قلنا من قبل إن التعليم التقليدي (أو النظامي أو الشكلي أو المدرسي أو الرسمي) يعتبر أحد أشكال التعليم المستمر، ولكن أبرز أشكاله هو التعليم غير النظامي ، ويقصد به ما يقدم للكبار من البرامج والمساقات التي توازي في طبيعتها ما يقدم للدارسين في المراحل النظامية المختلفة، من ابتدائية فإعدادية وثانوية فجامعية، ومن مؤسسات هذا النمط مراكز محو الأمية والمدارس الشعبية والجامعات المفتوحة. وينضوي تحت التعليم النظامي مهمات التدريب التي تنظمها المؤسسات السالفة الذكر، كتأهيل المدرسين أثناء الخدمة، وتدريب المهنيين كالأطباء، والمهندسين، والفنيين في المجالات المختلفة. ومن أنماط التعليم المستمر ، ما يمكن أن نسميه التعليم الحر غير المحدود بشكل أو إطار، وهو ضرب من التعليم يكتسب بالتجربة ومعاركة الحياة كجزء منها، ومن مؤسسات هذا النمط، المكتبات والمساجد والنوادي ووسائل الاتصال الجماهيري والمواقع الأثرية وغير ذلك مما يمكن أن نطلق عليه اسم الثقافة العامة، ويمكن إجمال أبرز أنماط التعليم المستمر السائدة في ما يلي: 1. دورات التأهيل والتدريب، سواء أكانت أثناء مراحل (نظامية أو غير ذلك) أو كانت عقبها أثناء الخدمة. 2. التعليم المفتوح أو التعليم عن بعد، ومن أنماطه. ـ الجامعة التلفزيونية، كتلك التي في الصين، وجامعة انديرا غاندي في الهند اعتبارا من سنة 1984. ـ الجمعة المفتوحة، كجامعة القدس المفتوحة، والجامعة البريطانية،وجامعة العلّامة محمد إقبال في الباكستان، وجامعة تايلاند. ـ التعليم بالمراسلة، كما هي الحال في بعض الجامعات البريطانية، والتعليم بالانتساب، كجامعة بيروت العربية، وبالانتساب الموجه كما هي الحال في جامعة الإمارات العربية المتحدة. ـ الجامعة (بلا جدران) وتتمثل في التجربة التي قام بها عام 1971 معلمون من اتحاد الجامعات التجريبية (انظر هـ 13). 3. المدارس الليلية وبرامج محو الأمية وتعليم الكبار. التعليم المستمر تعلم مستمر: تعكس أبنية العربية جانبا مهما من فلسفة اللغة في توجيه دلالاتها، فالتعلم والتعليم عملية واحدة، غير أنها تسير في اتجاهين مختلفين، فالعملية التعليمية التعلمية يتجه بها الإنسان نحو نفسه وبإدارة مسبقة، لكنها تتم اكتسابا دون قصد، كتأثر الإنسان ببيئته وصدور سلوكياته عن فطرته. بينما يتجه الإنسان بالعملية التعليمية تجاه غيره، وكي تكون هذه الأخيرة منطقية، فإنها تكون قياسية صادقة،أي أن تكون متقنة، ولا بد لتحقيق هذه الصفة من متابعة التغيرات، وتكييف المناهج المتبعة في ضوء ذلك، في عملية مستمرة تعتمد على "تعويم" مناهج التعليم بجعلها مرنة Flexible قابلة هي الأخرى للتغير،وبحيث تكون منسجمة مع دورة الحياة. وهذا يعني على صعيد التعليم النظامي، أن يتوالى تدريب المعلمين ومعلميهم على نحو يتمشى مع المستجدات ويعكسها في المناهج والأساليب، "فالمعلمون معنيون إلى حد بعيد بضرورة التدريب المستمر لأربعة أسباب أساسية": أولا: لأنهم بالرغم من إسهام وسائل الإعلام أو ما يعرف بمدرسة الشارع، يظلون الوكلاء الأساسيين والحقيقيين لنقل المعلومات العملية والتقنية بكل معنى الكلمة. ثانيا: إن التغييرات الاجتماعية والثقافية تؤثر مباشرة على التربية وشروط الاتصال، وهذا الأمر يعني أن يأخذه المربون بالحسبان، ويباشروا بدراسة أساليب تعليمهم. ثالثا: أن المعلمين هم وكلاء مهمون في التدريب المستمر، ولا يقتصر دورهم على ما يقومون به في التدريب الأساسي، لذا عليهم أن يهتموا بكل ما يتعلق بالمعلومات والتقنية الجديدة، لأن الوقت قد حان لنشرها إن لم يتم ذلك بعد. رابعا: إن المعلومات والتقنيات لا تبعد من التقدم العام، فمن باب التناقض أن يكون المعلمون هم آخر من يهتم بها، علما بأنهم ناقلوها في الميادين كافة، ولا يمكن أن نتصور كيف يستطيع معلم أن يساعد بشكل فعّال وقيّم ـ معلما آخر من خبرته التعليمية، إذا لم يمارس هو نفسه هذا التمرين بمفرده أو بشكل جماعي (37). أما على صعيد التعليم المفتوح، فإنه يقتضي أن يطور القائمون على أمره من أساليبهم، وإجراء الدراسات والبحوث التي تهدف إلى إجراء هذا التطوير بنجاح، والتخطيط للتعليم بربطه مع التعليم الذي سبقه والذي سيليه؛ لتوفير استمرارية حقيقية مبنية على التنسيق والتكامل، وأن يأخذوا أنفسهم وموظفيهم بما يعرف بالتدريب الذاتي التلقائي، المستند أساسا على الجهود الفردية. ومهما كان التقدم الذي نتوقعه من عدد البحوث المتزايد، ومن الجدلية الوثيقة بين التجديد والبحث فلن يبطل ـ يوما ما ـ هذا النوع من التدريب، والسبب في ذلك أن هذه الجدلية لن تنتهي لأن الوضع التربوي معقد جدا. ولأن تأثيرات هذه الجدلية تتغير باستمرار، ولكن، لكي يصبح هذا النوع فعالا إلى أقصى حد، فإنه يتطلب تبادلا مستمرا بين المعلم والباحث الذي يجعل من هذه الممارسة هدفه. فهذا الترتيب الذي يمارس هنا وهناك، والذي يشكل أحد الأساليب الأساسية هو من التربية الدائمة المعروفة بالتربية المستمرة" (38). وهذا يقتضي توسع آفاق التربية العلمية والتلقائية، وبسطها أمام الاختيارات البشرية، وتكييفها على وجه أكثر فعالية مع المفاهيم الجديدة عن التعليم والفرص الجديدة الناشئة عن التقدم التقني. ويذهب تايلور إلى أن " التحديات الأربعة التي تواجهها البشرية: التغير والوعي والضرورة والمغامرة، تقتضي القيام بهجوم مركز عبر جميع مستويات التربية الشكلية" (39) ولا بد لذلك كله من تضافر الجهود وتكامل الرؤى،والتبصر في العملية التعليمية التعلمية باتجاهيها على حدّ سواء. ففاقد الشيء لا يعطيه،ومعطيه على غير وجهه ودون إتقان ما هو بمعطيه. وتحقيق ذينك إنما يكون باستمرارية التعلم ومواكبة التغيرات. " فلا شك في أن حاجة ملحة للتغير قد أخذت تظهر من نواح عديدة في النظم المدرسية للعالم بأسره، وإنه لمن السهل إبراز أن هذه النظم ليست في مستوى حاجات مجتمع يتطور بسرعة، فمن الضروري الانكباب على كل عناصر المناهج والطرائق والتنظيم، تقريبا، قصد إصلاحها" (40). وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون الأخذ به برمته، لا سيما أن لكل أمة خصائصها، وطرائقها، فلا بأس في اختبار فحواه، والنظر في مدى انطباقها على واقعنا، وملاءمتها له، فنحن أمام معطيات جديدة، تؤثر فينا وتجتاز حدودنا دون تأشيرة،وعبر طرق شتى، فإن نحن لم نتكيف معها بشكل نحدده نحن، انطلاقا من خصائصنا، وبحيث نضفي عليه شيئا من صبغتنا، فإن نتائج آثارها فينا لن تكون حميدة، وتكون الخلاصة شائهة لا تفضي إلى تقدم، ولا إلى شعور بالأمن. " إن التعليم البيولوجي الأساسي في فترة نضج إنسان ما في المجتمع العصري،يتشعب ويتغير بحكم نمو ذكائه وتجربته الشخصية وتكيفه الثقافي" (41)، وما ينطبق على الإنسان الفرد، ينطبق بالمعايير نفسها على الإنسان المجتمع، فالتكيف الثقافي مع المستجدات والمتغيرات ضروري لتحقيق اتصاف المجتمع بأنه متعلم، ولتحقيق مواكبة العصر الذي يعيش فيه. ولا سيما أن التعليم / التعلم المستمر، "يختلف عن النظام التعليمي القائم من حيث فلسفته وأهدافه ومحتواه ومبررات وجوده،لأنه منبثق من حاجات الدارسين، يافعين وكبارا. ولأنه يسعى لتلبية حاجات المجتمع، ومتطلبات التنمية فيه" (42)، فهو بذلك ضروري للحياة، للفرد والمجتمع على حد سواء. ومن هنا كان لزاما على الإنسان ـ لا سيما إنسان هذا العصر ـ أن يتعلم كيف يتعلم، وليس غريبا أن نجد في مساقات التعليم عن بعد،مساقا يحمل هذا العنوان "تعلم كيف تتعلم"، فالعلم شيء، وكيفية التعلم شيء آخر، ذلك معرفة منظمة ... وهذه منحى وأسلوب ... وكل ذلك علم آخر الأمر. ويهدف هذا المساق "إلى تدريب الطالب على المهارات والأساليب التي تعينه على بناء استراتيجياته الخاصة في عمليات التعليم، من استخدام القراءة في هذه العمليات،والقدرة على التمييز بين الأهم والمهم من بين المصادر الكثيرة والمراجع ... إلى تنمية قدراته النقدية بالتحاور مع كل منها في هذه العمليات، وإلى التدريب على الأساليب العلمية في البحث والأساليب التوثيقية في الكتابة، هذا فضلا عن ترويض نفسه في تنظيم أوقاته ليكون مهيّأ من النواحي الفكرية والنفسية في أوقات الدراسة والمراجعة والكتابة " (43). ونرى أن هذا المساق ينبغي أن يمتد لمساحة أوسع مما تقدم، وأن يبلغ آفاقا أبعد، بأن يدرب الدارس على التعامل مع المتغيرات، ويسهم في التخطيط وافتراض التصورات، واقتراح الحلول، بعبارة أخرى: أن يقحم في مادة المساق موضوع المتغيرات والمرونة الواجب التحلي بها عند التعامل معها، مما يعني أن تتضمن المادة برمجة حاسوبية موضوعها الإنسان نفسه، بحيث يغدو مبرمجا قادرا على التكيف مع المستجدات دون أن يفقد خواصه، وبشكل مستمر. فكلما زاد معدل التغير، زادت الحاجة إلى التعليم والتدريب المستمرين، ذلك أن ما يتلقاه الإنسان في مرحلة طفولته، يصبح باليا عتيقا في مراحل حياته التالية" (44) وأن "الأهم بالنسبة للأطفال، هو إعدادهم بحيث يعون مشكلات خزن المعلومات ونقلها، ويدركونها دون تحميلهم عبء تعلم الحلول الآنية المعينة، التي قد تصبح لاغية قبل أن يبلغوا سن البلوغ" (45) وما ينطبق على الطفل ينطبق على البالغ، بل على المجتمع بأسره، والمهم إذن هو أن يتعلم الإنسان كيف يفكر، وكيف يتعامل مع المتغيرات، فالعالم يستطيع أن يساعد الأطفال على التفكير بطريقة منطقية فيما يتعلق بالأحداث اليومية، وعلى حل المشكلات العلمية البسيطة، مثل هذه المهارات الفعلية ذات قيمة لهم أينما عاشوا وأي مهنة امتهنوا" (46). إن صفة الاستمرار في التعليم تقتضي أن يتصف ـ بالضرورة ـ بكونه تعلما في الوقت نفسه، ذلك أن الاستمرار حركة على محيط دائرة كبرت أو صغرت، تتدرج عليه حركة العقرب حتى تكتمل، ثم تعاود التدرج من جديد وهكذا، أو هي مسيرة الماء في نهر بدأ بجدول ما يلبث حتى يرفده جدول بعد جدول، فهو يتنامى ويتعاظم حتى يصب في مآله،فيتبخر مختلطا بغيره، ثم ينزل ماء هنا وهناك وتعود المسيرة من جديد وهكذا، في منظومة يستحيل حصرها وتحديد أبعادها. فالإنسان يولد جاهلا لا يفقه شيئا (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (47)، ثم يأخذ في اكتساب المعارف عبر حواسه متأثرا بأسرته وبيئته الطبيعية والاجتماعية بما في ذلك المدرسة والكتاب، ويغدو عقله قادرا على التحليل والتركيب يقوده بذلك إلى آفاق معرفية جديدة. وبعبارة أخرى، فإنه يتدرج على منحنى المعرفة من الصفر إلى ما شاء الله. وتتراكم المعارف البشرية، وتتداخل وتتلاقح، فيغير الإنسان مناهجه في اكتساب المعرفة وإكسابها الآخرين، ويتعمق التفاعل ويأخذ أنماطا جديدة ومتغيرات متلاقحة، تقتضي هي الأخرى أن يعاد النظر في المناهج السابقة، وهكذا على نحو مستمر متواصل، وإلا فإن الإنسان سيتخلف عن الركب ويكون العارف عندئذٍ أكثر إحساسا بالتخلف من الجاهل، وتتضاعف المسؤولية والأعباء إلى حد قد يبعث اليأس ويدعو للإحباط. وفيما يلي مخطط لما نتصوره من علاقة مدخلات التعليم المستمر ومخرجاته، وهو بمنـزلة مراحل على محيط شبه دائرة لولبية تتسع كلما أوشكت تستدير، وتفضي إحداها إلى التي تليها، مكسبة إياها زخما وفعالية وزيادة في النوع والكم. وقد يكون جميلا أن نشبه عملية التصعيد المعرفي، المتمثل في ما يكتسب منها جراء إخضاع المدخلات المتجددة، لمقتضيات التقويم والتغذية الراجعة في تفاعلها معها، بما يعكسه انطلاق سائق في طريق جبلي يسير فيه لأول مرة، فهو لا ينطلق مسرعا، بل يسير بحذر وترقب ريثما تتحقق الألفة بينه وبين ذلك الطريق، فيزداد تمرسه في القيادة عليه مرة بعد مرة. والتعليم المستمر من قبل المتلقي، يجب أن يكون موجها بنتائج التعليم المستمر الذي ينبغي أن يأخذ الملقي نفسه به، في منحى ديالكتيكي متطور باستمرار، ولعل ما يحدث في بلادنا لا يعكس ذلك التواكب بين عمليتي التعلم والتعليم، مما يفقدها طابع الاستمرار، والنتائج الحميدة التي يضمنها الاستمرار. بعبارة أخرى، إن على المربين، وموجهي الرأي العام والمدربين، أن يكرسوا جهودهم للمجالات التالية سواء بسواء: أ. تلقين المعارف وتوجيه السلوك. ب. تطوير المناهج التي يتبعونها بما ينسجم مع كل من: ـ تقدم المعرفة. ـ وما يستجد من تقنيات. ـ ومدارك المتلقين. ج. تقويم العملية من حين لآخر. د. تطوير معارفهم، وهنا لا بد من متابعة ذاتية من جهات الإشراف. إن ألفاظ اللغة التي تكتسب بها المعارف، وتوظف بها التقنيات ـ لتتصرف لدلالات تتغير على نحو مستمر،وإن لم يواكب الإنسان ذلك التغير، ويعايشه، فإنه سيكون كمن يظن أن الدينار ـ على سبيل المثال ـ ما يزال يساوي قيمته الشرائية التي كانت له قبل أربعين عاما،وكانت قيمته الشرائية عالية جدا، قياسا بما هي عليه اليوم. أو كمن يظن أن التلفاز هو ذلك الجيل القديم (أبيض وأسود) وان الطائرة هي تلك التي ركبها قبل ثلاثين عاما ... إن التطور والمتغيرات التي تطرأ كل يوم، هي مضاعفات متوالية هندسية، تستدعي أن ننظر إليه بجدية بالغة، ولعل أنجح السبل إلى تدارك ما فات ويفوت، هو أن نجعل من المجتمع برمته جامعة مفتوحة؛ تمارس عملية التعلّم والتعليم المستمرين، وتحقيق الانفتاح الاجتماعي دون تفريط، والتفاعل مع المستجدات بذاتية متميزة،واعتبار التعليم النظامي جزءا مكملا للتعليم المستمر، وتوظيف وسائل الإعلام كافة،في إنجاز أهداف هذا المشروع، ولتحقيق الانتقال إلى عصر التقنية العلمية بالتفاعل معها، وإنتاجها وتطويرها. وباختصار، إن التعليم المستمر يعني السير المنتظم نحو مستويات أعلى من الخبرة،"ويتطلب التعليم في هذه الحالة متدخلين من نوع جديد تقتضي وظائفهم وأدوارهم تدريبا خاصا، ينتج من ممارسة المهنة،كما ينبغي استدعاء معلمين من النوع التقليدي، شرط أن توكل إليهم في هذا النظام الجديد أدورا جديدة، ومن ثم تدريب ذاتي يضاف إلى تدريبهم السابق" (48). وقل مثل ذلك في القيادات التربوية الناجحة الفعالة، "ففي دراسة قام بها أوين (1987) وجد فيها أن فعالية مواد العلم الجديدة في أستراليا، تعتمد إلى حد كبير على رؤساء الدائرة العلمية ومهارتهم القيادية والتنظيمية" (49). المنهج إن سمة التغير التي تتصف بها الحياة في هذا العصر، تنسحب على معظم مكونات الحياة، وتتدخل في عناصرها بشكل فعال، ولما كانت التربية ألصق المناشط البشرية بالحياة؛ ذلك بما هي انعكاسها وترجمتها على نحو مغاير، فإن عناصر العملية التربوية، ستكون متغيرة باستمرار، يستوي في ذلك الخطط والمناهج والاستراتيجيات، أو الأهداف المرحلية والوسائل وطرائق التقويم وأولويات المعرفة. وقد نجمل الهدف العام للعملية التربوية المعاصرة،بتكييف الإنسان ليغدو قادرا على التفاعل مع نمط الحياة المعاصرة بالتعايش معه والإسهام في تطويره. بعبارة أخرى ... عن الهدف العام المطلوب هو "التربية من أجل الحياة"، و "أن التعليم المدرسي ليس إلا واحدا من المؤثرات التربوية في الحياة، وانه غير قادر بمفرده على إعداد كل ما هو مطلوب" (50). ومن هنا، كان لا بد من تطوير هذا التعليم؛ لرفع مستوى أدائه إلى أفضل وجه ممكن، والنظر في إمكان استحداث أساليب جديدة، توظف فيها كل الوسائل التي من شأنها تقديم "خدمات تربوية" ذلك "أن الحياة بمعناها الواسع تربي، فالبيت والبيئة ودور العبادة، والجمعيات والمنظمات، والصحف المجلات، والمتاحف والمكتبات ووسائل الإعلام، كلها تمد الفرد والمجتمع بخبرات، فهي إذاً مادة صالحة للمنهج الواسع المتكامل" (51). ويتم تطوير مناهج التعليم النظامي في الاتجاهين: الأفقي؛ بزيادة المواد التعليمية، وتنويع موضوعاته بما ينسجم مع متغيرات العصر ومستحدثات الحضارة. والعمودي؛ تحليلا وتركيبا وبناء، بحيث يتم التعمق في المعارف وتوظيفها بشكل فعال. أما ما يمكن أن نسميه "بالتربية الحرة" (52)، فإن مناهجها وبرامجها ما تزال غير واضحة، ويصعب تحديدها وتوجيهها؛ نظرا لاتساع دائرتها، وتنوع أساليب أدائها. والغالب في أمرها أن يتم تصميمها استنادا على "الحاجات المسلم بها، والحقائق الاقتصادية، والأوساط الاجتماعية والثقافية في المجتمع". ومثل هذه النقاط من شأنها أن تكون المنطلقات لصياغة برنامج فعال ممتع، له صلة بالمجتمع وبالتلاميذ والطلبة والنشء خارج المدارس، والبالغين الأميين ... إن برنامج العلم الذي يتصل بحياتهم اليومية وعالمهم الحقيقي، يشكل الحافز الأفضل، والمعنى الأمثل لتعلّم العلم" (53). غير أن هذا التعويم قد يكون هدفا ضروريا في حد ذاته، وقد نشبهه بالفراغات التي تترك بين قضبان سكة الحديد، أو بالإسفنج، أو صفائح البولسترين التي تغلف بها الأجهزة الدقيقة أثناء نقلها، لوقايتها من الصدمات المحتملة، ذلك أن العملية التربوية، في عالم المتغيرات المعاصر، عرضة للصدمات والعثرات باستمرار. ومن هنا، فإن الواجب يقتضي بان يوجه "التخطيط نحو تقويم التربية وتحديثها، وذلك بمراعاة ضمان التكامل والتفاعل بين المدرسة والمجتمع على مختلف المستويات، والحرص على تغيير النظم التربوية، أو تطويرها اعتمادا على التغيرات أو التطورات الاقتصادية، لضمان مزيد من المرونة والقابلية للتواؤم مع التغيرات المتلاحقة. ويقتضي هذا المنحى، القائم على أخذ التطورات والمتغيرات بالحسبان على نحو مستمر ... ان تكون هناك حركة تقويم مستمرة، تواكب ذلك المنحى باعتبارها جزءا منه مكملا له، والتقويم هنا موجه ليس للتحصيل ومدى انتفاع المتلقين بالمناهج المطورة فحسب، ولكنه بالدرجة الأولى موجه إلى المناهج نفسها من حيث مواءمتها وقدرتها على التعبير عن الأمور الحادثة، ومرونتها في تلبية مطالب المستجدات وترجمتها إلى مدخلات ينتظر أن تكون لها نتائج وأهداف على مستواها. الخلاصة: يتقدم المجتمع البشري في هذا العصر بسرعة فائقة، بل إن المرء يجد نفسه في سباق متواصل مع الآلة، والتقدم التقني يبلغ في كثير من الأحيان حدّ التحدي، وخصوصا في بلدان العالم الإسلامي ودول جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا الجنوبية. واستجابة لهذه الحقيقة المؤلمة، بات ملحا جدا أن تنهض المؤسسات الثقافية العربية، بمهمة التعليم المستمر وخدمة المجتمع العربي كخطوة لا بد منها إن نحن أردنا الارتقاء بالوطن والمواطنين إلى المستوى الحضاري اللائق بالعصر الذي نحيا فيه، وبأمة لها من الأمجاد ما كان، وكي لا نجد أنفسنا متخلفين وراء الركب نندب حظنا على قارعة الطريق. فمن المبادئ التي تقوم عليها استراتيجية تطوير التربية على طريق تنمية فلسفة تربوية عربية متميزة "مبدأ التنمية الشاملة بمعنى تنمية المجتمع بجميع فئاته وسائر مجالاته والعمل على تقدمه بصورة متوازنة" (55) ، ولا سبيل لتحقيق هذه المنجزات العريضة إلا بالتعليم المستمر، لا سيما أن التعليم النظامي لم يعد قادرا على النهوض بالأعباء المتجددة، بل لقد أصبحت المدرسة محل انتقاد، والأسرة محل ملامة، وهناك من يحمل المدرسة مسؤولية التخلف والأدواء الاجتماعية، ويطالب بالتحرر من قيودها (56). إن التعليم المستمر ليشكل أنجح السبل المتاحة للتعامل مع ظروف المجتمع العربي الراهنة؛ ذلك أن التعليم التقليدي لم ينجح في جسر الهوة الحضارية بيننا وبين الشعوب المتقدمة، كما أن استخدامنا لمخرجات التقنية الحديثة، لم يسهم في تقدم حقيقي نحو توطينها، وهذا يعني ـ باختصار ـ أن أمتنا تقف أمام التحديات المعاصرة وجها لوجه، دون ظهير أو سند، إلا ما يمكن أن تلجأ إليه من أساليب العصر في مقاومة آفاته، وفي مقدمة تلك الأساليب "التعليم المستمر" الذي يمكن أن نشبهه بتجديد الهواء في مسكن ما بشكل متواصل. ويمثل التعليم المستمر بهذا المفهوم، عنصرا لبقاء الأمة، وركيزة تمكنها من الصمود، ولئن قال بعض الفلاسفة "أنا أشك فأنا موجود" أو "أنا أفكر فأنا موجود"، فإننا نقول مع إدجار فور "أنا أتعلم فأنا موجود"، وهذا المعنى متضمن في تقريره للمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم 1972، حيث عبر عنه بقوله" Learning to be أي تعلم لتكون (57). وتختلف الأهداف المنوطة بالتعليم المستمر باختلاف المتلقين؛ من حيث مستواهم المعرفيّ، ومن حيث المجال الذي يتجهون للتزود منه. ويندرج ضمن هذه المتغيرات، طبيعة الظروف البيئية بين بلد وآخر، ومستوى اجتماعي وآخر ... ومهما يكن من حال، فإن الأهداف العامة التي يجب ان يتوخاها التعليم المستمر هي: ـ زيادة الحصيلة المعرفية المكتسبة على نحو متواصل طوال حياة الفرد، مما ينعكس إيجابا على حياة المجتمع. ـ تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ذلك أن برامج التعليم المستمر تتقدم من الدارسين منسجمة مع ظروفهم، إذ نادرا ما تصطدم بها، كما أنها تطرح بشكل متجدد، منهجية كانت أم لا منهجية، وبغرض الحصول على شهادة أم بغير غرض محدد. ـ تمكين الأفراد من الارتقاء الوظيفي، على طريق تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، وذلك بما يتيحه لهم من تطوير قدراتهم، ورفع كفاياتهم في المجالات المختلفة. ـ تعليم الأفراد مهنا جديدة، وتمكينهم من التكيف مع ظروف الحياة الطارئة والمستجدة، مما يسهم إسهاما فعالا في سد حاجات المجتمع، وتلبية حاجات الأفراد. ـ ترسيخ المعارف والمهارات المكتسبة بوساطة أنماط التعليم التقليدية، وإسنادها بما يستجد في عالم المعرفة، إلى غير ذلك من الأغراض التي يمكن أن تتشعب في هذه الأهداف. ـ إدخال مخرجات التقنية والتجربة الشخصية والمكتسبة على نحو متجدد ونتائج التقويم في العملية التربوية طرديا،مع استشراء الثورة العلمية وطغيان التقنية. ـ تحقيق قدر من المرونة يكفي للتكيف على المستوى الشخصي والاجتماعي مع متوالية المتغيرات التي يشهدها هذا العصر. ـ رفع كفاية المعلمين ومربيهم، والقيادات التربوية والمناهج، بحيث تكون على مستوى العصر.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|