انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الـتـربـيـة الـمـعـاصـرة..مـن الـبـرجـمـاتـيـة إلـى الـرأسـمـالـيـة الـثـقـافـيـة

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التربية وعلم النفس     المرحلة 1
أستاذ المادة ايام وهاب رزاق البيرماني       20/05/2018 22:43:24
في علم الاجتماع التربوي الحديث العديد من النظريات التي أسهمت في تطوير المناهج، وطرق التدريس، والتقويم، والأنشطة، والمناخ الدراسي والإدارة التربوية على وجه العموم.. من أهم هذه النظريات، النظرية البرجماتية، التي يعود الفضل في صياغتها على النحو الذي نعرفه عنها اليوم، إلى العالم الأمريكي جون ديوي، ونظرية رأس المال الثقافي التي تنسب إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو..

وبحسب د.فيليب اتكستون، فإن أهمية هاتين النظريتين، على الصعيد التربوي، تكمن في مجموعة من القيم التنظيمية التي تعد مكوِّنًا رئيسًا في المؤسسات التعليمية، منها القيم المُتعلقة بالنجاح والنمو، والقيم المتعلقة بالأمان، والقيم المتعلقة بالاتصال، والقيم المتعلقة بالمعايير الأخلاقية للسلوك، والقيم المتعلقة بتنمية الفرد، إلى جانب الاستفادة من مُعطياتها في العديد من العمليات التربوية، وإن كان هذا لا يمنع من وجود مآخذ على كلتا النظريتين ، شأنهما في ذلك شأن أي عمل بشري، له ما له، وعليه ما عليه.

فماذا عن البرجماتية، والرأسمالية الثقافية؟

وما أهمية كل منهما في حقل التربية والتعليم؟

وما هي المُشكلات والصعوبات التي يمكن أن تنشأ عن تطبيق كل من النظريتين؟

بحسب بول هيرست، فإنه إذا كانت النظرية العلمية، وصفيَّة وتفسيرية بالأساس، فإن وظيفة النظرية التربوية، هي التشخيص والعلاج، وإذا كانت النظرية العلمية تُحاول وصف وتفسير ما هو قائم، فإن النظرية التربوية تصِف وتُعزز ما ينبغي عمله مع الناشئة، وتوجيه وترشيد المُمارسات التربوية.. وعلى وجه العموم، فإن النظريات التربوية، بما فيها النظريتان البرجماتية والرأسمالية الثقافية، تتسم بجُملة من الأهداف، تجعل لها أهمية مرموقة في دراسة ظواهر التربية، نذكر منها:

• فهم طبيعة العلاقات التي تربط بين الظواهر التربوية بعضها ببعض، والتي تربطها بغيرها من الظواهر الاجتماعية.

• التعرُّف على الوقائع الثقافية والاجتماعية والشخصية المُرتبطة بالظواهر التربوية، في نشأتها وتطوُّرها.

• دراسة الظواهر التربوية، من حيث طبيعتها، وما تتسم به من خصائص وسِمات تجعل منها موضوعـًا مُتميِّزًا لعلم الاجتماع التربوي.

• الكشف عن الأبعاد، أو الوظائف الاجتماعية، التي تؤدِّيها الظواهر والنُظم التربوية.

• تحديد المضمون الأيدلوجي للتربية، وآثاره على العمليات التربوية.

• تحديد القوانين الاجتماعية العامة التي تحكم الظواهر التربوية، وما يرتبط بها من وقائع اجتماعية وثقافية وشخصية.

• تحليل التربية كوسيلة للتقدُّم الاجتماعي.

جـون ديـوي.. وأعـمـدة الـبـرجـمـاتـيـة

إن كلمة البرجماتية، هي في الأصل مشتقة من اللفظ الإغريقي pragma، الذي يعني (شيء، أو حقيقة، أو عمل)، أمَّا من حيث كونها مصطلح، فإن البرجماتية pragmatism، هي نظرية فلسفية اجتماعية سياسية تربوية، يُعرِّفها جون ديوي بأنها «أسلوب حياة، أو خطة عمل، أو مشروع نشاط، والنظر إلى الإنسان باعتباره ثمرة بيئته التي يعيش فيها، حيث اجتمع له الميراث المعرفي، وكذا الإقليم الذي نشأ فيه، والتربية التي تلقاها في صِغره، وطوال حياته، والأمة التي هو واحد من أفرادها، والعصر الذي ولد فيه.. وبحسب غير واحد من عُلماء الفلسفة والاجتماع، فإن البرجماتية هي منهج في التفكير، أكثر من كونها نظرية عامة، يتجسد فيه العصر العلمي الذي نعيش فيه اليوم بصفة عامة، وتتصوَّر فيه الحياة العلمية، التي يعيشها الأمريكيون، في مدنهم الصناعية الحديثة بصفة خاصة، ويأتي ذلك من أن البرجماتية نشأت كمذهب عملي في الولايات المتحدة الأمريكية، في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وقد وجدت في النظام الرأسمالي الحُر الذي يقوم على المنافسة الفردية، خير تربة للنمو والازدهار.

ويعد جون ديوي صاحب الفضل الأكبر في صياغة البرجماتية، على النحو الذي نعرفه الآن، وهو فيلسوف وعالم اجتماع أمريكي، ولِد عام 1856م، وتوفي عام 1952م، وكان لأفكاره تأثير واسع في المجتمع الأمريكي، وغيره من المُجتمعات الغربية، ومن أهم أفكاره، التي صارت جُزءًا رئيســًا من البرجماتية:

• أن أفكار الإنسان وآراءه هي ذرائع، يستعين بها على حِفظ بقائه أولًا، ثم السير في طريق التقدُّم ثانيــًا.

• إذا تضاربت آراء الإنسان وأفكاره، وتعارضت، كان أحقُّها وأصدقها، أنفعها وأجداها، والنفع هو الذي تنهض به التجربة العملية، دليلًا على فائدته.

• إن العقل أداة للحياة، ووسيلة لحِفظها، وكمالها، فليست مُهمَّته تفسير عِلم الغيب المجهول، بل يجب أن يتوجَّه للحياة العملية الواقعية.

• التناول التجريبي هو الأكثر تأثيرًا في حياة الإنسان والمُجتمع.

• النشاط الإنساني له وجهتان، فهو عقل، وهو إرادة، ونموُّه كعقل يُنتِج العِلم، وحين يتحقق كإرادة، يتجه نحو الدين، فالصِلة بين العلم والدين، تُرَد إلى الصلة بين العقل والإرادة.

• العالم مُتغير باستمرار، ويُعد الوصول إلى حقيقة الكون، وكيفية وجوده، أمرًا بعيد المنال.

• كل فرد هو جُزء من المجتمع، وله دور مُعيَّن فيه.

• تضع البرجماتية الثِقة في قُدرة الإنسان على المُساهمة الفاعلة في بناء المُجتمع، وتطويره، وحل المُشكلات التي تواجهه، أو التخفيف من حِدتها على الأقل.

• تحكُم على الأشياء من ناحيتين: التطبيق، والنفع أو الفائدة.

• ترى أن طبيعة الإنسان مُتكاملة، فعقله وجسمه ومشاعره، ليست أجزاء مُنفصلة، بل هي خصائص لعضو مُتكامل، وأن كل فرد له طبيعته وشخصيته الخاصة به.

• إن الفِكرة لابد أن تكون قابلة للتنفيذ، وأن الفكرة أو القضية التي ليست لها نتائج عملية، أو تأثير في السلوك، هي قضية أو فِكرة لا وجود لها.

• لا يهتم المنهج البرجماتي بمصدر الأفكار، ولا بكيفية ظهورها، وإنما يهتم بنتائجها العملية المؤثرة على السلوك والحياة.

• ينطلق الفكر البرجماتي إلى المُستقبل، مُتجاهلًا الماضي، وجاعلًا الحاضر لحظة إعداد لتحقيق برنامج نصنعه للمستقبل..ومن ثم فهو يُحدِث قطيعة مع الماضي، ويرفض البحث في المبادئ الأولية.

الـبـرجـمـاتـيـة..والـتـربـيــة

ومن منظورها للتربية، فإن البرجماتية تؤكِّد على أمرين:

• الأوَّل: العِناية باهتمامات الطالب.

• الثاني: العِناية بحُب الاستطلاع لدى الطالب.

واعتبار ذلك دافعـًا ومُحفَّزًا على التعلُّم بصفة أساسية.

ولم تجعل النظرية المُعلِّم محورًا للعملية التربوية، ووظيفته ليست مُجرد التدريس للأفراد، بل تكوين الحياة الاجتماعية الصحيحة، ومن أبرز ما تُركِّز عليه البرجماتية في حقل التربية:

• أن الميول والنشاطات الفردية للطالب، تُنظَّم من خِلال المُمارسات الجماعية، التي تعكس مُستوى تطوُّر المُجتمع.

• مُهمَّة المدرسة هي تدريب المُتعلِّم على التعاون، وتبادل التأثير، للوصول إلى هدف مُشترك.

• أساس التعليم يُبنى على اكتشاف الرغبات الخاصة، والقُدرات الشخصية عند المُتعلِّم، وعلى اكتشاف ما يحتاجه، وتدريبه للتكيُّف مع الوسط.

• الطلاب والمدرسون يوزعون المهام فيما بينهم.

• الطالب كائن باحث، يستطيع أن يُعلِّم نفسه، من خلال المُشاركة في النشاطات.

وفي نظرتها للمنهج، تتجه البرجماتية إلى هدف رئيس، يُبنى عليه المنهج، وهو الإقرار بالدراسات ذات الطبيعة الحديثة والمُعاصرة، والمُفيدة لإعداد جيل من الشباب، يتواءم مع الظروف المُتغيِّرة دومــًا في مُجتمعه، وخاصة ما يتعلَّق منها بالعمل والتعامل، ودراسة المواقف، بما تتضمَّنه من موضوعات، وليس القراءة منها فحسب، وعند البرجماتيين لا يُفرِّق المنهج بين الفعاليات المنهجية، وغير المنهجية، فكل ما يمر به الطالب هو جُزء من المنهج، سواء أكان نشاطـًا ترويحيـًا، أو اجتماعيــًا، أو عقليـًا.

ويُمكن تتبُّع أهم الركائز التي تدعو إليها البرجماتية في بناء المنهج الدراسي، على النحو الآتي:

• التربية:

هي الحياة نفسها.

• الأهداف:

يقوم الخبراء بوضع بعض الأهداف العامة، ويتم وضع الأهداف التربوية بمُشاركة بين المُعلِّمين والطُلاَّب، من خِلال المُناقشة للغايات والوسائل، والقيام بتحديد ما يجب تعلُّمه، وكيفية تعلُّمه، وكيفية إنجازه وعرضه.

• المادة الدراسية (المعرفة):

تتصف بالاكتشاف والتشكيل والاستعمال للأفكار والخِبرة، ودور المُعلِّم هو تبادل المعرفة مع الطلاب، والإبداع في استعمالها، ولا يقوم المعلم بفرض المعرفة على الطالب، على الرغم من أنه الأكثر معرفة من الطالب، فالمادة الدراسية تكمن أهميتها حين تكون ذات معنى للطالب، وهي تتصِف بالمرونة والتجديد، لمواجهة حاجات المُجتمع، وكذلك الحاجات الفردية للطلاب.

• دور المعلم:

يكون مُشاركــًا في المواقف التعليمية، فهو مُرشِد وموجِّه للطلاب عند التعلُّم.. وعلى المُعلِّم أن يحترم حقوق طُلاَّبه، ويوفِّر لهم الديمقراطية في التعامل، ويكون قادرًا على حل المُشكلات، باستخدام الأساليب العلمية المُناسبة.

• الاختبارات:

تُصمم بحيث يُمكن من خِلالها قياس قُدرة الطلاب على حل المُشكلات، وعلى مدى إنجازهم للمشاريع الخاصة بهم، لأنها تقيس التطبيقات العملية، ومن خلال هذه الاختبارات يتعرَّف الطلاب على مدى تطبيقهم للمبادئ والمفاهيم، أثناء عملهم في الأنشطة المُختلفة، ولا يستخدِم المعلم الاختبارات المقالية، إلاَّ فيما ندر، وتكمن أهمية الاختبارات في تشخيص أساليب التعليم، وكيفية تعلُّم الطلاب.

• الأنشطة المدرسية:

تحتوي على نشاطات مُختلفة الأهداف والأشكال، مثل نوادي الهوايات، والنوادي الاجتماعية، والنوادي الرياضية، والنوادي الأكاديمية، وجماعات الإرشاد الطُلاَّبي، وتهدف الأنشطة إلى تلبية حاجات الطلاب ورغباتهم، ويجد فيها الطلاب فُرصة للمُشاركة والعمل الخارجي في البيئة الحياتية.

• المناخ الدراسي:

يتَّصف المناخ المدرسي، بالحركة والنشاط والمرونة والعلاقات الاجتماعية، ويقوم الطلاب من خلاله بعمليات مُتبادلة، في موضوعات عملية، واهتمامات نافعة، تتميز بالحركية الإيجابية، وعادة تكون موجَّهة لانضباط الذات.

• الكتب الدراسية:

هي أدوات وموارد يقوم الطلاب باستخدامها، لفهم ما بها، ومن بين ما تتضمَّنه بيانات وصور إيضاحية، تُساعِد على الفهم والمنفعة العملية، وتضم الخِبرات التي تساوي في أهميتها الكلمات المطبوعة.

• أولويات المنهج:

البُعد عن الموضوعات التقليدية، فهو ليس مُجرَّد قائمة من الموضوعات، وإنما مجموعة من المهارات الاجتماعية، والفنون العملية، وحل المُشكلات، ويهتم بمُراعاة عقول الطلاب، وتصوَّرهم للعالم، ليُساعدهم على فهم عالمهم حاضرًا ومُستقبلًا، ويُساهم في تنمية إبداعاتهم وابتكاراتهم، بحيث يجعلهم أعضاء مُساهمين في تحسين أحوال مُجتمعهم.

• التفكير المُفضَّل:

الاهتمام بحل المًشكلات، والبحث عن البدائل للحُلول المُختلفة، ويتم استخدام التفكير المُتباعد، بأسلوب عِلمي سليم، وكذلك البحث التجريبي، ويقوم المعلمون بدمج المنهج العلمي والعملي، وذلك لتحقيق أقصى درجات النمو عند الطلاب، مع مُراعاة المرونة، والتحرر من الأسلوب التقليدي.

بـورديـو..والـرأســمـالـيـة الـثـقـافـيــة

تنسب الأفكار الرئيسة التي تقوم عليها نظرية الرأسمالية الثقافية، إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1930م ــ 2002م)، الذي اشتهر بغزارة إنتاجه في علم الاجتماع الحديث، حيث ألَّف أكثر من30 كتابـًا، ومئات الدراسات والأبحاث والمقالات التي تُرجمت إلى جل لُغات العالم، وجعلته يتبوأ مكانة رفيعة بين الأسماء البارزة في علم الاجتماع، والفِكر النقدي، مُنذ نهاية ستينيات القرن الماضي.

والثقافة عند بورديو، هي نسق رمزي Symbolic system ، أو كما أطلَق عليها (القوُّة الرمزية)، ويقصد بذلك أن الأنسقة الرمزية، في أي مُجتمع ديمقراطي، هي أدوات السيطرة الاجتماعية والسياسية، ومن ثم فإن الثقافة كأنسقة رمزية، هي رأس مال، وهي موضوع صِراع بين القوى الاجتماعية المُتعددة. وتهدف كل قوَّة من هذه القوى الاجتماعية، إلى السعي وراء السيطرة على حقل الثقافة، أو إنتاج وتوزيع رأسمالي ثقافي فيه.. وبحسب بورديو فإن رأس المال الثقافي، يُصنَّف في إطار قسمين أساسيين:

• رأس مال ثقافي موروث: وهو كُل ما يناله الفرد خِلال عملية التنشئة الاجتماعية، مثل عناصر البنية العقلية، ومُفردات الُلغة.

• رأس مال ثقافي مُكتسب: وهو كل ما يكتسبه الفرد من مؤهِّلات تعليمية.

ويدعونا بورديو إلى التفكير في رأس المال الثقافي، بنفس الطريقة التي نفكِّر بها في رأس المال الاقتصادي، من حيث تراكم رأس المال، فالمؤسسات الاقتصادية مبنيَّة لمُساندة من يحوزون بداية رأس المال الاقتصادي، وكذلك فالمؤسسات التعليمية مبنيَّة لمُساندة من يحوزون بداية رأس مال ثقافي، وتتم هذه المُساندة من خِلال اعتبار النظام التعليمي (هابيتوس)(1) الجماعة المُسيطرة، وهو الهابيتوس الطبيعي والمُناسب، ويُعبِّر عن ذلك في المُقررات والمناهج، وفي تقويم الطلاب.

الـرأســمـالـيـة الـثـقـافـيـة..والـتـربـيــة

وفي إطار مُعطيات نظرية الرأسمالية الثقافية، وما أفضت إليه من نتائج، فإنها تنظر إلى التربية من النواحي الآتية:

• المُقارنة بين الظواهر التربوية التي تدخل في إطار السوسيولوجيا النقدية للتربية.

• يتجسَّد رأس المال الثقافي، وتباين امتلاكه في التعليم، ضِمن ثلاثة أشكال رئيسة، هي:

أولًا:الحالة المُلتحمية، أو المُجسَّدة:

حيث يرتبط رأس المال الثقافي بالذات العضوية، ومن كونها تفترض الالتحام أو الاندماج، ويتطلب هذا الأخير ليستثمر كيفية شخصية من طرف المستثمر، بمعنى أن مقياس رأس المال الثقافي، يرتبط بمقياس أساسي هو الاندماج، ولكن شريطة ألا يُقلِّص هذا، الوقت في مُدة التمدرس، وأن يؤخذ في الاعتبار التربية العائلية الأولى، التي لها قيمة إيجابية أو سلبية، وبالتالي يُشكِّل الرأسمال الثقافي كيانـًا، وخاصية، وجُزءًا لا يجزأ من الشخصية، أي تطبعًا habitué.

ثانيـًا: الحالة المموضعة أو المشيئة:

حيث يوجد على هيئة أمتعة، أو سِلع ثقافية، كاللوحات والكتب والموسوعات والقواميس ووسائل وآلات، «إن هذا الرأسمال الثقافي المموضع يتميَّز بكونه يُنقل من ماديته».

ثالثــًا: الحالة المؤسساتية:

يوجد هذا الرأسمال في شكل طقوس وألقاب مدرسية، كالشواهد والامتحانات.

وبحسب النظرية الرأسمالية في التربية، فإن عملية تأسيس وبناء الخبرات التعليمية، تتشكَّل وتُكتَسب من خِلال الأُسرة، كما يشكَّل (الهابيتوس) الذي تصوغه المدرسة فيما بعد، أساســًا لعملية بناء كل الخُبرات التالية، مثل استقبال واستيعاب كل الرسائل الخاصة بالثقافة، وبخبرات العمل، وما يترتب من إعادة بناء إلى إعادة بناء تالية, وهكذا.

جدير بالإشارة، فإن رأس المال الثقافي كغيره من رؤوس الأموال، يوفِّر أرباحــًا مُباشرة، وأرباح تمايز تنتُج عن نُدرته، أي أن واقع توزيعه غير مُتساو.. ويرى غير واحد من خبراء الاجتماع التربوي، أن من أهم ما تقدِّمه النظرية الرأسمالية الثقافية للتعليم، أنها تساهم في زيادة الشفافية في التعاملات المُختلفة داخل المؤسسة التعليمية، وفهم أفضل للأصول غير المالية، وأهميتها في خلق قيمة مُضافة للمؤسسة التعليمية، وإقامة منظومة إدارية قادرة على تحسين المُنافسة بين الموظفين، والعمل على تطوير المؤسسة، حيث إنه من خلال تقدير رأس المال الثقافي، يُمكن تحديد مناطق للتطوير والتحسين على نحو أكثر دِقَّة، مع السماح بقياس التحسينات بثبات، بمرور الوقت، إضافة إلى ذلك يُقدِّم رأس المال الثقافي تقويمـًا جيِّدًا لقوُّة وصِفة العمل داخل المؤسسة التعليمية.

مـآخـذ عـلـى الـنـظـريـتـيـن

وبرغم أهمية كُل من النظريتين، البرجماتية، والرأسمالية الثقافية، في المجالات التربوية والتعليمية، إلاَّ أنه يؤخَذ عليهما ما يلي:

• أوَّلًا: المآخذ على النظرية البرجماتية:

1ـ تُركِّز على المُتعلِّم، وتجعل منه المحور الأساسي في بناء المنهج، وتنفيذه، وترفض الاتجاهات التربوية التي تتخذ المادة الدراسية محورًا لها، في بناء المنهج، وتنفيذه.. ولكون المُتعلِّم هو محورها الرئيس، فإن البرجماتية ترفض التحديد السابق للمادة العلمية، وترفض التخطيط للعملية التعليمية، ومراحلها، مما يجعلها تبتعد عن تنظيم العملية التربوية، مواد وفصولًا.

2ــ ترى أن مفهوم الصِدق يُطابق مفهوم النجاح، والفاعلية تُطابق المنفعة، فكل ما يُحقق فائدة عملية، ويقود إلى تحقيق أهداف الفرد صادق وصحيح.

3ــ تؤكِّد على النمو التلقائي للفرد، بحُكم العوامل الوراثية والبيولوجية الحتمية، وتنظر إلى أهمية التراكم الكمِّي للخبرات الفردية في تكوين الشخصية، وعلى هذا الأساس تتعامل مع التربية بالانتقاء الاجتماعي والتوزيع، وفقــًا لقُدرات الأفراد الطبيعية، ولا سيما الذكاء، وعليه لا يُمكن بناء الشخصية المُتكاملة، بحُكم إغفالها للتراث الحضاري، والعوامل الاجتماعية، والعوامل الأخرى، وهذا يُناقض منطق العِلم، ويؤدِّي بالمُتعلِّم إلى تشتيت اتجاهاته.

4 ــ لا تتقيَّد بمعايير روحية، فليس في رأيها وجود سابق للقِيم والمعايير الروحية، ولكنها تنشأ في أثناء القيام بالتجارب الناجحة، وتتولَّد في أثناء حل المُشكلات المُتنوِّعة، وترى أن الخِبرة الذاتية للفرد، والنجاح الفردي، هما الأساس للأخلاق، وليس تراكم التراث الثقافي للإنسانية، أو لمصلحة المجتمع وتنميته، بذلك تُنمِّي الفردية، والنجاح الفردي، والمنفعة، والبقاء للأقوى.

5 ــ تُركِّز على الجانب العملي لعملية التعليم، وهي بذلك تُقدِّم الطالب للمعرفة، بدلًا من أن تُقدِّم المعرفة له.. ومن ثم تحطيم التنظيم المنطقي للمادة العلمية، فضلًا عن أنها لا تُقدِّم للطالب سوى المعلومات الجزئية والسطحية، ذات الهدف النفعي، مما يؤدِّي إلى ضعف المُستوى العِلمي للطلاب.

6ــ دور المُعلِّم يقتصر على النُصح والاستشارة وتنظيم ظروف الخبرة، والإمكانات التي تُساعد على تعلُّم الفرد، وهذا يعني إهمال الكثير من طاقات المعلم وإمكاناته وإبداعاته، لأنه عنصر فاعل في العملية التعليمية، مما يُكسِب العملية التربوية قُدرة على بناء المتعلم وتعليمه.

7ــ هي في مُجملها إنما تُعبِّر عن واقع المجتمع الأمريكي، وأن تطوره الاقتصادي والاجتماعي، يكمن في تطوُّره العلمي، وتقدُّمه الصناعي.

8 ــ ينظر إليها البعض بأنها لا تُقدِّم لنا بحثــًا إيجابيــًا عن الحقيقة، إذ إنها مُجرَّد منهج لاكتشاف الأفكار الخاطئة.

ثانيـــًا:المآخذ على نظرية الرأسمالية الثقافية في التربية، ويُمكن إيجازها على النحو التالي:

• إهمال دور المُحتوى الدراسي، لصالح تعزيز التفاوت الاجتماعي (الطبقي) في المجتمعات المُعاصرة، والإسهام في إعادة إنتاجه.

• إغفال دور الثقافات الأُخرى، ووجودها داخل المؤسسات التعليمية، وتأثيرها في المدرسة.

• تقديم صورة سلبية للإنسان تنطوي على قابلية فائقة للتطبيع.

• إهدار مبدأ «تكافؤ الفُرص في التعليم»، الذي يرتبط على نحو وثيق بالمواقف وبالقيمة الاجتماعية المُعطاة للثقاف


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .