رعاية الموهوبين والمتفوقين: تجربة العراقية
خلفية تأريخية: يشهد العالم برمته في مطلع الألفية الثالثة تجديدات علمية وتقنية رئيسة، وتحولات سياسية واقتصادية وديموغرافية واجتماعية سوف ستتسارع في العقود القادمة بلا ريب وتُفضي إلى تغييرات حادة، ولا سيما في نظم التعليم التي سيتعين عليها مواجهة الاحتياجات المتزايدة والتحديات الجديدة في عالم سريع التغير، ويتطلب هذا أن تستثمر نظمنا التربوية كل إمكاناتها المادية والبشرية في رعاية ملكات أبنائنا الإبداعية، وأن تبدي شجاعتها وتصميمها الراسخ على إجراء تغييرات جوهرية في فلسفتها وأهدافها وأساليبها لإثبات قدرتها على الاطلاع بالمهمات التي تنتظرها والتي تقف في مقدمة أولوياتها تحقيق التميز في مجال التعليم. وبالنسبة للنظام التربوي في العراق، فإن تركيز الجهود عموماً كان ولا يزال يدور حول زيادة فرص التعليم لبلوغ ما اصطلحت عليه منظمة اليونسكو هدف " التعليم للجميع" والذي يتمثل في تلبية الطلب المتزايد على التعليم المدرسي دون إدراج نوعية التعليم المقدم في عداد الأولويات، ومن هنا فإن التوسع الضخم والسريع للنظام التربوي وثقله المفرط لسنوات طويلة أدى إلى اكتظاظ المدارس الذي زاد عن ألف طالب وطالبة في العديد منها وعن مائة في الفصل الواحد، واتباع أساليب تقليدية في التدريس والاعتماد على معلمين عاجزين عن التكيف مع طرائق وأساليب التعليم الحديثة، ناهيك عن توظيف معلمي " الطوارئ" ومعلمين في غير الاختصاصات المطلوبة، بحيث أصبحت هذه المشكلات المزمنة عقبات كبرى أمام توفير تعليم أفضل لقرابة الخمسة ملايين ونصف من الطلاب أي ما نسبة 25% من مجموع السكان، أو لإيلاء الأهتمام الكافِ بمسألة الأنصاف في التعليم من خلال توفير إمكانات تتناسب واحتياجات طلاب يختلفون في استعداداتهم وقدراتهم، ومنهم شريحة الموهوبين، مما يعني حرمان المجتمع من أثمن الموارد البشرية اللازمة لتأمين تنمية حقيقية وفاعلة في عراقٍ مزقته الحروب و أنهكه الحصار، إذ لا يصح أن تطبق معاملة متساوية على أشخاص غير متساويين، مهما تكن سلامة القصد في السياسات التقليدية التي ينتهجها النظام التربوي أو قيامه ببرامج جزئية متناثرة لرعاية المتفوقين تحصيلياً وتهدئة خواطر الموهوبين بفرص محددة من التعليم على مستوى متقدم. ومن أجل معالجة هذا الوضع ، يقوم العراق ومنذ ثلاثة عقود بتنفيذ خطوات إصلاحية تستهدف تحسين نوعية التعليم، وقد اهتم النظام التربوي على وجه الخصوص بحالة الطلاب ذوي المواهب الفذّة وضرورة تعزيز كفاءة المعلمين وتدريبهم لتلبية احتياجات هذه الفئة من الطلاب. وبعد أن تم التأكد من أن الأمتياز في مجال التعليم يمثل ضرورة وطنية، همّ النظام التربوي بتوجيه من الدولة بعقد ثلاث حلقات دراسية في عامي 1971 و 1972 * تهدف إلى وضع فلسفة جديدة للتربية والتعليم في العراق سعياً إلى تلبية هذه الحاجة، وطمأنة شتى الاحتياجات المتعلقة بالتنمية في جميع أنحاء البلاد، واستحداث نماذج تجديدية ودينامية للتنمية المتكاملة للجميع ووضع معايير وطنية للإمتياز في مجالات التنمية البشرية والاجتماعية والتربية. وتتميز رؤية هذه الحلقات للأمور باعتماد نهج شمولي للتنمية يقوم على المشاركة الفاعلة والتعاون القطاعي على كافة المستويات. وفي ضوء معطيات الحلقات الدارسية الثلاث، ورسوخ الوعي التربوي بأهمية شريحة المتفوقين، وضعت أهداف جديدة للتربية والتعليم تمت الأشارة فيها إلى حملة " عبارات" تدعو إلى الاهتمام بالطلاب الموهوبين والمتوفقين وتحفيز قدراتهم الإبداعية واستثمار طاقاتهم إلى حدها الأقصى من خلال توفير بيئات مفتوحة تقوم على التفاعل والمشاركة الهادفة. إذ تقرأ في الهدف الشامل للتربية " تنشئة جيل واعٍ ... يتمكن من اكتشاف ناصية العلوم والمعرفة..." قادر على استثمار طاقاته المبدعة في خدمة مجتمعه ..." وعند تتبعنا للأهداف العامة الأثني عشر التي تحكم مسيرة التعليم في المدارس الابتدائية والثانوية " نعثر" في الهدف المعرفي والعلمي،كمثال على ذلك ،على عبارات تؤكد على التميز في مجال التعليم وعلى ضرورة مراعاة القدرات العقلية للطلاب.
وفي هدف التفوق: إيلاء الأهتمام للمتفوقين وتلبية احتياجاتهم الفكرية والوجدانية والاجتماعية، كمثال آخر، وفي أهداف المراحل الدراسية وأهداف المواد الدراسية لفت النظر إلى استخدام أساليب متطورة في رعاية الطلاب وتعليمهم وفق أحدث المستجدات التربوية*.
وقد أهتم النظام التربوي برعاية فئة الموهوبين والمتفوقين فعلياً منذ عام 1987، اذ كانت باكورة هذا الاهتمام تطبيق مشروع " التسريع " acceleration في ضوء موافقة ديوان الرئاسة**، اذ فتح المجال للطلاب في محافظة بغداد، وعلى سبيل التجريب، من التقديم للتسريع والذي كان من أبرز استراتيجياته: ? القبول المبكر بالنسبة لعمر الطالب الزمني ? تخطي بعض الفصول الدراسية ? إنهاء المرحلة الدراسية في عدد سنوات أقل وقد كان من مبررات إعتماد هذا النموذج: ? أنه سهل من ناحية التنظيم الإداري لوجود صفوف دراسية متقدمة تستوعب الطلاب المسرعين ? تلبية احتياجات المتفوقين العقلية والمعرفية ? له مردودات اقتصادية وقد أقتصر المشروع هذا ومنذ تطبيقه عام 1987 على تنفيذ المسار الخاص بتخطي الصفوف الدراسية فقط من نموذج التسريع لمبرر أساسي ألا وهو أن أية برامج إثرائية تعطى للطالب المتفوق ليس لها نتائج إيجابية ما لم تصاحب باسراع وتعجيل في الصفوف الدراسية في ضوء اختبارات محددة يخضع لها الطالب قبل التسريع.
وتحوّل الاهتمام بالطلاب المتفوقين والموهوبين ليأخذ شكلاً آخر وهو تأسيس مدارس المتميزين عام 1988، ابتدأت بمدرسة واحدة في بغداد ثم ما لبثت أن انتشرت في عموم محافظات العراق، اذ يشير هذا النموذج في استراتيجياته إلى فتح المجال أمام الطلاب المتفوقين للتقدم لمدارس المتميزين الثانوية من الذين لا تقل معدلات درجاتهم في الامتحان الوزاري للمرحلة الابتدائية عن 98%، خفض بعد ذلك إلى 95%، مع اخضاعهم لإختبارات القدرات العقلية واختبارات تحصيلية في الدروس الأساسية للمرحلة الابتدائية، واعتماد مبدأ المفاضلة بين الناجحين في الاختبارات بحيث يتم قبول (25) طالباً وطالبة في الصف الواحد وبطاقة استيعابية لا تزيد عن ثلاثة صفوف في المدرسة الواحدة سواء كان ذلك في مدارس المتميزين أو في الصفوف الملحقة بالمدارس الثانوية الاعتيادية... ولزحم المتقدمين لهذا النوع من المدارس وكثرة الناجحين في اختبارات الترشيح وتمسك اولياء أمور الطلاب المتفوقين بها لتميزها في نواحي الضبط والنظام ومستوى الدارسة ونوعية المعلمين فيها وبخاصة في محافظة بغداد، دفع الأسرة العراقية إلى التعاون مع وزارة التربية من خلال التبرع بالمال لبناء أجنحة وصفوف مضافة في المدارس تيسيراً لدوام أبنائها والحصول على تعليم أفضل ورعاية أنسب. ومن العلامات البارزة لحركة الاهتمام بالموهوبين تأسيس مدرسة للطلاب الموهوبين في بغداد وفق قانون خاص بها وضعت مواده منذ عام 1998 ولم يشرع إلا في عام 2001*. ترتبط "مدرسة الموهوبين" بوزير التربية مباشرة ويكون مقرها في بغداد، وللوزير فتح مدرسة واحدة في كل محافظة عندما يكون عدد الطلاب مناسباً إذ يقبل الطالب الموهوب في الصف والمرحلة الملائمة لموهبته. ( المادة (1) من القانون).
إن مدرسة الموهوبين تمثل توليفاً ناجحاً للبحث والتجديد القائمين على تعزيز القدرات البشرية، وتحديث مضامين التعليم وطرائقه من أجل التنمية الوطنية، والتعاون والالتزام من جانب بعض الجمعيات العلمية والأسر العراقية لخدمة المجتمع. والنجاح الذي حققته المدرسة لم يكن بالأمر السهل إذ سبقته جهود مضنية وحثيثة على الرغم من الظروف الاستثنائية التي مرّ بها العراق من حصار وتداعيات الحورب. فقد تشكلت هيئة لرعاية الموهوبين برئاسة وكيل وزارة التربية وعضوية أساتذة جامعيين وممثلين عن مراكز البحوث النفسية والتربوية. ومدرسين ميدانيين كان هدفها وضع الأرضية السليمة لتأسيس مدرسة خاصة بالموهوبين في ضوء معطيات البحوث والدراسات والجهود السابقة والخبرات الدولية، خاصة وأن وفدين كانا قد زارا الاتحاد السوفيتي سابقاً والولايات المتحدة الأمريكية للاطلاع وتوثيق التجارب الأجنبية التي أفادت عمل هيئة رعاية الموهوبين بحيث أفضت هذه الجهود ـ قبل تأسيس المدرسة ـ إلى وضع معايير علمية لاكتشاف الموهوب وأساليب رعايته في أنحاء البلاد كافة من خلال لجنة للقياس والتقويم مهمتها مقابلة الطلاب الموهوبين والمتفوقين وتحديد مواهبهم، والتوصية بأسلوب الرعاية المناسبة لهم في مدارسهم أو في مدارس محددة تتسم بالسمعة التربوية المتميزة. ومنذ تأسيس مدرسة الموهوبين، أحرز طلابها نتائج باهرة على صعيد التحصيل العلمي حيث المناهج والبرامج العلمية والثقافية والاجتماعية تفوق ما هو متوافر في المدارس الاعتيادية لتتخطاها إلى مراحل متقدمة تتساوق والمطروح منها في الدراسات الجامعية الأولية، وفي بعض ثنايا ومضامين المواد الدراسية تتفّوق لتصل إلى الدراسات العليا وبخاصة في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتي تشكل مادة علوم الحياة الأساس العلمي للمدرسة إذ يتم تدريسها باللغة الانجليزية. ما تم ذكره في أعلاه من النماذج تمثل استراتيجيات راسخة في النظام التربوي بعد أن تّم تجربتها وإثباتها، وهناك بعض الخطوات النوعية الأخرى أتخذها النظام لمواجهة ظاهرة وجود طلاب يتميزون بقدرات غير عادية يتفوقون بها على الغالبية من أقرانهم وهذه الخطوات تتمثل بالآتي: ? استحدثت وزارة التربية بموجب قانونها لعام 1973 المعدّل مديرية التربية الخاصة التي كان من أهدافها رعاية الطلاب الموهوبين والمتفوقين ومتابعتهم وإثراء معلوماتهم وتحفيز طاقاتهم واستثمار نتاجاتهم، لكن هذه المديرية كانت بحاجة ماسّة إلى كفاءات متخصصة تقودها بغية تحقيق أهدافها الواسعة، مما حدى بوزارة التربية أن تشكل لجنة عليا للتربية الخاصة عام 1981 تتولى مسؤولية اكتشاف ورعاية الطلاب الموهوبين والمتفوقين، إضافة إلى رعاية بطييئ التعلم وضعاف السمع والبصر وذوي الصعوبات التعلمية، وكانت برئاسة أستاذ جامعي وأعضاء من المدريسين الجامعيين ومن موظفي وزارة التربية. وقد بدأت بالعمل مقتصرة في خطواتها على الطلاب من الفئة الثانية بحجة عدم وجود رعاية لهم في المدرسة. ? أسلوب التجاوز والقفز في المادة الدراسية وهي استراتيجيات الإسراع الجزئي من خلال إعطاء الفرصة للمتفوق بدراسة مادة أو عدة مواد دراسية في صف أعلى من صفه الحالي وبخاصة في المدرسة الابتدائية وبإشراف من المعلمين وتوجيه من إدارة المدرسة ومشرفيها التربويين مع بقاء الطالب مع أقرانه في الصف العادي . ? القبول المبكر في المرحلة الابتدائية وفق نطاق ضيق جداً وبموافقة من وزير التربية ذلك لأنه يتعارض مع نظام المدارس الابتدائية المرقم بـ (30) لسنة 1978 الذي يتطلب قبول من أكمل السنة السادسة من العمر في الصف الأول الابتدائي.* ? الاثراء الذي يطبق في بعض المدارس الابتدائية والثانوية وفي بعض الصفوف والمواد الدراسية اعتماداً على فصاحة المعلم وتعاون الهيئة التعليمية مع أسر الطلاب إذ يعطى الطلاب المتفوقين أنشطة أضافية في الصف الدراسي الاعتيادي وخارجه، وبعض المشروعات البحثية البسيطة ينفذها الطالب المتفوق بإشراف المعلمين من ذوي الخبرة. وعادة ما ينفذ الاثراء في مدارس المتميزين ورياض الأطفال الأهلية وبعض المدارس الابتدائية والثانوية العريقة مع إجراء بعض التعديلات في الجدول الدراسي والأنشطة التعليمية المستخدمة في الصف الاعتيادي بهدف تحرير المتفوقين من الأنشطة التقليدية وتقديمها لهم بصورة فردية او داخل مجموعات صغيرة، مع استخدام مراكز المعلومات المتوافرة . ? كما أن الزيارات الميدانية والرحلات الفصلية احدى استراتيجيات البرامج الإثرائية في مدارس
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|