا يتناقض بحسب الاحوال النفسية ، ولهذا ذهب يوفق بين قول المتنبي : ان كنت ظاعنه فأن مدامعي تكفي مزادكم وتروي العيسا وقوله : ولا سقيت الثرى المزن مخلفه دمعاً ينشفه من لوعة نفسي ولكننا نجده يتجاوز هذا الموقف الى الإعجاب بالمبالغة في موضوعها التسامح في طبيعة الالفاظ التي يستعملها الشاعر ، فهو يمتدح المتنبي لانه أدخل في شعره بعض ألفاظ المتصوفة بقوله : (وقد افتّن في ألفاظه كما افتّن في معانيه) . ونلاحظ ان ابن جني من خلال هذه الآراء كان لا يألو جهداً في الدفاع عن شعره المتنبي وعن المتنبي نفسه فعلى الرغم من ان الخصوم كانوا يتحيرون في شعر المتنبي الاخطاء والهنات والسرقات نجده يذهب الى ان المتنبي في اغلب اشعاره كان مصيباً في اختياراته لالفاظه ومعانيه ويقول ان قل ما تجد عند شاعر مثل هذه الجرأة والتجاسر ، الا اننا يمكن ان نشير الى اهم ما حققه ابن جني في نظر نفسه هو ان استطاع ان يحبب شعر المتنبي الى استاذه ابي العلي الفارسي لما كان لهذا الاستاذ من مكانة في نفسه ، قال : (ولقد ذاكرت شيخنا أبا علي الحسن بن احمد الفارسي بمدينة السلام ليلاً وقد اخلينا، فأخذ يقرضه ويفضله ، وأنشدته من حفظي (واحر قلباه....) فجعل يستحسنها ، فلما وصلت الى قوله : وشر ما قنصته راحتي قنص شهب البزاة سواء فيه والرخم لم يزل يستعيره مني الى ان حفظه وقال : ما رأيت رجلاً في معناه مثله . فلو لم يكن له من الفضيلة الا قول ابي علي هذا فيه لكفاره ، لان ابا علي مع جلالة قدره في العلم ونباهة محله واقترائه سنة ذوي الفضل من قبله لم يكن ليطلق هذا القول عليه الا هو مستحق له عنده ، فماذا يتعلق به من غضّ أهل النقص من فضله وهذا حاله في نظر فرد الزمان في علمه والمجتمع على اصالة حكمه) . ونجد ابن جني ليستأنس برأي استاذه في ما يجيء به الشاعر المحدث من ضروريات قياساً على الضروريات التي كان يركبها القدماء فيقول له:(نعم لان هذا شعر كما ان ذلك شعر، وكما يجوز ان يؤتى في النثر بما اتوا به فكذلك يجوز في النظم ايضاً . وخلاصة القول نجد ان ابن جني قد رصد جملة من المسائل المهمة في شعر المتنبي من شأنها ان ترفع من شعر المتنبي وتقف بوجه الخصوم .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|