انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية عشر : السيطرة العثمانية على أقطار المغرب العربي :

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التربية وعلم النفس     المرحلة 2
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       01/02/2015 06:24:22
اشرنا فيما سبق إلى أوضاع التفكك السياسي والتدهور الاقتصادي التي كانت تعيشه أقطار المغرب العربي وخاصة بعد ظهور الأطماع الاستعمارية الاسبانية والبرتغالية ، لذلك فقد أخذ السلطان سليم الأول على عاتقه مهمة بناء قوة بحرية تتولى انتزاع السيادة البحرية من الدول الأوربية في الحوض الغربي للبحر المتوسط وقد عاصرت مشروعات الدولة العثمانية في هذه المنطقة ظهور حركة عامة بين قادة البحر المغاربة تستهدف العمل على حماية موانيهم وسواحلهم من الأطماع الأوربية ، والعمل على تأمين وصول المهاجرين العرب من الأندلس بعد سقوط الدولة العربية فيها سنة 1492 .
لقد كان من أبرز أولئك القادة البحاران المغربيان عروج بن يعقوب وأخيه خير الدين المعروف بباربروس – أي ذو اللحية الصفراء – اللذان كانا يمتلكان اسطولا قويا يعمل في البحر المتوسط ، وكان عروج منذ سنة 1510 يتولى إدارة جزيرة جربة وهي جزيرة صغيرة تقع في خليج قابس شرقي تونس بموافقة سلطان تونس أبي عبد الله محمد بن الحسن الحفصي 1494 – 1526 مقابل دفعة للسلطان خمس الغنائم التي يحصل عليها من جراء الغارات التي يشنها على السفن الأوربية .
وكان للقصص التي يتداولها الناس عن الفظائع التي يرتكبها الاسبان ضد عرب الاندلس والمخاطر التي يتعرضون لها عقب خروجهم من الاندلس ولاسيما خطر وقوعهم أسرى لدى القراصنة الأوربيين من الأسباب التي جعلت عروج وأخيه خير الدين يوجهان جزءا من نشاطها العمل على إنقاذ العرب الاندلسيين عن طريق تأمين إيصالهم بسلام إلى المغرب العربي ويقال إن عدد الذين تم إنقاذهم يقدر بعشرات الآلاف .
اتجهت أنظار عرب المغرب إلى عروج وأخيه خير الدين لإنقاذهما من النير الأجنبي وكانت بجاية في طليعة المدن التي استنجدت بالأخوين لتحريرهما من الاسبان وقد لبى الأخوان الدعوة لكنهما أخفقا في تحريرها بسبب مناعة حصونها لذلك أحس الأخوان بضرورة البحث عن قاعدة جديدة لنشاطها فوقع اختيارهما على ميناء جيجل الجزائري الذي يقع على بعد 102 كم غرب بجاية وقد تمكن الأخوان من تحريره وجعله مركزا لنشاطهما .
اتصل عروج بعد تحرير جيجل بالسلطان سليم الأول وأرسل إليه جزءا من الغنائم وشرح له طبيعة المخاطر التي يتعرض لها المغرب العربي وبين له حاجته إلى الدعم والتاييد ، وقد اغتبط السلطان سليم بهذا العرض وبعث إلى عروج اسطولا مؤلفا من 14 سفينة مع إمدادات من الرجال والسلاح والذخيرة ويبدو ان الدعم الذي تلقاه عروج من العثمانيين زاد من إمكاناته وطموحه ، إذ حاول احتلال بجاية ثانية في اب 1514 واستعان لذلك الغر بقوة من قبيلة كتامة قوامها عشرون ألف مقال إلا أنه فشل في ذلك واضطر إلى رفع الحصار الذي يستمر ثلاثة أشهر وعاد إلى مقره في جيجل ، ويمكن عزو هذا الإخفاق إلى عوامل عدة منها رداءة الأحوال الجوية ووصول قوة إسبانية لنجدة حامية بجاية ، إضافة إلى حلول البذار وما ترتب عليه من تخلي رجال القبائل عن القتال وعودتهم إلى حقولهم .
قرر عروج توجيه جهوده نحو تحرير ميناء الجزائر بعد ان تسلم بضعة رسائل استغاثة من بعض الاهالي ، ومما تضمنته رسالة أحدهم وهو الشيخ ابو العباس بن احمد قاضي الزواوي ، وهو عالم وفقيه جزائري معروف بموقفه المعادي للاسبان قوله : إن بلادنا بقيت لك أو لأخيك أو للذئب . وقد جاء قرار عروج هذا اثر دراسة مستفيضة لأوضاع الجزائر إذ أدرك أن نجاحه في احتلال الجزائر وهي التي تتمتع بموقع ممتاز على البحر في منتصف المسافة بين بجاية ووهران ، سيجعله قادرا على إنقاذ بجاية وسواها من المدن الساحلية التي كانت ترزح تحت النير الاسباني ، كما عن السيطرة على الميناء ستكون بمثابة خطوة على طريق تأسيس حكم جديد في الجزائر تكون السلطة فيه له ولأخيه ، وعليه اتصل عروج بأخيه خير الدين وكان آنذاك في تونس وطلب منه تجنيد المتطوعين الراغبين في القتال ضد الاسبان والتوجه بهم بحرا للمساهمة في هذه الحملة وخرج خير الدين على رأس قوة بحرية مؤلفة من 21 سفينة على متنها 1500 مقاتل ، اما عروج فقد غادر جيجل ومعه قوية برية ومعه قوية برية قوامها 800 مقاتل ، وأخذ في طريقه إلى ميناء الجزائر يجند القبائل الجزائرية حتى بلغ عدد أفرادها 5000 وبعد ان نجح الاخوانه في تحطيم المحاولات الدفاعية التي قامت بها الحامية الاسبانية وتم لهما تحرير ميناء الجزائر في أواسط سنة 1516 اتجها نحو تلمسان وتناس والمدية وميليانة في جنوب مدينة الجزائر لتحريرها من السيطرة الأجنبية .
حاول عروج إنشاء دولة في الجزائر قادرة على تحقيق وحدة المغرب العربي الا ان هذه البداية الناجحة فشلت حين أدرك الاسبان أن قوات عروج أصبحت تشكل تهديدا خطيرا لوجودهم الاستعماري في المنطقة كله ، لذلك فقد أصدر الملك شارك الخامس أوامره إلى حاكم وهران الاسباني بالتقدم نحو تلمسان وإجلاء قوات عروج عنها ، وقد نجحت القوة الاسبانية في محاصرة عروج في مكان قع قرب وادي الملح بين وهران وتلمسان وقتله وتشتيت أتباعه سنة 1518 .
أدار خير الدين الصراع ضد المستعمرين الاسبان بعد مقتل أخيه عروج ، وأدرك منذ البداية ضعف موقفه السياسي وضآلة إمكانياته العسكرية لذلك أرسل بعثة إلى استانبول ترأسها أبو العباس بن احمد بن قاضي الزواوي يطلب فيها المساعدة من العثمانيين ، على امل أن يؤدي ذلك إلى تقوية مركزه ومن ثم تمكينه من الوقوف بوجه الاسبان ، وقد رحب السلطان سليم ومنح خير الدين لقب باشا ورتبة بكلر بكي الجزائر وأرسل إليه في سنة 1518 قوة من الانكشارية قوامها ستة آلاف رجل بمدافعهم وعتادهم الحربي تكون منهم " الأوجاق " أي قوة الجزائر الحربية وسمح له بتجنيد المتطوعين من الأناضول .
وقد نجح خير الدين في احتلال قلعة البينون يوم 27 أيار سنة 1529 بعد سلسلة من المعارك الدامية ضد المحتلين الأسبان وبذلك خلص مدينة الجزائر من نيران المدفعية الاسبانية التي كانت تسلط عليها من هذه القلعة التي لم تكن تبعد عن المدينة أكثر من 300 متر ، إن احتلال قلعة البينون ثبت وضمن أمن مدينة الجزائر ، ويعد ذلك في الحقيقة بداية السيطرة العثمانية على المغرب العربي .
فقد استدعي السلطان سليمان القانوني خير الدين باربروس إلى استانبول ليتفق معه حول الاجراءات التي يمكن اتخاذها لإيقاف الزحف الأوربي والعمل على تثبيت أقدام العثمانيين في الغرب العربي كجزء من عملية توسعهم في الوطن العربي .
قام خير الدين باعادة بناء الاسطول الجزائري ، واستعد لاقتحام تونس وضمان حرية التنقل بين شواطئ واطي البحر المتوسط ، وفي 18 نيسان سنة 1534 استولى بسهولة على مدينة تونس بعد ان اغتنم الثورة التي نشبت فيها ضد حاكمها أبي محمد الحسن الحفصي حليف الاسبان .
وسرعان ما استنجد الحسن بالاسبان الذين هرعوا إلى تجميع اسطولهم في حزيران سنة 1535 أمام ساحل سردينا والتوجه نحو تونس والاصطدام مع قوات خير الدين ومحاصرتها ، عندئذ اضطر خير الدين للانسحاب إلى ميناء عنابة ثم إلى ميناء الجزائر ، أما الاسبان فقد احتلوا مدينة تونس يوم 21 تموز 1535 وأعادوا الحسن إلى عرشه بعد أن عقدوا معه اتفاقا ضمن لهم مصالحهم وكان من أبرز بنود الاتفاق :
1- إطلاق سراح جميع الأسرى الاوربيين دون دفع أي فدية .
2- ضمان حرية التجارة للأوربيين والامتناع عن أعمال القرصنة .
3- على سلطان تونس دفع جزية سنوية إلى الاسبان مقدارها 12 الف قرش .
4- أن يتعهد سلطان تونس بتقديم هدية سنوية مكونة من 12 حصانا و12 مدفعا دليلا على الاستمرار بالاعتراف بالسيادة الاسبانية .
5- تتعهد اسبانيا بحماية تونس ضد أي هجوم أجنبي .
6- يبقى احتلال تونس لحين هدوء الحالة فيها .
بالغ الاسبان في الانتقام من التونسيين بسبب انضمامهم لقوات خير الدين فاستباحوا المدن التونسية ثلاثة أيام وفتكوا بقرابة ستين ألف من المواطنين التونسيين لذلك سرعان ما اندلعت الانتفاضات الشعبية ضد صنيعة الاسبان الحسن الحفصي وقد بلغت هذه الانتفاضات ذروتها في القيروان التي رفضت الاعتراف بسلطان يدين بعرشه للتدخل الأجنبي ، ثم توالت الانتفاضات مما اضطر السلطان الحفصي إلى الفرار فاستدعى التونسيون ابنه أبا العباس أحمد والي عنابة لتولي الحكم .
وجه الاسبان اسطولهم إلى جزيرة جربة سنة 1560 فاصطدم الاسطول العثماني ودحره وكان من بين الاسرى الأوربيين الكونت سيكالا الذي أعلن اسلامه وعرف باسم سنان باشا وكان له فيما بعد دور كبير في قيادة الاسطول العثماني وتحرير تونس من السيطرة الاسبانية في اواخر سنة 1574 ومنذ ذلك الوقت وحتى 1578 غدت تونس ولاية عثمانية يشرف على إدارتها والي الجزائر .
أما ليبيا فقد أشرنا فيما سبق أن أشرنا إلى احتلال الاسبان لمينائها طرابلس في سنة 1510 وفي سنة 1535 سلمت إلى فرسان القديس يوحنا بعد ان اشترطوا عليهم الدفاع عنهم ضد العرب ، وكان هذا التسليم ضمن اتفاقية عاملة طالب فيها الفرسان من شارل الخامس تسليم مالطة لتكون قاعدة لهم يغزون منها الوطن العربي .
في أعقاب تولي خير الدين قيادة الاسطول العثماني سنة 1533 وضع خطة للاستيلاء على طرابلس ، إلا ان التدخل الأسباني في سنة 1535 أدى إلى فشل الخطة ، وفي 18 أيلول سنة 1551 نجحت السفن العثمانية التي تجمعت في شرق البحر المتوسط ، ومنذ ذلك الوقت أصبحت طرابلس ولاية عثمانية .
أما إقليم برقة فقد كان تحت السيطرة العثمانية منذ الاستيلاء على مصر وقد أعلن زعماء إقليم فزان من أسرة بني محمد ولاءهم للعثمانيين .
تولى حكم ليبيا عدد من الولاة العثمانيين كان دار غوث باشا أشهرهم ، وهو الذي وسع السيطرة العثمانية لتشمل السواحل الليبية بكاملها ، كما أنشأ فرق الانكشارية هناك على أن اهتمام العثمانيين بليبيا ظل عسكريا بالدرجة الأولى واقتصر نفوذهم على المدن الساحلية .
أما مراكش الواقعة في الركن الغربي من المغرب فقد ظلت بعيدة عن متناول العثمانيين وحكمهم المباشر وذلك بسبب تنامي قوة الدولة السعدية الناشئة منذ منتصف القرن السادس عشر ، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها القادة العثمانيون ومنهم علي العلج بكر بكي الجزائر منذ 1568 لإخضاع مراكش الا ان ذلك لم يتحقق لسببين مهمين أولهما : النصر الكبير الذي حققه المغاربة على البرتغاليين في معركة وادي المخازن سنة 1578 الذي جعلهم محط تقدير السلطان العثماني ورغبته في إيقاف الحملات الموجهة ضد مراكش ، وثانيهما : ظهور شخصية قوية حاكمة فالمغرب ذلك هو المنصور السعدي الذي سعى للمحافظة على استقلال مراكش وعدم الخضوع للسيطرة العثماني .
لقد اتسم العثمانيون في المغرب العربي بظاهرة ضعف السيطرة العثمانية على ولاياته وبخاصة بين القرنين السابع عشر والتاسع وذلك لبعد المسافة التي تفصل بين هذه الولايات وعاصمة الدولة ، ثم لضعف الاداة التي لا بد منها لاحتفاظ الدولة بسيطرتها على تلك الولايات وهي القوة البحرية لذلك فقد لجأت هذه الولايات إلى تنظيم أداة الحكم والحرب فيها على نحو يكفل لها الدفاع عن كيانها في مواجهة الغزو الأوربي ، فقامت في طرابلس وتونس والجزائر أسر حاكمة تدين بالولاء الاسمي للعثمانيين ويتوارث أعضاؤها الحكم فيما بينهم ، ففي طرابلس قامت الأسرة القرمانلية وحكمت من 1711 حتى 1835 ، أما تونس فقد ظهرت الأسرة الحسينية التي تولت الحكم منذ 1704 وحتى 1956 وفي الجزائر اعتاد قادة البحر على اختيار حاكم من بينهم ، يسمونه " الداي " أما مراكش فقد استعصت على العثمانيين بفضل المقاومة التي أبدتها أسرة الشرفاء العلويين التي ما تزال في الحكم حتى يومنا هذا .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .